summrize book (Arabic)
ABCDEFG 3
التفكير العلمي
تأليف الدكتور فؤاد زكريا X¹uJ
�« ‡ »«œ
ü«Ë Êu
MH�« Ë W
�UI ¦K� w
MÞu �« f
K: « U¼
—bB ¹ W¹
dNý WO�
UIŁ V²�
WK� KÝ
acb
ABCDEFG
acb التفكير العلمي
تأليف الدكتور فؤاد زكريا
X¹uJ�« ‡ »«œü«Ë ÊuMH�«Ë W�UI¦K� wMÞu�« fK:« U¼—bB¹ W¹dNý WO�UIŁ V²� WK�KÝ
3
صدرت السلسلة في يناير ١٩٧٨ بإشراف أحمد مشاري العدواني ١٩٢٣ ـ ١٩٩٠
”— U�
19 78
ا�واد ا�نشورة في هذه السلسلة تعبر عن رأي كاتبها وال تعبر بالضرورة عن رأي اجمللس
M M M M
٥مقدمة
الفصل األول: ١٥سمات التفكير العلمي
الفصل الثاني: ٤٥عقبات في طريق التفكير العلمي
الفصل الثالث: ٩٣ا�عالم الكبرى في طريق العلم
الفصل الرابع: ١٣١العلم والتكنولوجيا
الفصل اخلامس: ١٤٥حملة عن العلم ا�عاصر
الفصل السادس: ١٦٣األبعاد االجتماعية للعلم ا�عاصر
الفصل السابع: ٢٠٩شخصية العالم
٢٤٥خا3ة
٢٥٥الهوامش
٢٥٧ا9راجع
5
مقدمة
لـيـس الـتـفـكـيـر الـعـلـمـي هـو تـفـكـيــر الــعــلــمــاء Bبالضرورة. فالعالم يفكر في مشكلـة مـتـخـصـصـة هي في أغلب األحيان منتمية إلى ميدان ال يستطيع غير ا9تخصص أن يخوضـهB بـل قـد ال يـعـرف فـي بعض احلاالت أنه موجود أصال. وهو يستخدم في تفكيره وفي التعبير عنه لغة متخصصة يـسـتـطـيـع أن يـتـداولــهــا مــع غــيــره مــن الــعــلــمــاءB هــي لــغــة اصطالحات ورموز متعارف عليها بينهمB وان تكن مختلفة كل االختالف عن تلك اللغة التي يستخدمها الناس في حديثهم ومعامالتهم ا9ـألـوفـة. وتـفـكـيـر Bالعالم يرتكز على حصيلة ضخمة مـن ا9ـعـلـومـات بل انه يفترض مقدما كل ما توصلت إليه البشرية طوال تاريخها ا9اضي في ذلك ا9يـدان ا9ـعـc مـن
ميادين العلم. أما التفكير العلمي الذي نقـصـده فـال يـنـصـب علـى مـشـكـلـة مـتـخـصـصـة بـعـيـنـهـاB أو حـتـى عـلـى Bمجموعة ا9شكالت احملددة التي يعاجلها العلمـاء وال يفترض معرفة بلـغـة عـلـمـيـة أو رمـوز ريـاضـيـة خاصةB وال يقتضي أن يكون ذهـن ا9ـرء مـحـتـشـدا با9علومات العلمية أو مدربا على البحث ا9ؤدي إلى حل مشكالت العالم الطبيعي أو اإلنسـانـي. بـل إن ما نود أن نتحدث عنه إnا هو ذلك النوع من التفكير ا9نظمB الذي qكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليوميةB أو في النشاط الذي نـبـذلـه حـn cـارس أعمالنا ا9هنية ا9عتادةB أو في عالقاتنا مع الـنـاس
مقدمة
6
التفكير العلمي
Bومع العالم احمليط بنا. وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظما وأن يبنى على مجموعة من ا9بادu التي نطبقها في كل حلظة دون أن نشعر Bمثل مبدأ استحالة تأكيد الشيء ونقيضـه فـي آن واحـد Bبها شعورا واعيا وا9بدأ القـائـل أن لـكـل حـادث سـبـبـاB وأن مـن احملـال أن يـحـدث شـيء مـن
الشيء. هذا النوع من التفكير هو ذلك الذي يتبقى في أذهاننا من حصيلة ذلك العمل الشاق الذي قام به العلماءB وما زالوا يقومون بهB من اجل اكـتـسـاب Bا9عرفة والتوصل إلى حقائق األشياء. فبناء العلم يعلـو طـابـقـا فـوق طـابـق وكل عالم يضيف إليه لبنة صغيرةB ور{ا اكتفى بإصالح وضع لبنة سابقة أضافها إليه غيره من قبل. ولكن األغلبية السـاحـقـة مـن الـبـشـر ال تـعـرف تفاصيل ذلك البناءB وال تعلم الكثير عن تلك اجلهود ا9ضـنـيـة الـتـي بـذلـت حتى وصل إلى ارتفاعه هذا. وهي تكتفي بأن تستخدمه وتنتفع منهB دون أن تعرف إال اقل القليل عن الطرق ا9ستخدمة في تشييده. وهذا أمر طبيعي Bإلى نشاط يزداد تخصصا بالتدريج Bعلى مر العصور Bالن العلم قد حتول وال تقدر على استيعابه إال فئة من البشر أعدت نـفـسـهـا لـه إعـدادا شـاقـا ومعقدا. ولكن هل يعني ذلك أن جمهرة الناس لم تتأثر بشيء ا زودها به العلمB فيما عدا تطبيقاته? وهل يعني أن العلم لم يترك أثرا في أية عقول فيما عدا عقول العلماء ا9شتغلc به? الواقع أن العلمB وان كانت تفاصيـلـه وأساليبه الفنية مجهولة لدى أغلبية البشرB قد ترك في عقول الناس آثارا ال 3حىB أعني أساليب معينة في التفكير لم تكن ميسورة للناس قبل ظهور عصر العلمB وكانت في ا9راحل األولى من ذلك العمر مختـلـطـة بـأسـالـيـب أخرى مضطربة مشوش ة وقفت حائال دون nو العقـل اإلنـسـانـي وبـلـوغـه
مرحلة النضج والوعي السليم. وهذه األساليب التي تركها العلم في العقولB حنى لو لم تكن قد اشتغلت به أو أسهمت بصورة مباشرة في تقدمهB هي ذلك النوع من التفكير العلمي الذي نود هنا أن ندرسه. فبعد أن يقدم العلماء إجنازاتهمB قد ال يفهم هذه اإلجنازات حق الفهمB ويشارك في استيعابها ونقدهاB إال قلـة ضـئـيـلـة مـن Bولكن «شيئا ما» يظل باقيا من هذه اإلجنازات لدى اآلخرين Bcا9تخصص أعني طريقة معينة فـي الـنـظـر إلـى األمـورB وأسـلـوبـا خـاصـا فـي مـعـاجلـة
7
مقدمة
ا9شكالت. وهذا األثر الباقي هو تلك «العقلية العلمية» التي qكن أن يتصف بها اإلنسان العاديB حتى لو لم يكن يعرف نـظـريـة عـلـمـيـة واحـدة مـعـرفـة كاملةB ولو لم يكن قد درس مقررا علـمـيـا واحـدا طـوال حـيـاتـه. إنـهـا تـلـك Bا9قلية ا9نظمة التي تسعى إلى التحرر من مخلفات عصور اجلهل واخلرافة والتي أصبحت سمة يزة للمجتمعات التي صار للعلم فيها «تراث» يترك
بصماته على عقول الناس. Bبهذا ا9عنى الواسع Bأو العقلية العلمية Bموضوعنا إذن هو التفكير العلمي ال {عنى تفكير العلماء وحدهم. على أننا لن نتمكن من إلقاء الضوء عـلـى هذه الطريقة العلمية في التفكير إال إذا أ9منا بـشـيء عـن أسـلـوب تـفـكـيـر العلماءB الذي انبثقت منه تلك العقلية العلمية في مـجـتـمـعـاتـهـم. فـتـفـكـيـر العلماء هو مصدر الضوءB ومن هذا ا9صدر تنتشر اإلشـعـاعـات فـي شـتـى االجتاهاتB وتزداد خفوتا كلما تباعدتB ولكنها تضـيء مـسـاحـة أكـبـر فـي عقول الناس العاديc كلما كان ا9نبر األصلي اشد نصاعة و9عانا. ومن هنا كان لزاما علينا أن نعودB من حc آلخرB إلى الطريقة التي يفكر بها مبدعو Bبل في مبادئها واجتاهاتها العامة Bال في تفاصيلها الفنية ا9تخصصة Bالعلم
.cالتي هي األقوى تأثيرا في تفكير الناس العادي وفي اعتقادي أن موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي. ففي الوقت الذي أفلح فيه العالم ا9تقدم-بغض النظر عن أنظمته االجتماعية-في تكوين تراث علمي راسخ امتدB في العصر احلديثB طوال أربعة قرونB واصبح qثل في حياة هذه اجملتمعات اجتاها ثابتا يسـتـحـيـل العدول عنه أو الرجوع فيهB في هذا الوقت ذاته يخوض ا9فكرون في عا9نا العربي معركة ضارية في سبيل إقرار ابسط مبادu التفكير العلميB ويبدو Bضي قدما إلى السنوات األخيرة من القرن العشريـنn ونحن Bحتى اليوم أن نتيجة هذه ا9عركة ما زالت على كفة ا9يزانB بل قد يخيل إلى ا9رء في ساعات تشاؤم معينة أن احتمال االنتصار فيها اضعف من احتمال الهزqة. وفي هذا ا9ضمار ال أملـك إال أن أشـيـر إلـى أمـريـن يـدخـالن فـي بـاب
العجائب حول موقفنا من العلم في ا9اضي واحلاضر: األمر األول هو أنناB بعد أن بدأ تراثـنـا الـعـلـمـيB فـي الـعـصـر الـذهـبـي للحضارة اإلسالمية: بداية قوية ناضجة سبقنا بها النهضة األوربية احلديثة
8
التفكير العلمي
بقرون عديدةB ما زلنا إلى اليوم نتجادل حول ابسط مبادu التفكير العلمي وبديهياته األساسية. ولو كان خط التقدم ظل متصالB منذ نهضتنا العلمية القدqة حتى اليومB لكنا قد سبقنا العالم. كله في هذا ا9ـضـمـار إلـى حـد يستحيل معه أن يلحق بنا اآلخرون. ومع ذلك ففي الوقت الـذي يـصـعـدون فيه إلى القمرB نتجادل نحن عما إذا كانت لألشياء أسبابها احملددةB وللطبيعة
قوانينها الثابتةB أم العكس. Bوأما األمر الثاني فهو أننا ال نكف عن الزهو {اضينا العلمـي اجملـيـد ولكننا في حاضرنـا نـقـاوم الـعـلـم أشـد مـقـاومـة. بـل أن األشـخـاص الـذيـن يحرصون على تأكيد الدور الرائد الذي قام به العلماء ا9سلمون في العصر الزاهي للحضارة اإلسالميةB هم أنفسهم الذين يحاربون التفكيـر الـعـلـمـي في أيامنا هذه. ففي أغلب األحيان تأتي الدعوة إلى الدفاع عن العـنـاصـر الالعقلية في حياتناB والهجوم على أية محاولة إلقرار أبسط أصول التفكير ا9نطقي والعلمي ا9نظمB وجعلها أساسا ثابتا من أسس حياتـنـا-تـأتـي هـذه الدعوة من أولئك األشخاص الذين يحرصونB في شتـى ا9ـنـاسـبـاتB عـلـى التفاخر أمام الغربيc بأن علماء ا9سلمc سبقوهم إلى كثير من أسـالـيـب التفكير والنظريات العلمية التي لم تعرفها أوربا إال في وقت متـأخـرB ومـا كان لها أن تتوصل إليها لوال اجلهود الرائدة للعلم اإلسالمي الذي تأثر به
األوروبيون تأثرا ال شك فيه. ومن اجللي أن هذا ا9وقف يعبر عن تناقض صارخ إذ أن ا9فروض فيمن يزهو بإجنازاتنا العلمية ا9اضية أن يكون نـصـرا لـلـعـلـمB داعـيـا إلـى األخـذ بأسبابه في احلاضرB حتى تتاح لنا العودة إلى تلك القمة التي بلغناها في Bونستخف بالعلم احلديث أو نحاربه Bعصر مضى. أما أن نتفاخر بعلم قد“
فهذا أمر يبدو مستعصيا على الفهم. وتفسير هذا التناقض يكمن-من وجهة نظري-في أحد أمرين: فمن اجلائز أن أولئك الذين يفخرون بعلمنا القد“ إnا يفعلون ذلك ألنه «من صـنـعـنـا نحن»B أي أنهم يعربون بذلك عن نوع من االعتزاز القوميB ومن ثم فهم ال يأبهون بالعلم احلديث ما دام «من صنع اآلخريـن». ومـن اجلـائـز أيـضـا أن B«ا يرجع إلى اعتزازهم «بالتراثnتأكيدهم ألمجاد العرب في ميدان العلم إ أيا كان ميدانهB ومن ثم فان كل ما يخرج عن نطـاق هـذا الـتـراث يـسـتـحـق
9
مقدمة
اإلدانة أو االستخفاف في نظرهم. وسواء أكان التعليل هو هذا أو ذاكB فان احللم الذي وصلنا إليه في الفترة الزاهية من احلضارة اإلسالمية ال qجد ألنه «علم» بل ألنه واحد من تلك الـعـنـاصـر الـتـي تـتـيـح لـلـعـرب أن يـعـتـزوا
بأنفسهمB أو بتراثهم. ولكننا إذا شئنا أن نكون مـتـسـقـc مـع أنـفـسـنـاB وإذا أردنـا أن نـتـجـاوز مرحلة اجترار ا9اضي والتغني بأمجاد األجـدادB وإذا شـئـنـا أال نـبـدو أمـام العالم كما يبدو أولئك العاطلون الذين ال رصيـد لـهـم مـن الـدنـيـا سـوى أن أجدادهم القدامى كانوا يحملون لقب «باشا» أو «لورد» أو «بارون»B فعليـنـا أن نحترم العلم في احلاضر مثلما احترمناه في ا9اضيB وأن نـعـتـرف بـأن هذا األسلوب في التفكيرB الذي كان مصدرا العتزازنا بأجدادنا في ا9اضي- أعني األسلوب العلمي-ينبغي أن يكون هدفا من أهدافنا التي نحرص عليها في احلاضر بدورهB وأن ا9عركة التي يشنها الفكر ا9تخلف على كل من يدعو إلى ا9نهج العلمي في التفكيرB سـتـقـف عـائـقـا فـي وجـه جـهـودنـا مـن أجـل اللحاق بركب العصرB بل ستلقى ظالال من الشك حول مدى إخالصنا في التغني بأمجاد «ابن حيان» و «اخلوارزمي» و «ابن الـهـيـثـم» و «الـبـيـرونـي». الذين كانوا يقفون في الصف األول من العقول التي تفكر باألسلوب العلمي
في عصورهم. واحلق أن أية محاولة العتراض طريق. التفكير الـعـلـمـيB فـي عـصـرنـا احلاضرB إnا هي معركة خاسرة. فلم يعد للسؤال: هل نتبع طريق العلم أم cبل إن الدول التي حتتل اليوم موقع الصدارة ب Bال? مجال في هذا العصر بالد العالم قد حسمت هذا السؤال منذ أربعة قرون عـلـى األقـل-ولـم تـعـد هذه ا9شكلة مطروحة أمامها منذ ذلك احلc. وصحيح أن طريق التفكيـر العلمي كان في بدايته شاقاB وأن ا9قـاومـة كـانـت عـنـيـفـةB وا9ـعـركـة دامـيـة Bولكن العلم اكتسح أمامه كل عناصر ا9ـقـاومـة Bسقط فيها شهداء كثيرون وأصبحت القوى ا9عادية لهB والتي كانت في وقت من األوقات 3سك بزمام السلطة في جميع ا9يادينB أصبحت هي التي تبحث لنفسها عن مكان في عالم يسوده العلم. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها عـدد مـحـدود مـن الـعـلـمـاء يكتشفون حقائق جديدة عن الكون بأسلوب منطقي هادBu وبناء على شواهد قاطعة وبراهc مقنعة ال سبيل إلى الشك فيها-منذ هذه اللحظة أصبحت
10
التفكير العلمي
سيادة العلم مسألة وقت فحسبB ولم يعد في وسع أية قوة أن تقف في وجه هذه الطريقة القاطعة في اكتساب ا9عارف اجلديدة. ذلك الن العلم ليس Bوالعالم شخص ال يهدد أحدا Bوال منافسة ألي شيء Bقوة معادية ألي شيء وال يسعى إلى السيطرة على أحد. وكـل ا9ـعـارك الـتـي حـورب فـيـهـا الـعـلـم والعلماء كانت معارك أساء فيها اآلخرون فـهـم الـعـلـمB ولـم يـكـن الـعـلـم وال Bcأصحابه هم ا9سئولون عنها. وأعظم خطأ يرتكبه ا9دافعون عن مبدأ مع أو عن ضرب من ضروب النشاط الروحي لإلنسانB هو أن يعتقدوا أن العلم مصدر خطر عليهمB ويضعوا مبدأهم أو نشاطهم الروحي في خصومه مع العلم. فعلت هذا الكنيسة األوربية في مطلع عصر النهضةB فقـام رجـالـهـا يحاربون العلم الوليد ويضطهدون روادهB ولم يكن ذلك منهم إال عـن جـهـل بطبيعة العلم أو طبيعة الدين أو كليهما معاB ور{ا كان في بعـض األحـيـان خوفا على نفوذ أو دفاعا عن مصالح يعتقدون أن أسلوب ا9عرفة اجلديدة كفيل بتهديدها. فماذا كانت النتيجة آخر األمر? ظل العلم يسير في طريقه Bوتعاقب ظهور العلماء األفـذاذ Bويحرز االنتصار تلو االنتصار Bبهدوء وثقة الذين كان معظمهم أشخاصا مخلصc في عقدهم الدينيةB ولم يكن أحد منهم يتصور أن اجلهد الذي يبذله من أجل بسط سيطرة العقل على الطبيعة وحتقيق النفع الخوته في اإلنسانية qكن أن يغضب أحداB السيما إذا كان من رجال الدين. واضطرت الكنيسة األوربية آخر األمر إلى التراجع أمـام قوة احلقيقة التي ال يستطيع أن ينكرها عقل سليمB ولكن تراجعها ر{ا كان قد أتى بعد فوات األوانB إذ أن الكثيرين يعزون موجات اإلحلاد التي اجتاحت أورباB منذ القرن الثامن عشر بوجه خاصB إلى تلك اخلصومة التي لم يكن Bأن الـعـلـم ال يـهـدد أحـدا Bوالتي افتعلتها الكنيسة ضد العلم. كـال Bلها داع وإnا هو في أساسه منهج أو أسلوب منظم لرؤية األشياء وفهم العالم. وكل ما وجه إلى العلم من اتهامات إnا هو في واقع األمر راجع إلى تدخل قوى أخرى ال شأن للعلم بهاB تفسد تأثير العلم أو تسيء توجيه نتائجه-وهو أمر
سنتحدث عنه في ثنايا هذا الكتاب بالتفصيل. وعلى العكس من ذلكB فان كل تقدم أحرزته البشرية في القرون األخيرة إnا كان مرتبطا-بطريق مباشر أو غير مباشر-بالعلم. وإذا كان من ا9عترف Bخالل األعوام ا9ائة األخيـرة Bبه أن وجه احلياة على هذه األرض قد تغير
11
مقدمة
بأكثر ا تغير خالل ألوف األعوام السابقةB فان الفضل األكبـر فـي ذلـك إnا يرجع إلى ا9عرفة العلميةB ويرجع-قبل ذلك-إلى وجود شعوب تـعـتـرف
بأهمية هذا اللون من ا9عرفة وتقدم إليه كل ضروب التشجيع. واليومB ال qلك أي شعب يريد أن يجد له مكانا عـلـى خـريـطـة الـعـالـم Bا9عاصر إال أن يحترم أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به. وكما قلت من قبل فليس التفكير العلمي هو حشد ا9علومات العلمية أو معرفة طرائق البحث في ميدان معc من ميادين العلمB وإnا هو طريقة في الـنـظـر إلـى األمـور تعتمد أساسا على العقل والبرهان ا9قنع-بالتجربة أو بالدليل-وهى طريقة qكن أن تتوافر لدى شخص لم يكتسب تدريبا خاصا في أي فرع بعينه من فروع العلمB كما qكن أن يفـتـقـر إلـيـهـا أشـخـاص تـوافـر لـهـم مـن ا9ـعـارف العلمية حظ كبيرB واعترف بهم اجملتمع بشهاداته الرسمية. فوضعهـم فـي مصاف العلماء. ولعل الكثيرين منا قد صادفوا على سبيل ا9ثال ذلك النمط من التجار الذين لم يكن لهم من الدراسة العلمية ا9نظمة نصيبB ولكنـهـم يدبرون شئونهمB في حياتهم العملية ور{ا في حياتهم اخلاصة أيضاB على Bا9تـحـكـمـة فـيـه cأساس نظرة عقالنية منطقية األوان العالم والى القوان دون أن يكون لديهم أي وعي باألسس التي تقوم عليها نظرتهم هـذه. وفـي Bالوجه ا9قابل لذلك فلقد رأيت بنفسي أشخاصا يعدهم اجملتمع من العلماء منهم من وصل في اجلامعة األوان كرسي األستاذيةB يـدافـعـون بـشـدة عـن كرامات ينسبونها األوان أشخاص معينc (ليسوا من األولياء وال ن عرفت عنهم أية مـكـانـة خـاصـة بـc الـصـاحلـB(c تـتـيـح لـهـم أن يـقـومـوا بـخـوارق كاستشفاف أمور حتدث في بلد آخـر دون أن يـتـحـركـوا مـن مـوضـعـهـمB أو حتقيق أمنياتهم بصورة مادية مجسمة {جرد أن تطرأ على أذهانهم هـذه األمنياتB وفي أحيان معينةB عبور البحر سيرا على األقدام! تلك بالـطـبـع حاالت شاذة متطرفةB ال qكن أن تعبر عن وجهة نظر «فئة» كاملةB ولكنها في تطرفها تساعد على إثبات ما نقوله من أن التفكير العلمي شيء وتكديس
ا9علومات العلمية شيء آخر. أما على مستوى اجملتمعات البشريةB فقد أصبحت النظرة العلمية ضرورة ال غناء عنها في أي مجتمع معاصر ال يود أن يعيش فـي الـظـل بـc سـائـر اجملتمعات. وحسبنا أن نشير إلى أن مبدأ التخطيـطB وهـو مـبـدأ أسـاسـي
12
التفكير العلمي
حاولت بعض األنظمة االجتماعية إنكار أهميته في بادu األمر ومنها اضطرت اآلمر تطبيقه على نطاق واسع فيما بعد-هذا ا9بدأ إnا هو تطبيق مباشر 9فهوم التفكير العلمي ا9نهجي من اجل حل مـشـكـالت اجملـتـمـع الـبـشـري. ولقد أصبح من ا9ألوف في عا9نا ا9عاصر أن نسمع تعبيرات كالتخـطـيـط االقتصادي أو اخلطة االقتصادية) والتخطـيـط االجـتـمـاعـيB والـتـخـطـيـط التربوي والعلميB والتخطيط الثقافيB وكلها تعـبـيـرات تـدل عـلـى اعـتـراف اجملتمع احلديث بأن ميادين أساسية للنشاط البشريB كاالقتصاد والشئون Bأصبحت توجه بطريقة علمية منظمة Bاالجتماعية والتربية والعلم والثقافة بعد أن كانت تترك لتنمو على نحو تلقائيB أو تخضع لتنظيمات مؤقتة تغيب عنها الصورة الشاملة للميدان بأكملهB وتسرى خالل وقت محدود فحسب. وكل جناح يحرزه التخطيط في عا9نا ا9عاصر إnا هو جناح للنظرة العلمية في تدبير شؤون اإلنسان. بل إن العلم تغلغـل بـادu األمـر فـي مـيـاديـن ظـل الناس طويال يتصورون أنها {نأى عن التنظيم ا9نهجي والتخطيط ا9دروس. فنحن نسمع اليوم عن دعاية سياسية «علمية» استطاعت بفضلها الدول أن تنشر ا9بادu واألفكار التي ترى من مصلحتها نشرهاB أما بc أفراد شعبها وأما بc أفراد الشعوب األخرىB بطريقة مدروسة تؤدي اآلمر تيسير قبول العقول لهذه ا9بادu وإضعاف قدرتها على مقاومتها بالتدريج. ومنذ الوقت الذي افتتح فيه «جوبلز»B الوزير النازي ا9شهورB عهد الدعاية «العلمية»B لم تعد هناك دولة حديثة إال وتلجأB بصورة أو بأخرىB اآلمر تلـك األسـالـيـب ا9نظمة ا9دروسة في اإلقناع وتشكيل العـقـول. وقـل مـثـل هـذا عـن أعـمـال Bالتجسس ونشاط أجهزة اخملابرات التي أصبحت لها مدارس ومناهج منظمة بعد أن كانت تعتمد على االجتهاد الفرديB وأصبحت تستعc بأحدث الكشوف العلمية وبأكبر عدد من العلماء ا9تخصصc كيما تؤدي عمـلـهـا عـلـى نـحـو
فعال. وإذا كان العلم في ا9يدانc السابقc يستخدم على نحـو قـد يـتـعـارض أحيانا مع القيم اإلنسانية الشريفةB فانه في ميادين أخرى يستخـدم عـلـى نحو يثرى روح اإلنسان أو يزيد من قدراته الروحية اجلسمية. فـي مـيـدان الفنون أتيح لألجيال التـي تـعـيـش فـي الـقـرن الـعـشـريـن أن تـتـلـقـى دروسـا وتدريبات-في ميادين اإلبداع أو األداء الفني-لم تكن متاحة إال على نـطـاق
13
مقدمة
ضيق لألجيال السابقةB وكان من نتيجة ذلك اتساع ثقـافـة الـفـنـان وإ9ـامـه بأصول فنهB وبلوغ الفنون األدائية (كا9وسيقى والرقص والتمثيل) مستويات تصل أحيانا اآلمر حد اإلعجاز. كذلك أصبحـت الـريـاضـة الـبـدنـيـة عـلـمـا با9عنى الصحيحB بعد أن كانت تعتمـد عـلـى االجـتـهـاد الـشـخـصـيB و3ـكـن اإلنسان بفضل التدريب ا9نهجي ا9دروس من بلوغ نتائج كـانـت تـدخـل مـن قبل في باب ا9ستحيالت. وهكذا أصبحت حياة اجملتمعات احلـديـثـةB فـي سياستها وحربها وسلمها وجدها ولهوهاB منظمة تنظيما علميا منضـبـطـا ودقيقا. ولم يعد في وسع مجتمع لديه أدنى قدر من الطموح أن يسير في أموره بالطريقة العفوية التي كانت سائدة في عصور ما قبل العلم. وإذا كنا- في الشرق بوجه خاص-نسمع بc احلc واحلc أصواتا حتن اآلمر العهد التلقائيB في أي ميدان من ا9يادينB فلنكن على ثقة من أن أصـحـاب هـذه الدعوات أما مغرقون في رومانسية حا9ةB وأما مدفوعـون بـالـكـسـل اآلمـر كراهية التنظيم العلمي الذي ال ينكر أحد أنه يتطلب جهدا شـاقـا. وسـواء أكان األمر على هذا النحو أو ذاكB فقد آن األوان الن نعترفB في شجاعة وحزمB بأن عصر التلقائية والعشوائية قد ولىB وبأن النظرة العلمـيـة إلـى- شئون احلياة في ميادينها كافة هي وحدها التي تضمن للمنع أن يسير في طريق التقدم خالل القرن العشرينB وهـي احلـد األدنـى الـذي ال مـفـر مـن توافره في أي مجتمع يود أن يكون له مكان في عالم القرن احلادي والعشرين. الذي أصبح أقرب إلينا ا نظن. وإذا كان بعض من يعيشون معنا في الربع األخير من القرن العشرين غير مقتنعc حتى اليوم بجدوى األسلوب العلمي في معاجلة األمورB وإذا كانوا ال يزالون يضـعـون الـعـراقـيـل أمـام الـتـفـكـيـر Bفليفكروا حلظة فـي أحـوال الـعـالـم فـي الـقـرن الـقـادم Bالعلمي حتى اليوم الذي سيعيش فيه أبناؤهم. ومن هذه الزاوية فإني أعد هذا الكتاب محاولة إلقناع العقول-في عا9نا العربي-بأن أشياء كثيرة ستفوتنا لو امتثلنا لالجتاهات ا9عادية للعلمB وبأن مجرد البقاء في ا9ستقبلB دون نظرة علمـيـة وأسـلـوب
علمي في التفكيرB سيكون أمرا مشكوكا فيه.
١٩٧٧مارس فؤاد زكريا
14
التفكير العلمي
15
سمات التفكير العلمي
سمات التفكير العلمي
لم يكتسب التفكير العلمي سماته ا9ميزةB التي Bأتاحت له بلوغ نتائجه النظرية والتطبيقية الباهرة إال بعد تطور طويلB وبعد التغلب على عقبات كثيرة. وخالل هذا التطور كان الناس يفكرون على أنحاء متباينة. يتصورون أنها كلها تهديهم إلى احلقيقـة. ولكن كثيرا من أساليـب الـتـفـكـيـر اتـضـح خـطـؤهـا فأسقطها العقل البشري خالل رحلته الطويلةB ولم تصمد في النهاية إال تلك السمات التي تثبت أنها تساعد على العلو ببناء ا9عرفة وزيادة قدرة اإلنسان على فهم نفسه والعالم احمليط به. وهكذا qكنـنـا أن نستخلص مجموعة من اخلصائص التي تتـسـم بها ا9عرفة العلميةB أيا كان ا9ـيـدان الـذي تـنـطـبـق عليهB والتي تتميز بها تلك ا9عرفة عن سائر مظاهر النشاط الفكري لإلنسانB ونستطيع أن نتـخـذ مـن هذه اخلصائص مقياسا نقيس به مدى علميـة أي نوع من التفكيـر يـقـوم بـه اإلنـسـان. فـمـا هـي هـذه
السمات الرئيسية?
- التراكمية:١ العلم معرفة تراكمية. ولفظ «التراكـمـيـة» هـذا يصف الطريقة التي يتطور بها العلم والتي يعلو بها
1
16
التفكير العلمي
صرحه. فا9عرفة العلمية أشبه بالبناء الذي يشيد طـابـقـا فـوق طـابـقB مـع فارق أساسي هو أن سكان هذا البناء ينتقلون دواما إلى الطابق األعلى. أي انهم كلما شيدوا طابقا جديدا انتقلوا إليه وتركوا الطوابق السفلى لتـكـون
مجرد أساس يرتكز عليه البناء. وقد يبدو هذا الوصف أمرا طبيعيا بالنسبـة إلـى أي نـوع مـن الـنـشـاط العقلي أو الروحي لإلنسان. ولكن قليال من التفكير يقنعنا بأن األمر ليس كذلك بالنسبة إلى أنواع متعددة من هذا النشاط. فقد عرف اإلنسان منذ العصور القدqة نوعا من النشاط العقلي قد يبدو مشابها للمعرفة العلمية إلى حد بعيدB هو ا9عرفة الفلسفية. ولكن هذه ا9عرفة الفلسـفـيـة لـم تـكـن تراكميةB {عنى أن كل مذهب جديد يظهر في الفلسفـة لـم يـكـن يـبـدأ مـن حيث انتهت ا9ذاهب السابقةB ولم يكن مكمال لهاB بل كان ينتقد ما سبقـه ويتخذ لنفسه نقطة بداية جديدة. ومن هنا فإننا إذا استخدمنـا الـتـشـبـيـه السابقB كان في وسعنا أن نقول أن البناء الفلسفي ال يرتفع إلى أتعلىB بل انه qتد امتدادا أفقيا. وفضال عن ذلك فان سكان هذا البنـاء ال يـتـركـون طوابقه القدqةB بل يظلون مقيمc فيها مهما ظهرت له من طوابق جديدة. ذلك الن افتقار ا9عرفةB في ميدان الفلسفةB إلى الصفة التراكميةB يجـعـل ا9شتغلc بالفلسفة يجدون في تياراتها القدqة أهمية ال تقل عـن أهـمـيـة
التيارات احلديثةB ومن ثم تظل موضوعا دائما لدراستهم. ومثل هذا يقال عن الفنB فالفن ينموا أفقياB {عنـى أنـنـا نـظـل نـتـذوق الفن القد“B وال نتصور أبدا أن ظهور فن جديد يعني التخلي عـن أعـمـال الفنانc القدماء أو النظر إليها {نظور تاريخي فحسب. وبطبـيـعـة احلـال فان هذا النمو األفقي ال يعني أن أي اجتاه جديد في الـفـن كـان qـكـن أن يظهر في أي عصر سابقB إذ أن ظهور االجتاهات الفنية مرتبـط ارتـبـاطـا وثيقا {جموع األوضاع اإلنسانية التي يظهر فيـهـا كـل اجتـاه مـنـهـاB أعـنـي باألوضاع االجتماعية والثقافية والروحية وا9اديةB الخ... بحيث ال qكن أن يفهم هذا االجتاه حق الفهم إال في سياقه التاريخي الذي ظهر فيه. ولكن الذي يعنينا هو أن تذوقنا لفن معاصر ال qنعنا من أن نتذوق فنون العصور ا9اضيةB وأن الروح اإلنسانية التي جتد متعة في أعمال فنية حديـثـة جتـد
أن تنسخ الـقـد“ النًمتعة اثلة-فـي أعـمـال الـسـابـقـBc وال حتـاول أبـدا
17
سمات التفكير العلمي
هناك جديدا ظهر ليحل محله. أما في حالة ا9عرفة العلميةB فان األمر يختلفB إذ أن كل نظرية علمية جديدة حتل محل النظرية القدqةB والوضع الذي يـقـبـلـه الـعـلـمـاء فـي أي عصر هو الوضع الذي qثل حالة العلم في ذلك العصر بـعـيـنـهB ال فـي أي عصر سابق. والنظرية العلمية السابقة تصبح: {جرد ظهور اجلديدB شيئا «تاريخيا» أي أنها تهم مؤرخ العلمB ال العالـم نـفـسـه. ومـن هـنـا فـان سـكـان البناء العلميB كما قلنا من قبلB هم في حالة تنقل مسـتـمـرB ومـقـرهـم هـو
أعلى الطوابق في بناء ال يكف حلظة واحدة عن االرتفاع. Bوتكشف لنا سمة «التراكمية» هذه عن خاصية أساسية للحقيقة العلمية هي أنها نسبية. فاحلقيقة العلمية ال تكف عن التطورB ومهمـا بـدا فـي أي وقت أن العلم قد وصل في مـوضـوع مـعـc إلـى رأي نـهـائـي مـسـتـقـرB فـان
التطور سرعان ما يتجاوز هذا الرأي ويستعيض عنه برأي جديد. وهكذا بدا للناسB في وقت معBc أن فيزياء «نيوتن» هي الكلمة األخيرة في ميدانهاB وأنها تعبر عن حقيقة مطلقةB ودام هذا االعتقاد ما يقرب من Bفابتلعت فيزياء نيوتن في داخلها cثم جاءت فيزياء أينشت Bمن الزمان cقرن وجتاوزتها وأثبتت أن ما كان يعد حقيقة مطلقة ليس في الواقع إال حقيقة
نسبيةB أو حالة من حاالت نظرية أوسع منها واعم. هذا ا9ثل يكشف لنا عن طبيعة التراكم ا9ميز للحقائق العـلـمـيـة. فـفـي بعض احلاالت حتل النظرية العلمية محل القدqـة وتـنـسـخـهـا أو تـلـغـيـهـا. Bـةqولكن في معظم احلاالت ال تكون النظرية اجلديدة بديـال يـلـغـي الـقـد وإnا توسعها وتكشف عن أبعاد جديدة لم تسـتـطـع الـنـظـريـة الـقـدqـة أن تفسرها أو تعمل لها حسابا. وهكذا يكون القد“ متضمنا في اجلديدB وال يكون العالمB كالفيلسوفB عقال يبدأ طريقه من أول الشوطB وإnا يستمد
نقطة بدايته من حيث توقف غيره. ولكنB إذا كانت احلقيقية العلمية نسبية على هذا النحـوB فـكـيـف جـاز للبعض أن يصفوها بأنها «مطلقة»? إننا نصف مشاعرنا االنفعالية وأذواقنا الفنية بأنها «نسبية» ونعنى بذلك أنها تختلف من فرد آلخرB وانه ليس من حق أحد أن يفرض ذوقهB مثالB على اآلخرين. ولكننا نقول عـن احلـقـيـقـة Bاألفراد cالعلمية أنها «مطلقة» {عنى أنها ال تتجاوز نطاق االختالفات ب
18
التفكير العلمي
Bوال تتقيد بظروف معينة بل تتخطى احلدود اجلزئية لكل عقل علـى حـدة cلكي تفرض نفسها على كل عقل إنـسـانـي بـوجـه عـام. وهـذه الـتـفـرقـة بـ طريقة حكمنا على عمل فني وطريقة اقتناعنا باحلقيقة العلمية هي تفرقة صحيحة. فكيف إذن نوفق بc االعتقاد الذي قلنا انه صحيح-بأن احلقائق
العلمية مطلقةB وبc ما قلناه منذ قليل من أنها نسبية? الواقع أن احلقيقة العلميةB في إطارها اخلاصB تصدق على كل الظواهر وتفرض نفسها على كل عقلB وبهذا ا9عنى تكون مطلقة. فحc نقول أن ا9اء
B ال نعني بذلك كميـة ا9ـاء٢ إلى ١يتكون من أكسجc وهيدروجc بـنـسـبـة Bبل نعني أية كمية من ا9اء على اإلطـالق Bالتي أجرينا عليها هذا االختبار وال نوجه هذه احلقيقة إلى عقل الشخص الذي أجري أمامه هذا االختبار فحسبB بل إلى كل عقل بوجه عام. ولكننا قد نكتشف في يوم ما أمالحـا في ا9اء بنسبة ضئيلةB أو نصنع «ا9اء الثفيل» (ا9ستخدم في اجملال الذري) فيصبح احلكم العلمي السابق نسبياB ال {عنى انه يتغيـر مـن شـخـص إلـى آخرB بل {عنى انه يصدق في إطاره اخلاصB وإذا تغير هذا اإلطار كان ال بد من تعديله. وهذا اإلطار اخلاص قد يكون هو اجملال الذي تصدق فـيـه احلقيقة العلميةB كما هي احلال في أوزان األجسامB التي يـظـل مـقـدارهـا صحيحا في إطار اجلاذبية األرضيةB ولكنها تختلف إذا نـقـلـت إلـى مـجـال القمر. كما قد يكون هذا اإلطار زمنياB {عنى أن احلقيقة التي تـعـبـر عـن ا9ستوى احلالي للعلم تظل صحيحة وتفرض نقسها على اجلميع في حدود Bالطابع النسبي للحقيقة cمعرفتنا الراهنة. وبذلك يكون هناك تعارض ب وبc قولنا أنها مطلقة. بل إن احلقيقة ا9طلقة كثيرا ما يعبر عنها بعبارات نسبيةB كما يحدث عندما نقول أن ضغط الغاز يتناسب تناسبا عكسيا مع درجة حرارته مقيسة {قياس كلفن. «فالنسبة» ذاتها تصبح في هذا القانون مطلقةB وان كانت قيم الضغط واحلرارة مختلفة فيهـا بـاسـتـمـرار. وهـكـذا فان صفة «التراكمية»B في التفكير العلمي جتمع بيت الطابع النسبي والطابع
ا9طلق للعلم دون أي تناقض. هذه السمة «التراكمية» التي يتسم بها العلم هي التي تقدم إلينا مفتاحا للرد على انتقاد يشبع توجيههB في بالدنا الشرقية على وجه اخلوصB إلى العلمB وهو االنتقاد الذي يستغل تطور العلم لكي يتهم ا9عرفة العلمية والعقل
19
سمات التفكير العلمي
العلميB بالنقصان. فمن الشائع أن يحمل أصحاب العقليات الرجعية على العلم ألنه متغيرB والن حقائقه محدودةB وألنه يعـجـز عـن تـفـسـيـر ظـواهـر كثيرةB وهم بذلك يفتحون الباب أمام أنواع أخرى من التفسير اخلارجة عن نطاق العلم أو ا9عادية له. وواقع األمر أن هذا ليس اتهاما للعلم على اإلطالق. فإذا قلت إن العلم متغيرB كنت بذلك تصر بالفعل عـن سـمـة أسـاسـيـة مـن سمات العلمB وإذا اعتبرت هذا التغير عالمـة نـقـص فـإنـك تـخـطـئ بـذلـك خطأ فاحشا: إذ تفترض عندئذ أن العلم الكامل البد أن يكون «ثابتا»B مع أن ثبات العلم في أية حلظةB واعتقاده أنه وصل إلى حد االكتمالB ال يعني إال بنهايته وموتهB ومن ثم فان الثبات في هذا اجملال هو الذي ينبغـي أن يـعـد عالقة نقص. إن العلم حركة دائبةB واستمرار حيويته إnا هـو مـظـهـر مـن مظاهر حيوية اإلنسان الذي أبدعهB ولن يتوقف هذا العلم إال إذا تـوقـفـت حياة مبدعه ذاته. والتغيير الذي يتخذ شكل «التقدم» والتحسc ا9سـتـمـر هو دليل على القوةB ال على الضعف. ومن ا9ؤكد أن هذا هو طابع الـتـغـيـر العلميB بدليل أن النظرية اجلديدة في كثير من احلاالت تستوعب القدqة في داخلها وتتجاوزهاB وتفسر الظواهر على نطاق أوسع منهاB كما قلنا من
قبل. ومجمل القول أن ا9عرفة العلمية متغيرة حقاB ولكن تغيرها يتخذ شكل «التراكم»B أي إضافة اجلديد إلى القد“B ومن ثم فان نطاق ا9عرفـة الـتـي تنبعث من العلم يتسع باستمرارB كما أن نـطـاق اجلـهـل الـذي يـبـدده الـعـلـم ينكمش باستمرار. ومن هنا لم يكن انتقال العلـم إلـى مـواقـع جـديـدة عـلـى الدوام عالمة من عالمات النقص فيهB بل أن النقص إnا يكمـن فـي تـلـك النظرة القاصرة التي تتصور أن العلم الصحيح هو العلم الثابت وا9كتمل. ولكنB في أي اجتاه يسير هذا التراكم الذي تتسم به ا9عرفة العلـمـيـة? انهB في واقع األمرB يسير في االجتاهـBc الـرأسـي واألفـقـيB أعـنـي اجتـاه التعمق في بحث الظواهر نفسهاB واجتاه التوسع واالمتداد إلى بحث ظواهر
جديدة. Bالذي نستطيع أن نسميه اجتاها رأسيا أو عموديا Bأما عن االجتاه األول ففيه يعود العلم إلى بحث نفس الظواهر التي سبق له أن بحثهاB ولكن من منظور جديدB وبعد كشف أبعاد جديدة فيها. فالبحث الفيزيائي والكيميائي
20
التفكير العلمي
في ا9ادة: مثالB بدأ بخصائص ا9ـواد كـمـا نـتـعـامـل مـعـهـا يـومـيـاB أي عـلـى مستوى إدراك حواسنا ا9ادية. وبازدياد تقدم العلم ازداد مستوى األبحـاث في الظواهر نفسها تعمقاB فكشفت مستويات جديدة للمادة ألـقـت مـزيـدا من الضوء على ظواهر العالم الفيزيائي والكيميائـيB وانـتـقـل الـبـحـث إلـى مستوى اجلزيئات والذراتB ثم إلـى مـسـتـوى دون الـذريB أي مـسـتـوى أدق مكونات الذرة نفسهاB ومازال الـعـلـم يـتـعـمـقB فـي هـذا ا9ـيـدان الـهـامB إلـى مستويات تزداد دقةB وتتيح لنا مـزيـدا مـن الـسـيـطـرة عـلـى الـعـالـم ا9ـادي. وينطبق هذا على العلوم اإلنسانية بدورهاB إذ qكن القول على سبيل ا9ثال أن التحليل النفسي عند فرويد هو محاولة للتغلغل إلـى أبـعـاد فـي الـنـفـس البشرية اعمق من تلك التي كان يقتصر عليها علم النفس التقليديB الذي كان يتناول سلوك اإلنسان وفقا 9ظاهره اخلارجـيـةB ويـقـتـنـع بـالـتـعـديـالت والتبريرات الواعية التي تقدم لهذا السلوكB دون أن يدرك أن من وراء هذا Bال يريد اإلنسان أن يفصح عنها Bالتبرير «الواعي» دوافع ال شعورية خفية
وإnا تستخلص بعملية حتليل متعمقة. وأما االجتاه الثانيB وهو االجتاه الذي qكن أن يسمى أفقياB فهو اجتاه العلم إلى التوسع واالمتداد إلى ميادين جديدة. ذلك الن العلم بدأ بنـطـاق محدود من الظواهرB هي وحدها التي كان يعـتـقـد أنـهـا خـاضـعـة لـقـواعـد البحث العلميB على حc أن ميادين كثيرة كانت تعد أعقدB أو أقدسB مـن أن يتناولها العلمB وحسبنا أن نشير في هذا الصدد إلى أن آخر العلوم في Bترتيب الظهور كانت مجموعة العلوم التي تدرس اإلنسان بطريقة منهجية مثل علم االجتماع وعلم النفسB اللذين ظهرا في القرن التاسع عشـرB أمـا قبل ذلك فكانت دراسة اإلنسان متروكة للتأمالت الفـلـسـفـيـةB الـتـي كـانـت تزودنا-بغير شك-بحقائق عظيمة القيمة عن اإلنسانB ولكن هذه احلقـائـق كانت تتخذ شكل استبصارات عبقرية وال ترتكز على دراسة منهجية. والسبب الرئيسي لذلك هو االعتقاد الذي ظل سائدا طويال بأن العلم ال يستطيع أن يقترب من مجال اإلنسانB وأن هذا اجملال له حـرمـتـه وقـداسـتـه اخلـاصـة
التي ال يصح أن «تنتهك» بالدراسة العلمية. والواقع أن مسألة الترتيب الذي ظهرت به العلوم الطبيعية واإلنسانيـة هو موضوع له من األهمية ما يجعله جديرا بأن نستطرد فيه قلـيـال. ذلـك
21
سمات التفكير العلمي
الن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الصددB هو أن اإلنسان عندما يبـدأ في ارسة ا9عرفة العلميةB يبدأ {عرفة نفسهB عـلـى أسـاس أن هـذا هـو أقرب ا9يادين إليهB وهو ا9يدان الذي تكون فيه ا9الحـظـة مـبـاشـرة بـحـق. وبعد أن تكمل دراسته لنفسه يصبح لديه من النضج ما يسمح له بـدراسـة العالم اخلارجي. ور{ا كان يعزز هذا الرأي أن اآلداب والفلسفات والعقائد والتشريعاتB التي تعد شكال قدqا وهاما من أشكال معرفة اإلنسانB قـد
ظهرت قبل العلم التجريبي بزمن طويل. ولكن حقيقة األمر هـي أن هـذا الـشـكـل األولـي الـذي اتـخـذتـه مـعـرفـة اإلنسان لنفسه كان بعيدا عن الطابع العلميB ولم يكن من ا9مكن بالفعل أن يبدأ العلم بـدراسـة اإلنـسـانB بـل كـان ا9ـعـقـول أن يـبـدأ بـدراسـة الـطـبـيـعـة اخلارجية. ولقد كان هذا هو ما حدث بـالـفـعـل فـي الـتـاريـخ. فـفـي الـعـالـم القد“ كانت ا9ذاهب الفلسفية األولى مذاهب «طبيعية»B ولم تظهر ا9ذاهب التي تتناول اإلنسان إال في وقت متأخر. وهكذا بدأت الفلسفـة بـا9ـدرسـة األيونية والذرية الخB التي تركزت أبحاثها على الـعـالـم الـطـبـيـعـيB قـبـل أن يظهر السفسطائيون وسقراط وأفالطونB الذين جعلوا اإلنسان موضـوعـا هاما لفلسفاتهم. وفي العصر احلديث بدأت النهضة العلمية بدراسة الطبيعة بطريقة مكثفةB ولم تلحقها دراسة اإلنسان علميا إال بعد قرنc على األقل. وهذا أمر غـيـر مـسـتـغـربB إذ أن دراسـة اإلنـسـانB وإن كـانـت تـبـدو أقـرب وأسهل مناال ألنها تتعلق {عرفة اإلنسان لنفسه على نحو مباشرB هي فـي واقع األمر أعقد بكثير من دراسة الطبيعةB ألنها 3س أمورا نعتبرها مقدسة في كياننا الداخليB والن العالقة بc األسباب والنتائج فيها شديدة التعقيد والتشابكB على عكس احلال في دراسة الطبيعةB حيث تسير هذه العالقة
دائما في خط واحد قابل للتحديد. وعلى أية حال فان التطور في االجتاهc-اعني اجتاهي لدراسة الطبيعة ودراسة اإلنسان-كان متداخالB ولم يكن الفاصل بc ا9يدانc قاطعا: ففي احملاوالت األولى التي بذلها العقل البشـري مـن أجـل فـهـم الـطـبـيـعـةB كـان اإلنسان يلجأ األولى تشبيه الطبيعة بنفسهB وفهمها من خالل ما يحدث في Bفيتصور أن أحواله النفسية واحليوية لها نظير في حوادث الطبيعة Bداخله وكأن الطبيعة تسلك كما يسلك اإلنسان. وفي العصر احلديـث دار الـزمـن
22
التفكير العلمي
دورة كاملة: فبعد أن كانت الظواهر الطبيعية تفـسـر عـلـى مـثـال الـظـواهـر البشريةB أصبحت دراسة اإلنسان-في كثيـر مـن االجتـاهـات احلـديـثـة-تـتـم على مثال الطبيعةB وظهر ذلك في تصور «أوجست كونت» وخلفائه للظواهر االجتماعية كما لو كانت ظواهر طبيعيةB كما ظهر عند «السلوكيc» وا9دارس التجريبية في علم النفس بوجه عام-حيث يفسر السلوك اإلنساني كمـا لـو كان سلسلة من ردود األفعال الطبيعية. وهكذا أصبحت الظواهر ا9تعـلـقـة بكائن له حياة ونفس أو روح (أعني اإلنسان) تدرس كأنها ظواهر تنتمي إلى الطبيعة اجلامدةB بعد أن كانت ظـواهـر الـطـبـيـعـة اجلـامـدةB فـي الـعـصـور
القدqةB تفسر كما لو كانت ذات حياة ونفس أو روح. والذي يعنينا من هذا كله هو أن العلم يتوسع وqتد رأسيا وأفقياB وأنه يقتحم على الدوام ميادين كانت من قبل متروكة للخرافات أو للتفسـيـرات الالعقلية. فحتى القرن الثامن عشر كانت أوربـا ذاتـهـا تـنـظـر إلـى ا9ـرض العقلي على انه ناجت عن تسلط روح شريرة عـلـى اإلنـسـانB وكـانـت تـعـامـل ا9ريض بقسوة شديدة بهدف إخراج هذه الروح الشريرة منه. وفي كثير من
احلاالت كانت هذه القسوة تؤدي إلى موته. وبالتدريج أخذ العلم يقتحم هذا ا9يدان بدورهB ميدان العقـل الـبـشـري في صحته وفي مرضهB وامتدت رقعة ا9عرفة الـعـلـمـيـة إلـى أرض جـديـدة كانت محرمة على العلم من قبل. واألمثلة على ذلك عديدةB وكلها تثبت أن
العلم يتوسع في جميع االجتاهات. ومرة أخرى نقول أن هذا التوسع يتضمن ردا مفحما على أولئك الذين يجدون متعة خاصة في اتهام العـقـل الـبـشـري بـالـقـصـورB عـلـى أسـاس أن هناك ميادين كثيرة لم يستطع هذا العقل حتى اآلن أن يقتحمها. ذلك الن هؤالء لو تأملوا مسار العقل في تاريخه الطويل بنظرة شاملـةB ال تـقـتـصـر على اللحظة التي يعيشون فيها وحدهاB ألدركـوا أن عـصـورا كـثـيـرة قـبـلـنـا Bانا قاطعا بعجز العقل العلمي عن اقـتـحـام مـيـاديـن مـعـيـنـةqكانت تؤمن إ ولكن التطور سرعان ما أثبت لهم خطأهم. وهذا درس ينبغي أن يستخلصوا منه عبرة بليغة: وهى أن التوسع في ا9عرفة البـشـريـة يـسـيـر بـاطـرادB وأن كثيرا من ا9يادين التي نتصور اليوم أنـهـا بـعـيـدة عـن مـتـنـاول الـعـلـم سـوف تصبح موضوعا للدراسة العلمية ا9نظمة في ا9ستقبل القريب أو البعيد.
23
سمات التفكير العلمي
- التنظيم:٢ في كل حلظة من حياتنا الواعية يستمر تفكيرناB ويعمل عقلنا بال انقطاع. ولكن نوع التفكير الذي نسميه «علميا» ال qثـل إال قـدرا ضـئـيـال مـن هـذا التفكير الذي يظل يعمل دون توقف. ذلك الن عقـولـنـا فـي جـزء كـبـيـر مـن نشاطها ال تعمل بطريقة منهجية منظمةB وإnا تسير بـطـريـقـة اقـرب إلـى التلقائية والعفويةB وكثيرا ما يكون نشاطها مجرد رد فعل على ا9واقف التي تواجههاB دون أي تخطيط أو تدبر. بل إننا حc ننفرد بأنفسنا ونتصور أننا «نفكر»B كثيرا ما ننتقل من موضوع إلى موضوع بطريقة عشوائيةB وتتداعى األفكار في ذهننا حرة طليقة من أي تنظيمB فنسمـي هـذا شـرودا أو حـلـم يقظةB ولكنه يظل مع ذلك شكال من أشكال التفكير. ومـثـل هـذا الـتـفـكـيـر الطليقB غير ا9نظمB سهل ومريحB ولذلك فإننا كثيرا ما نستسلـم لـه هـربـا من ضغط احلياةB أو تخفيفا جملهود قمنا بهB أو جنعل منه «فاصال» مريحا
بc مراحل العمل العقلي الشاق. أما التفكير العلمي فمن أهم صفاته التنظيمB أي أننا ال ال نترك أفكارنا تسير حرة طليقةB وإnا نرتبها بطريقة محددةB وننظمها عن وعيB ونبذل جهدا مقصودا من أجل حتقيق أفضل تخطيط كن للطريقة التي نفـكـر بها. ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب عـلـى كـثـيـر مـن عـاداتـنـا اليومية الشائعةB ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا إلرادتنا الواعيةB وتركيز Bوكلها أمور شاقة حتتاج إلى مران خاص Bعقولنا في ا9وضوع الذي نبحثه
وتصقلها ا9مارسة ا9ستمرة. Bولكن إذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكيرنا أو ألسلوب ارستنا العقلية فانه في الوقت ذاته تنظيم للعالم اخلارجي. أي أننا في العـلـم ال نـقـتـصـر على تنظيم حياتنا الداخلية فحسبB بل تنظم العالم احمليط بنا أيضا. ذلك الن هذا العالم مليء باحلوادث ا9تشابكة وا9تداخلةB وعلينـا فـي الـعـلـم أن نستخلص من هذا التشابك والتعقيد مجموعة الوقائع التي تهمنا في ميداننا اخلاص. وهذه الوقائع ال تأتي إلينا جاهزةB وال حتتل جزءا مـنـفـصـال مـن العالم ألصقت عليه بطاقة اسمها «الكيمياء» أو «الفيزياء». بل إن مهمـتـنـا في العلم هي أن نقوم بهذا التنظيم الذي qكننا من أن ننتقي من ذلك الكل
ا9عقدB ما يهمنا في ميداننا اخلاص.
24
التفكير العلمي
وينطبق ذلك على ميدان العلوم اإلنسانية مثلما ينطبق على ميدان العلوم الطبيعية. فحc يؤلف ا9ؤرخ كتابا في التاريخB وليكن مثال كتابا عن تاريخ العالم العربي في القرن العشرين-تكون أمامه مهمة شاقه هي أن يختار من بc الواقع شديد التعقيدB ما يهمه في مجال بحثه. ذلك الن مهمـة ا9ـؤرخ هي إعادة احلياة إلى فترة ماضيةB ولكنه ال يستطيع أن يعيد ا9اضي كامال وبكل ما فيه من تعقيدات. فحc يعود بذهنه إلى وقائع حياة العالم العربي في الفترة التي يتناولها بحثهB يجد ألوفا من الظواهر ا9عقدة ا9ـتـشـابـكـة: Bأخالقهم Bعاداتهم Bطريقة ملبسهم ومأكلهم وترفيههم Bحياة الناس اليومية حياتهم االجتماعية واالقتصاديةB عالقاتهم الـسـيـاسـيـةB الـخ... وعـلـيـه أن ينتقي من هذا اخلضم الهائل من الظواهر اخملتلفة ما يهـمـه فـي مـوضـوع
دخل التنظيم في واقع غيـرُبحثهB ويترك ما عداه جانباB أي أن علـيـه أن ي منظم أصال-وتلك هي مهمة العلم.
على أن التنظيم سمه ال تبدو مقتصرة على العلم وحده. فكـل نـوع مـن أنواع التفكير الواعيB الذي يهدف إلى تقد“ تفسير للعلمB يتصف بنوع من التنظيم. بل أن األساطير ذاتها حتاول أن توجد نظاما معينا من وراء الفوضى الظاهرية في الـكـونB وحـc تـفـتـرض وجـود آلـهـة أو أرواح خـفـيـة وراء كـل ظاهرة من ظواهر الطبيعةB فإنها تسعى عن طريق ابتـداع هـذه الـكـائـنـات الشخصية إلى إيجاد شكل من أشكال التنظيم في الظـواهـر. وحـc ظـهـر الفكر الفلسفي بعد ذلك ليحل محل التفكير األسطوري كانت فكرة وجـود نظام في الكون من أهم األفكار التي دارت حولها الفلسفة اليونانية. بل أن
للتعبيرcosmosنظرة اليونانيc إلى الكونB التي عبر عنها استخدامهم للفظ عن الكونB كانت مبنية أساسا على فكرة التوافق واالنسجام والنظام الذي qكن فهمه بالعقلB والذي يؤدي كل شيء فيه وظيفة لها معناها داخل الكل ا9نظمB ويسير بأكمله نحو حتقيق غايات محدودة. ومن هنا كان االختالف هائال بc ذلك الكون ا9نسق الذي تصوره اليـونـانـيـونB وبـc تـصـور الـعـلـم احلديث للكونB الذي كان في صميمه تصورا آليا مضادا للغائية. أمـا فـي الفكر الدينيB فان فكرة النظام أساسيـةB بـل إن كـثـيـرا مـن عـلـمـاء الـكـالم والالهوتيc يتخذون من وجود النظام في الكون دليال من أدلة وجود اللـه ومظهرا من مظاهر قدرته. وهكذا يستحيل تصور العالم بطريقة عشوائية
25
سمات التفكير العلمي
أو غير منظمة ما دام اخلالق قادرا على كل شيء. وإذن ففكرة وجود «نظام» في العالم هي فكـرة تـتـردد فـي كـل مـحـاولـة إليجاد تفسير للعالم. فما هو اجلديد الذي يأتي به العلم في هذا الصدد? أو على األصحB فيم يختلف التنظيم الذي يقتضيه التفكير العلمي عن ذلك
التنظيم الذي يظهر في أnاط التفكير ا9غايرة للعلم? أن االختالف األساسي يكمن في أن التنظيمB كما يقول به العلمB يخلقه العقل البشري ويبعثه في العالم بفضل جهده ا9تواصلB الدءوبB في اكتساب ا9عرفةB على حc أن العالمB وفقا ألnاط التفكير األخرىB مـنـظـم بـذاتـه. ففي التفكير األسطوريB وفي التفكير الفلسفيB جند النظام موجودا بالفعل في العالم-وما على العقل البشري إال أن يتأمله كما هوB أما فـي الـتـفـكـيـر العلميB فأن هذا العقل البشري هو الذي يبحث النظام فـي عـالـم هـو فـي ذاته غير منظم. فالكون في نظر العلم ال يسير وفقا لغاياتB وإnـا تـسـود مساره اآلليةB وكلما تقدمت ا9عرفة استطعنا أن نبتدع مزيدا من النظام في مسار احلوادث العشوائي في العالم. أي أن الكون ا9نظمB باالختصارB هو
نقطة النهاية التي يسعى العلم من أجل بلوغهاB وليس نقطة بدايته. ولكنB كيف يحقق العلم هذا النظام في ظواهر الطبيعة ا9تشابكة وا9عقدة
methodوا9فتقرة بذاتها إلى التنظيم? إن وسيلته إلى ذلك هي اتباع «منهج» أي طريق محدد يعتمد على خطـة واعـيـة. وصـفـة «ا9ـنـهـجـيـة» هـذه صـفـة
ف العلم عن طريقهاB فنقول أنّأساسية في العلمB حتى أن في وسعنا أن نعر العلم في صميمه معرفة منهجيةB وبذلك nيزه بوضوح عن أنـواع ا9ـعـرفـة األخرى التي تفتقر إلى التخطيط والتنظيم. ونستطيع أن نقـول أن ا9ـنـهـج هو العنصر الثابت في كل معرفة علميةB أما مضمون هذه ا9عرفة والنتائج
فنا العلم من خالل نـتـائـجـهّالتي تصل إليهاB ففي تغيـر مـسـتـمـر. فـإذا عـر فنـاّوإجنازاتهB كنا في هذه احلالة نقف على أرض غيـر ثـابـتـةB أمـا إذا عـر
العلم من خالل منهجهB فإنا نرتكز حينئذ على ارض صلبةB ألن ا9نهج هـو الذي يظل باقيا مهما تغيرت النتائج.
غير أن القول بأن ا9نهج هو العنصر الثابت في العلم قد يفهم {عنى أن للعلم مناهج ثابتة ال تتغير. وهذا فهم ال يعبر عن حقيقة العلمB إذ أن مناهج العلم متغيرة بالفعل: فهي أوال تتغير حسب العصورB ألن كثيرا مـن الـعـلـوم
26
التفكير العلمي
غيرت مناهجها بتقدم العلم. فالكيمياء مثال تزداد اعتمادا على األساليب الرياضية بـعـد أن كـانـت فـي بـدايـتـهـا عـلـمـا جتـريـبـيـا خـالـصـا ال شـأن لـه بالرياضيات. كذلك فان ا9ناهج تتغير تبعا لـنـوع الـعـلـم ذاتـهB إذ أن ا9ـنـهـج
تبع فيُا9تبع في علم يدرس اإلنسان ال بد أن يكون مختلفا عن ذلك الذي ي علم طبيعي. وهكذا ال qكن القول بوجود منهج واحد ثابت للمعرفة العلمية على إطالقها. ومع ذلك يظل من الصحيح أن منهج العلمB ال النظريـات أو النتائج التي يصل إليهاB هو العنصر ا9الزم للعلـم عـلـى الـدوامB {ـعـنـى أن وجود منهج معc-أيا كان هذا ا9نهج-سمة أساسية في كل تـفـكـيـر عـلـمـي. فالبحث العلمي هو بحث يخضع لقواعد معينةB وليس بحثا عشوائيا متخبطا. ومع اعترافنا بأن هذه القواعد قابلة للتغيير باستمرارB فان مبدأ اخلضوع
لقواعد منهجية هو صفة أساسية 3يز ا9عرفة العلمية. وعلى أية حال فقد استطاع العلم احلديثB بفضل جهود رواده األوائـل وإضافات العلماء الالحقBc أن يطور لنفسه منهجا اصبح يرتبط إلى حد بعيد بالدراسة العلمية. ولعله من ا9فيدB ونحن في معرض الكالم عن صفة التنظيم ا9نهجي في العلمB أن نقول كلمة موجزة عن هذا ا9نهجB ال بوصفه ا9نهج الوحيد الذي qكن تصوره للعلمB ولكن بوصفه ا9ـنـهـج الـذي أصـبـح غالبا على الدراسة العلمية في ميادين العلم الطبـيـعـيB دون اسـتـبـعـاد أيـة
تطورات أخرى كنة في ا9ستقبل. - فا9نهج العلمي يبدأ {رحلة مالحظة منظمة للظواهر الطبيعية التي١
يراد بحثها. وال شك أن هذه ا9الحظة تفترضB كما قلنا من قبـلB عـمـلـيـة cمـن بـ Bاختيار وانتقاء وعزل للوقائع التي تهم الباحث فـي مـيـدان عـمـلـه ألوف الوقائع األخرى التي تتشابك معها في الـطـبـيـعـة. بـل إن الـواقـعـة أو الظاهرة الواحدة qكن تناولها من زوايا متعددةB وفقا لنوع اهتمام العالم. فقطعة احلجر qكن أن تدرس بوصفها ظاهرة فيزيائيةB إذا ركزنا اهتمامنا على حركتها أو طريقة سقوطها أو ثقلها. وqكن أن تدرس كيمائياB بتحليل Bكما تدرس جيولوجيا Bكن أن تكون موجودة فيهاq ا9عادن أو األمالح التي بتحديد الطبقة الصخرية التي تنتمي إليهاB وعصرها اجليولوجي.... الخ.
- ومن اجلدير بالذكر أن ا9الحظة احلسية ا9باشرة نادرا ما تستخدم٢ في العلم ا9عاصر. صحيح أنها في أوائل العصر احلديث كانت هي الوسيلة
27
سمات التفكير العلمي
التي يلجأ إليها العلماءB والتي يدعو إليها فالسفة العلم مثل بيكنB من اجل جمع معلومات عن الواقعB ولكن ذلك كان هو الوضع السائد قبل أن تكتشف أجهزة ا9الحظة والرصد احلديثة. وأبسـط مـثـال عـلـى ذلـك أن مـالحـظـة الطبيب للمريضB في البالد التقدمة طبياB أصبحت اقل اعتمادا على اليد أو سماعة األذنB وازداد اعتمادها على األجهزة الدقيقة في تسجيل ضربات القلبB أو على التصوير بكامـيـرات داخـلـيـةB أو عـلـى األنـواع اجلـديـدة مـن األشعة. كذلك فان مالحظات عالم الفيزياء لم تعد تعتمد على العينBc بل تتم عن طريق قراءة مؤشرات أو ومضات داخل أجهزة إلكتـرونـيـة شـديـدة التعقيد. وبا9ثل فان العالم الفلكي أو اجليولوجي لم يعـد يـعـتـمـد عـلـى مـا يراهB بل على الصور التي تلتقطها األقمار الصناعية. أي أن مفهوم ا9الحظة ذاته قد تغيرB فلم تعد هي تلك ا9ادة احلسية اخلام التي عرفها العلم فـي Bا أصبحت عملية شديدة التعقيـدnوإ Bا9راحل األولى من تطوره احلديث حتتاج إلى جهود سابقة ضخمةB والى معلـومـات واسـعـة مـن أجـل تـفـسـيـر «القراءات» أو «الصور» التي تنقلها األجهزة ا9عقدة. أي أن اخلطوة األولى في العلم متداخلة مع خطواته ا9تأخرةB وهي ليست حسية خالصةB بل فيها
جوانب عقلية هامة. - وتأتي بعد ا9الحظة مرحلة التجريبB حيث توضع الظواهر في ظروف٣
qكن التحكم فيهاB مع تنويع هذه الظروف كلما أمكن. وقد أصبحت التجارب العلمية بدورها أمرا شديد التعقيد في عصرنا هذاB ولكنها مع ذلك ال 3ثل ا9رحلة النهائية في العلمB بل تظل مرحلة أولية. ذلك الن القوانc النهائية Bظاهرة وأخرى cتربط ب Bجزئية cالتي نتوصل إليها في هذه ا9رحلة قوان وتقدم إلينا معرفة بجانب محدود من جوانب ا9وضوع الـذي نـريـد بـحـثـه. ومن مجموع التجارب يتكون لدينا عدد كبير من القوانc اجلزئية التي يبدو كل منها مستقال عن اآلخرB والتي نظل في هذه ا9رحلة عاجزين عن الربط بينهاB ألن التجربة وحدها ال تتيح لنا أن نصل إلى أية «نظرية» لـهـا طـابـع
عام. - وفي ا9رحلة التالية يستعc العلم بتلك الـقـوانـc اجلـزئـيـة ا9ـتـعـددة٤
التي ¢ الوصول إليها في ا9رحلة التجريبيةB فيضمها كلها في نظرية واحدة. وهكذا فان نيوتن قد استعان بكل القوانc التي ¢ كشفها عن طريق جتارب
28
التفكير العلمي
جاليليو وباسكال وهيجنز وغيرهم من العلماء السابقc عليهB لكي يضعها كلها في نظرية عامة هي نظرية اجلاذبية (أو قانون اجلاذبيةB با9عنى العام
لهذا اللفظ). ٥Bبعد الوصول إلى النظرية العامة Bوفي كثير من احلاالت يلجأ العلم -
Bإلى االستنباط العقلي: إذ يتخذ من النظرية نقطة ارتكاز أو مقدمة أولى ويستخلص منهاB بأساليب منطقية ورياضيةB ما qكن أن يترتب عليها من نتائج. وبعد ذلك قد يقوم مرة أخرى بإجـراء جتـارب-مـن نـوع جـديـد-لـكـي يتحقق من أن هذه النتائج التي استخلصها بالعقل واالستنباط صحـيـحـة. فإذا أثبتت التجارب صحة تلك النتائجB كانت ا9قدمات التي ارتكز عـلـيـهـا صحيحةB أما إذا كذبتهاB فانه يعيد النظر في مقدماتهB وقد يرفضها كليا Bcأو يصححها عن طريق إدماجها في مبدأ أعم. ومن أمثلة ذلك أن أينشت عندما وضع نظرية النسبية بناء على مالحظات وجتارب جزئية سابقة قام بها هو وغيره من العلماءB استخلص النتائج ا9ترتبة عليها بطريقة «االستنباط العقلي»B وكان ال بد من جتربة لكي يثبت أن هذه النتائج تتحقق في الواقع. وبالفعل أجريت هذه التجربة في حالة الكسوف الشمسي التي حدثت في
B وأثـبـتـت صـحـة الـنـظـريـة الـتـي اتـخـذ مـنـهـا أيـنـشـتـc مـقــدمــة١٩١٦عـام الستنتاجاته.
وهكذا يسير ا9نهج العلمي ا9عترف به-في ضوء التطور احلاضر للعلم- من ا9الحظات إلى التجارب ثم إلى االستنتاج العقلي والـى الـتـجـارب مـرة أخرىB أي أن العنصر التجريبي والعنصر العقلي متداخالن ومتبادالنB كما أن االستقراءB الذي نتقيد فيه بـالـظـواهـر ا9ـالحـظـةB واالسـتـنـبـاطB الـذي Bيتداخالن بدورهما Bهذه الظواهر ا9الحظة cنستخدم فيه عقولنا متخط وال qكن أن يعد أحدهما بديال عن اآلخر. فالتجريبية والعقلية ليساB في العلمB منهجc مستقلBc بل هما مـرحـلـتـان نـي طـريـق واحـد. وفـي أغـلـب األحيان يكون العلم في بداية تطوره جتريبياB وعندما ينضج يكتسب الـتـي جانب ذلك الصيغة العقلية االستنباطية. ففي ا9رحلة األولـى يـجـمـع اكـبـر عدد كن من ا9عارف بطريقة منظمةB وفي ا9رحلة الثانية يتوصـل الـتـي ا9بادu العامة التي تفسر هذه ا9عارف وتضعها في إطار موحد. وقد بدأت الفيزياء مرحلتها التجريبية األولى منذ القرن السادس عشرB وانتقلت بعد
29
سمات التفكير العلمي
قرنc التي ا9رحلة الثانية. أما العلوم اإلنسانية فـر{ـا كـانـتB فـي مـعـظـم حاالتهاB 3ر حتى اآلن با9رحلة التجريبية التي تكدس فيها ا9عارفB انتظارا
للمرحلة التي تنضج فيها التي حد اكتشاف القوانc أو ا9بادu العامة. Bتلك حملة موجزة عن هذا ا9وضوع الذي يعد أهم مظاهر التنظيم العلمي وأعني به البحث ا9نهجي. وال بد أن نؤكد مرة أخرى أن هذا ا9نـهـج الـذي أشرنا إليه ليس ثابتاB وإnا هو qثل حالة العلم في ا9رحلة الراهنةB كـمـا انه ال ينطبق بالضرورة على جميع مجاالت البحث العلميB بل هو تلخيص
للطريقة التي يتبعها العلماء في العصر احلديث في أهم ميادين بحثهم. فهل يعني ذلك أن ا9رءB إذا أراد أن يكون عا9اB فما علـيـه إال أن يـتـقـن هذه القواعد? وهل يكفي لتكوين العالم في عصرنا هذا أن نلقنه اخلطوط العامة للطرق التي اتبعها العلماء السابقون عليه لكي يصلوا إلى كشوفهم? الواقع أن هذا خطأ يقع فيه كثير من غير ا9تخصصc في العلم ذلك الن معرفة أية مجموعة من القواعدB مهما بلغت دقتهاB ال qكن أن جتعل مـن ا9رء عا9اB بل أن هناك شـروطـا أخـرى ال بـد مـن تـوافـرهـا لـتـحـقـيـق هـذا الهدف. وا9سألة ليست مسألة تطبيق آلي جملموعة من القواعد التي ثبتت فائدتها في أي علم من العلومB بل أن العلم أوسع وأعقد من ذلـك بـكـثـيـر. ونستطيع أن نقول أن فيلسوفا ذا عقلية علمية جبارةB مثل «ديكـارت»B قـد وقع في هذا اخلطأ. فنظر التي إqانه بأهمية ا9نهج في احللم (وهو على حق في ذلك) فقد استنتـج أن الـعـلـم لـيـس إال مـنـهـجـاB وأكـد أن الـنـاس ال يتفاوتون في استعداداتهم العقليةB وإnا يتفاوتون في كيفية اسـتـخـدامـهـم لهذه العقلية بالطريقة الصحيحةB ولذا ركز ديكارت اهـتـمـامـه عـلـى وضـع مجموعة من القواعد التي يستطيع العقلB إذا ما التزمها بدقةB أن يهتدي
بواسطتها إلى حل أية مشكلة في أي ميدان من ميادين العلم. ولكن التجارب أثبتت أن ا9رء قد يتبع أدق الـقـواعـد ا9ـنـهـجـيـة دون أن يصبح لهذا السبب عا9ا. ذلك الن العلم يحتاج إلى أمور منـهـا الـتـحـصـيـل وحدة الذكاء-وهو استعداد طبيعي-وتلك ا9وهبة التـي جتـعـل الـعـالـم أشـبـه بالفنانB بل جتعله قادرا على جتاوز القواعد ا9نهجية ا9تعارف علـيـهـا فـي ميدانه ووضع قواعده اخلاصة به إذا اقتضى األمر ذلك. ومع ذلك فقد كان لديكارت كل العذر في إحلاحه على أهمية معرفة القـواعـد ا9ـنـهـجـيـة فـي
30
التفكير العلمي
البحث العلميB وفي تأكيده أن أية مشكلة لن تستعصي علـى الـعـقـل الـذي يهتدي بهذه القواعد: إذ أنه ظهر في مطلع العصر احلديـثB وفـي الـوقـت الذي كان ال بد فيه للمفكر من أن يقدم للباحثc صورة للعمل العلمي تعطى اجلميع أمال في بلوغ احلقيقة. وال شك أن تأكيد القواعد ا9نهجيةB ورفض Bالرأي القائل بأن االستعدادات والقدرات العقلية تختلف من شخص آلخر يفسح أمام اجلميع مجال البحثB ويقضي على أرستقراطـيـة الـفـكـر الـتـي كانت سائدة في العصور الوسطىB لتحل محلها دqقراطيـة فـكـريـة كـانـت
ضرورية في ا9رحلة التاريخية التي ظهر فيها ديكارت. وإذا كنا حتى اآلن قد اقتصرنا على الكالم عن ا9نهج العلمـي بـوصـفـه ا9ظهر الرئيسي لسمة التنظيم في العلمB فمن الواجب أن نـشـيـرB قـبـل أن ننتقل إلى سمة أخرىB إلى م ظهر آخر للتنظيم العلميB هو الترابط الذي تتصف به القضايا العلمية. فالعلم ال يكتفي بحقائق مفككةB وإnا يحرص
ن من قضاياه نسقا محكماB يؤدي فهم كل قضية فيه إلى فهـمّعلى أن يكو األخريات. وكل حقيقة علمية جديدة ال تضاف إلى احلقائق ا9وجودة إضافة
ن معها كال موحدا. ور{ا اقتضت عمليةّخارجيةB بل تدمج فيها بحيث تكو اإلدماج هذه التخلي عن بعض العناصر القدqة التي تتنافر مع احلـقـيـقـة اجلديدة. أما إذا ظهرت حقيقة جديدة ولم نعرف كيف ندمجها في نـسـق احلقائق ا9وجودة بالفعلB فان ذلك يقتضي إعادة النظر في النسق بأكمله من اجل تكوين نسق جديد قادر على استيعاب احلـقـيـقـة اجلـديـدة. وهـذا
نهّبالفعل ما حدث عندما أعاد أينشتc النظر في نسق الفيـزيـاء الـذي كـو نيوتنB والذي ظل يعد حقيقة نهائـيـة طـوال مـائـتـي عـامB نـتـيـجـة لـتـجـارب «ميكلسون ومورلى» في الضوءB وهـي الـتـجـارب الـتـي لـم يـكـن مـن ا9ـمـكـن إدماجها في النسق القد“. وقد أسفرت إعادة النظر هذه عن تكوين نسق Bيستوعب النسق القد“ في داخله بوصفه حالة من حـاالتـه Bجديد ارحب ويتجاوزه بحيث يقدم تفسيرا أوسع منه بكثيرB وهـذا الـنـسـق اجلـديـد هـو
نظرية النسبية. وهكذا qكن القول أن صفة التنظيم حتتل مكـانـهـا عـنـد نـقـطـة بـدايـة البحث العلميB حيث تتمثل في اتباع العالم 9نهج منظمB وكذلك عند نقطة
ن العالم من النتائج التي يتوصل إليها نسـقـاّنهاية هذا البحثB عندما يكـو
31
سمات التفكير العلمي
مترابطا يستبعد أي نوع من التنافر في داخله.
- البحث عن األسباب:٣ ال يكون النشاط العقلي لإلنسان علماB با9عنى الصحيحB إال إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلهاB وال تكون الظاهرة مفهومـةB بـا9ـعـنـى الـعـلـمـي لـهـذه الكلمةB إال إذا توصلنا إلى معرفة أسبابها. وهذا البحـث عـن األسـبـاب لـه
هدفان: أ- الهدف األول هو إرضاء ا9يل النظري لدى اإلنسانB أو ذلـك الـنـزوع الذي يدفعه إلى البحثB عن تعليل لكل شيء. ولنالحظ أن هذا ا9يلB الذي نصفه بأنه نظريB ال يوجد في جميع احلاالت بدرجـة مـتـسـاويـة. فـهـنـاك حضارات بأكملها كانت تعتمد على اخلبرة والتجربة ا9توارثةB وتكتفي بالبحث عن الفائدة العملية أو التصرف الناجحB دون سعي إلى إرضاء حب االستطالع الهادف إلى معرفة أسباب الظواهر. وهكذا كانت هذه احلضـارات تـشـيـد مباني ضخمةB أو تقوم في جتارتها بحسابات دقيقةB دون أن حتاول معرفة «النظريات» الكامنة من وراء عملية البناء أو احلسابB وحسبها أنها حققت الهدف العلمي ا9طلوب فحسب. بل أن في وسعنا أن نرى من حولنا أشخاصا ال يهتمون إال «ببلوغ النتيجة»B وال يكترثون بأن يسألوا: «9اذا» كانت النتيجة على هذا النحوB ور{ا رأوا في هـذا الـسـؤال حـذلـقـة ال تـسـتـحـق إضـاعـة الوقتB ما دامت اإلجابة عنه لن تقدم ولن تؤخر في بلوغ النتيجة ا9طلوبة. ب- ولكن هذا االعتقاد بأن معرفة األسباب ليس لها تأثير عمـلـيB هـو اعتقاد واهم. ذلك الن معرفة أسبـاب الـظـواهـر هـي الـتـي 3ـكـنـنـا مـن أن نتحكم فيها على نحو افضلB ونصل إلى نتائج عملية أجنح بكثير من تلـك التي نصل إليها باخلبرة وا9مارسة. فمن الدراسة الدقيقة لطبيعة ا9وجات الصوتية وكيفية انتقالها أمكن ظهور سلسلة طويلة من اخملترعاتB كالتليفون والقط االسطوانات («البيك أب»B أو ما كان يسمى في تعريب قد“ باسـم «احلاكي») والراديو ومسجل الشرائطB الخ... وكلها وسائل لـنـقـل الـصـوت أدت وظائف عملية رائعةB وكان من ا9ستحيل بلوغها لوال الدراسة ا9عتمدة
ن من معاجلتهاBّعلى معرفة أسباب الظواهر. ومعرفة أسباب األمراض qك ن من استخراجّكما أن ا9عرفة النظرية للعناصر الفعالة في غدة معينة qك
32
التفكير العلمي
هذه العناصر بطريقة صناعية وإنقاذ ماليc األرواح (كاألنسولc ا9ستخدم في عالج مرضى السكر مثال). وهكذا تؤدي ا9عرفة السببيةB لـيـس فـقـط إلى إرضاء نزوعنا النظري إلى فهم حقائق األشياءB بل إلى مزيد من النجاح في ا9يدان العملي ذاتهB وتتيح لنا حتوير الظواهر وتغيـيـر طـبـيـعـتـهـا عـلـى
النحو الذي يضمن تسخيرها خلدمة أهدافنا العملية. من أجل هذين العاملc كانت ا9عرفة العلمية احلقيقية مرتبطة بالبحث عن أسباب الظواهر. وإذا كان كثير من ا9ؤرخc يتخذون من آراء الفالسفة اليونانيc القدماء نقطة بداية للعلمB فما ذلك إال الن هؤالء الفالسفة قد تفوقوا على غيرهم في التساؤلB وفي البحث عن األسباب. صحيح أنهم لم يجدوا إجابات إال عن قليل من األسئلة التي طرحوهاB وأن كثيرا من إجاباتهم كانت ساذجة أو قاصرةB ولكن ا9هم أن يطرح السؤالB وهذا الطرح هو في ذاته اخلطوة األولى في طريق العلم. بل إن هذا التساؤل عن األسباب هـو أول مراحل ا9عرفة في حياة الفرد نفسه: ففي السنـوات األولـى مـن عـمـر الطفل حتكم تصرفاته الدوافع الطبيعية واالستجابات ا9باشرةB ويسودها Bحتدد بحوالي سن السابعة Bولكن في مرحلة معينة B.مبدأ الفعل ورد الفعل Bيبدأ الـطـفـل فـي الـسـؤال عـن أسـبـاب كـل مـا يـراه حـولـه Bور{ا قبل ذلك cور{ا أضجر احمليط Bوتصبح كلمة «9اذا» أكثر الكلمات ترددا على لسانه به بتكرارهاB وباستخدامها في السؤال عن أسـبـاب ظـواهـر ال حتـتـاج إلـى تعليل (كأن يسألك: «9اذا» عندما تقول له انك شبعت). وفي هذه ا9رحـلـة بالذات تبدأ حصيلة ا9عرفة تتراكـم فـي ذهـن الـطـفـلB ويـكـون تـرديـد هـذا السؤال إيذانا بدخوله مرحلة استخدام التفكير العقلي. وإذن فالعلم مرتبط ارتباطا وثيقا بالبحث عن أسباب الظواهر. ومع ذلك فان طبيعة هذا البحث عن األسبابB ومعنى كلمة «السبب» ذاتهاB لم تكن واضحة كل الوضوح في أذهان الناسB على الرغم من انهم ال يكفون عن استخدامها في تفكيرهـم
العلميB ور{ا في تفكيرهم اليومي أيضا. فعند اليونانيc ظهر مفهوم معقد لفكرة «السـبـب» و«الـسـبـبـيـة»B عـلـى الرغم من اهتمامهم الشديد بهذا ا9وضوع وريادتهم له. وقد خلص فيلسوفهم Bباإلضافة إلى آرائه اخلاصة Bعليه cالسابق cالكبير «أرسطو» آراء اليوناني
حول ا9وضوعB فذكر أن هناك أنواعا أربعة من األسباب:
33
سمات التفكير العلمي
أ- السبب ا9اديB كأن نقول عن اخلشب الذي يصنـع مـنـه الـسـريـر انـه سبب له.
ب- السبب الصوريB أي أن الهيئة أو الشكل الذي يتخذه السريرB والذي يعطيه إياه صانعهB هو أيضا سبب له.
جـ- السبب الفاعلB أي أن صانع السريرB أو النجارB هو سببه. Bوهي استخدامه في النوم Bأي أن الغاية من السرير Bد- السبب الغائي
سبب من أسبابه. ومن الواضح أن هذا التحديد 9عاني كـلـمـة «الـسـبـب» وأنـواع األسـبـاب ينطوي على خلط شديدB إذ أن «ا9ادة» التي يصنع منها الشيء لـيـسـت إال أداةB ال سبباB كما أن «الصورة» هي فكرة في الذهنB ال تنتج شيئا في العالم احملسوس بصورة مباشرة. أما الغاية فال يأتي دورها إال بعد أن يتم إيجاد Bبالفعل. فاستخدام السرير يحدث بعد صنع السريـر Bأو الظاهرة Bالشيء ومن هنا لم يكن من ا9عقول أن تكون هذه الغاية سببا. وهكذا يتبقى لدينا في النهاية نوع واحد مـن األنـواع األربـعـة الـتـي حتـدث عـنـهـا أرسـطـوB هـو
السبب «الفاعل» وهو النوع الذي qكن االعتراف به. والواقع أن «السبب الغائي» يستحق وقفة خاصـةB إذ أنـه كـان مـن أهـم عوامل تشويه التفكير في موضوع السببيةB بل في العلم بـأسـره. ذلـك الن األذهان قد اجتهت إلى البحثB في كل ظاهـرةB عـن «الـغـايـات» ا9ـقـصـودة منهاB فكانت النتيجة أنها تصورت احلوادث الطبيعيةB بل والعالم كلهB كما لو كانت تستهدف «غايات»B وكأنها تسير في طريق يؤدي إلى حتقيق رغبات بشرية معينة أو إلى معاكسة هذه الرغبات. وكان من ا9ستحيل أن يقوم علم حقيقي في ظل هذا التصور «الغائي» للطبـيـعـة ألنـه يـصـرف األنـظـار عـن كشف األسباب احلقيقيةB ويوجهها نحو طبع الصورة البشرية على أحداث الطبيعة. وعلى أية حال فهذه مسألة عوجلت {زيد من التفصيل في موضع
)١(آخر من هذا الكتاب. ستبعد كل أنواع األسباب األخرىB وخاصةُلذلك كان من الطبيعي أن ت
األسباب الغائيةB من مجال العلم احلديث عند بداية ظهوره-بحيث يقتصر البحث على «األسباب الفاعلة»B وتظهر الطبيعة على أنها سلسلة متشابكة من احلوادث التي يؤثر كل منها في األخريات ويتأثر بهاB وترتبط فيما بينها
34
التفكير العلمي
Bبأساليب مقنعة للعقل Bبرابطة السببية. وأصبح هدف العلم هو أن يكشف عن األسباب ا9تحكمة في الظواهرB من أجل السيطرة عليها عقليا بالفهم Bوعمليـا بـالـتـشـكـيـل والـتـحـويـر. وكـان لـتـقـدم الـعـلـوم الـريـاضـيـة Bوالتعليل واستخدامها في التعبير عن قوانc العالم الطبيعيB دور كبير في دعم فكرة السببية في أول عهد العلم احلديثB أي في القرنc السادس عشر والسابع
. إذ أصبح االعتقاد سائدا بأن حوادث الطبيعة ا9ادية تترابط فيما(٢)عشر +٢بينها برابطة ال تقل ضرورة عن تلك التي جتمع بc طرفي معادلة مثل
. فإذا كانت هناك نار «فمن الضروري» أن تكون هناك حرارةB مثلما٤ = ٢ .cأنه إذا كان هناك مثلث «فمن الضروري» أن يكون مجموع زواياه قائمتـ وهكذا كان العلم ا9زدهر في ذلك العصر هو الفيزياء ا9يكانيكيةB التي هي
عدُأكمل تعبير عن فكرة الترابط السببي بc ظواهر الطبيعة: إذ أن العالم ي عندئذ آلة ضخمةB تترابط أجزاؤها بقانون الفعل ورد الفعلB وتنتقل احلركة من جزء إلى آخر وان ظل اجملموع الكلي للحركة في الكون واحداB ويصبح القانون ا9سيطر على كل شيء والذي يتوقف عليه مصير العلمB هو قانون السببية. على أن العلماء كانوا يستخدمون فكرة السببية دون حتليـلB فـلـم cيفكر أحد منهم في إيضاح معنى «السبب» وطبيعة العالقة التي تربط ب السبب وما ينتج عنه. وكان االهتمام الكبير الذي أبدى بفكرة السببية في مطلع العصر احلديثB نتيجة لسيطرة النظرة ا9يكانيكية إلـى الـعـالـمB هـو
إلى David Humeالذي دعا أحد فالسفة هذا العـصـرB وهـو «ديـفـد هـيـوم القيام بتحليل فلسفي 9فهوم السببيةB انتهى منه إلى نتيجة كانت لهـاB مـن الناحية السببيةB أصداء عميقة. فقد انطلق هيوم من ا9فهوم الذي أوضحناه Bأي في أهم علوم عصـره Bوالذي كان سائدا في العلم ا9يكانيكي Bمن قبل وأعني به أن العالقة بc السبب والنتيجة فيها من الضرورة بـقـدر مـا فـي العالقة بc ا9ثلث ومجموع زواياه. وتبc لهB من خالل حتليله الفلسفيB أن ا9سألة ني حقيقتها على خالف ذلك. فمن ا9ستحيل أن تكون هناك ضرورة حتمية بc احلوادث الطبيعية ونتائجهاB أي بc ارتفاع نسبة الرطوبة وسقوط ا9طر مثال. صحيح أننا نقول أن األول سبب الثانيB ولكن هل يعني ذلك أن هناك قوة خفية في احلادث األول تؤدي إلـى وقـوع احلـادث الـثـانـي? وهـل تقوم الرطوبة بإسقاط ا9طرB مثلما نقوم نحنB بـجـهـدنـا الـبـشـريB بـصـنـع
35
سمات التفكير العلمي
أشياء? الواقع أن األسباب ا9وجودة في الطبيعة ال تتضمن أيـة قـوى تـنـتـج Bوال توجد أية ضرورة حتتم سقوط ا9طر بعد ارتفاع نسبة الرطوبـة Bشيئا وكل ما في األمر أننا «اعتدنا» أن نرى الظاهرتc تتعاقبانB فنشأ عن هذا التعاقب ا9تكرر ميل ذهني لدينا إلى الربط بينهماB بحيث أننا كـلـمـا رأيـنـا الظاهرة األولى توقعنا الثانية. فاخلبرة والتجربة البشرية تكشف لـنـا عـن أن الطبيعة ال تتضمن إال أحداثا متـعـاقـبـةB ونـحـن الـذيـن نـربـط بـc هـذه احلوادث ا9تعاقبة نتيجة التعودB بحيث يكـون أصـل الـضـرورة فـي عـقـولـنـا نحنB التي يدفعها التعود إلى توقع شيء بعد شيء آخرB أما الطبيعة ذاتها فال تتضمن حوادثها أي ارتباط ضروري من ذلك الذي جنده في الرياضيات. Bوهو فكرة السببية Bوهكذا اعتقد «ديفيد هيوم» أن األساس األول للعلم بات مزعزعا نتيجة هذا التحليل الذي قام به. ولكن حقيقـة األمـر هـي أن هذا التحليل ال qتد تأثيره إال إلى ميدان التفكير الفلسفـي فـحـسـبB أمـا ا9مارسات العلمية فال تتأثر به. ذلك الن العالم يـسـتـطـيـع أن qـضـي فـي طريقهB دون أن يـغـيـر اجتـاهـهB سـواء أكـان مـعـنـى الـسـبـبـيـة هـو االرتـبـاط الضروريB أم كان معناها مجرد التعاقبB ألن هذه مسائل تتعلق بـاجلـذور الفلسفية للمفاهيم العلميةB وما يهم العالم هو استخدام ا9فهوم على ما هو عليهB أما استخالص معانيه وأسسه وجذورهB فتلك مهمة الفيلسوف وحده. لذلك فان العلمB عندما عدل ا9فهوم التقليدي للسببية فـيـمـا بـعـدB لـم Bأو نتيجة لنقد من الـنـوع الـذي قـال بـه هـيـوم Bيفعل ذلك ألسباب فلسفية وإnا قام بهذا التعديل ألسباب عـلـمـيـة خـالـصـة. فـقـد تـبـc لـه أن هـنـاك Bظواهر كثيرة تبلغ من التعقيد حدا يستحيل معه أن جند لها سبب واحدا وإnا تشترك فيها مجموعة من العواملB لكل منها دور في أحداث الظاهرة. فإذا كنا مثال بصدد تعليل ظاهرة األجرامB كان في إمكاننا أن جند مجموعة كبيرة من العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة. فلو أخذنا مجموعة كبيرة من اجملرمBc لوجدنـا أن مـنـهـم مـن ارتـكـب جـرqـتـه ألسـبـاب اجـتـمـاعـيـة اقتصادية كالفقرB ومنهم من ارتكبها ألسباب متعلقة بـالـقـيـمB كـاحملـافـظـة على الشرف أو األخذ بالثأرB أو ألسباب عضويـة وراثـيـةB كـوجـود اخـتـالل Bأو ألسباب متعلقة بالبيئة والتربية Bفي الغدد أو في التركيب العقلي cمع وهلم جرا. كل من هذه العوامل له دوره في ظاهرة اجلرqةB فهل يفيدنا أن
36
التفكير العلمي
نلجأ إلى فكرة السببية {عناها ا9عـتـاد فـي هـذه احلـالـة? مـن الـواضـح أن .cالظاهرة تبلغ من التعقيد حدا ال نستطيع معه أن ننسبها إلى سبب مع ولذلك نلجأ إلى فكرة االرتباط اإلحصائي لكي نبc النسبة التي يسهم بها كل عامل من العوامل السابقة في إحداث هذه الظاهرةB فنقول أن نسبة (أو معامل) ارتباط العوامل الوراثية بارتكاب اجلرائم هي كذا.. ومن مزايا هذه الطريقة أنها 3كننا من حتليل الظواهر شديدة التعقيدB وخاصة تلك التي حتدث في مجال العلوم اإلنسانيةB حيث تتعدد عـوامـل الـظـاهـرة الـواحـدة وتتشابك على نحو يستحيل فيه استخدام عالقة السببية ا9باشرة. كما أن Bهـذه الـعـوامـل cبـ Bبطريقة رقمـيـة دقـيـقـة Bمن مزاياها أنها تتيح ا9قارنة بحيث نستخلص مثال أن العوامل ا9كتسبة أقوى تأثيرا في ظاهرة األجرام
من العوامل الوراثيةB الخ... Bوا9هم أن العلم في الوقت احلالي يبـحـث عـن بـدائـل لـفـكـرة الـسـبـبـيـة {فهومها التقليديB في اجملاالت التي ال يتسع فيها هذا ا9فهوم للتعبير عن العالقات بc الظواهر تعبيرا دقيقا. ولكن من ا9هم أن نذكر على الدوام أن هذا ال يعني «إلغاء» فكرة السببيةB بل يعني «توسيعها». ففي اجملاالت التي cكالعالقة ب Bعامل وعامل آخر ناجت عنه cتكون العالقات فيها مباشرة ب جرثومة معينة ومرض معBc تظل فكرة السبـبـيـة مـسـتـخـدمـةB وتـظـل لـهـا فائدتها الكبرى في العلم. والتـطـور الـذي حـدث فـي هـذا الـصـدد مـشـابـه للتطور الذي يحدث في النظريات العلمية ذاتها في أحيان كثيرةB حيـث ال يؤدى ظهور النظرية اجلديدة إلى إلغاء القدqةB بل يوسع نطاق تطبـيـقـهـا وqتد بها إلى مجاالت لم تكن النظرية القدqة قادرة على استيعابها. ومن ا9ؤكد أن التوسيع ا9ستمر لنطاق البحث العلميB والكشف الدائم عن مجاالت Bيجعل فكرة السببية Bجديدة أو عن أبعاد جديدة للمجاالت ا9عروفة من قبل {عنى العالقة ا9باشرة بc عامل وعامل آخر ناجت عنهB غير كافية للتعبير
عن كل متطلبات العلمB وأن ظل لها دورها في مجاالت محددة.
- الشمولية واليقني:٤ ا9عرفة العلمية معرفة شاملةB {عنى أنها تسرى على جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلمB وال شأن لها بالظواهر في صورتها الفـرديـةB وحـتـى لـو
37
سمات التفكير العلمي
كانت هذه ا9عرفة تبدأ من التجربة اليومية ا9ألوفةB مثل سقوط جسم ثقيل على األرضB فإنها ال تكتفي بتقرير هذه الواقعة على النحو الذي نشاهدها عليهB وإnا تعرضها من خالل مفاهيم ذات طابع أعمB مثل فكرة اجلاذبية والكتلة والسرعة والزمنB الخB بحيث ال تعود القضية العلمية تتحـدث عـن سقوط هذا اجلسم بالذاتB أو حتى عن مجموعة األجسام ا9ماثلة لهB بل عن سقوط اجلسم عموما. وبذلك تتحول التجربة الفردية اخلاصةB عـلـى يد العلمB إلى قضية عامة أو قانون شامل. على أن شمولية العلم ال تسري على الظواهر التي يبحثها فحسبB بل على العقول التي تتلقى العلم أيضا. فاحلقيقة تفرض نفسها على اجلميع {جرد ظهورهاB وال يعود فيها مجال للخالف بc فرد وآخر. أي أن العلم شامل {عنى أن قضاياه تنطبـق عـلـى جميع الظواهر التي يبحثهاB و{عنى أن هذه القضية تصـدق فـي نـظـر أي
عقل يلم بها. وهنا يظهر االختالف واضحا بc العمل العلمي والعمل الفني أو الشعري. ذلك الن ا9وضوع الذي يتناوله هذا العمـل األخـيـر هـو بـطـبـيـعـتـه مـوضـوع فرديB وحتى لو كان يتناول قضية عامة-مثل أزمة اإلنسان-فـان الـفـنـان أو الشاعر يعالج هذه القضية العـامـة مـن خـالل شـخـصـيـة فـرديـةB ومـواقـف محسوسة وملموسة. ومن ناحية أخرى فان العمل الفني يظل علـى الـدوام
فهمُمرتبطا بصاحبهB وباألصل الذي نشأ منهB ارتباطا عضوياB بحيث ال ي أحدهما فهما تاما بدون اآلخر. وهكذا يتعـرف اخلـبـيـر فـي ا9ـوسـيـقـى أو الشعر على مؤلف القطعة ا9وسيقية أو القصيدة الشعرية من خالل إنتاجه ذاتهB وكل من العمل وصاحبه يحيلـنـا عـلـى الـدوام إلـى اآلخـر. أمـا الـعـمـل العلمي فال يـوجـد ارتـبـاط عـضـوي بـيـنـه وبـc جـمـيـع الـعـوامـل والـظـروف الشخصية ا9تعلقة بكيفية نشأته والشخص الذي ظهر على يديهB الخ. ومن
» على عكس العمل الفنيimpersonalBهنا كانت احلقيقة العلمية «ال شخصية وكان صدق هذه احلقيقة غير متوقف عـلـى ظـروف ا9ـكـان والـزمـان الـذي تنشأ فيه-إال من حيث تعبيرها عن مستـوى الـعـلـم فـي مـرحـلـة مـعـيـنـة مـن تطوره فحسب. أما العمل الفني فان الظروف الفردية والشـخـصـيـة 9ـبـدع هذا العمل تقوم فيه بدور يستحيل جتاهله إذا شئنا أن نـفـهـم هـذا الـعـمـل
ونتذوقه من جميع جوانبه.
38
التفكير العلمي
وعلى ذلك فان احلقيقة العلمية قابلة الن تنـقـل إلـى كـل الـنـاس الـذيـن تتوافر لديهم القدرة العقلية على فهمها واالقتناع بها. أي أنها حقيقة عامة
B تصبح {جرد ظهورها ملكا للجميعB متجاوزة بذلك النطاقpublicأو مشاع الفردي 9كتشفها والظروف الشخصية التي ظهرت فيها. وهذه الصفة هي
التي جتعل احلقيقة العلمية «يقينية». والواقع أن «اليقc» في العلم مرتبط ارتباطا وثيقـا بـطـابـع «الـشـمـول» الذي قلنا أن القضايا العلمية تتسم بهB إذ أن كل عقل ال بد أن يكون «على يقc» من تلك احلقيقة التي تفرض نفسها عليـه بـأدلـة وبـراهـc ال qـكـن Bبقدر ما تبدو واضحة للوهلة األولى Bذاتها «cتفنيدها. على إن كلمة «اليق
ستخدم في الواقع {عنيc متضادينB يـنـبـغـي أن nـيـز بـيـنـهـمـاqُكـن أن ت بوضوح حتى تتبc لنا طبيعة اليقc العلمي:
B«الـذاتـي cنستطيع أن نطلق عليه اسم «اليق cأ- فهناك نوع من اليق وهو الشعور الداخلي لدى الفرد بأنه متأكد مـن شـيء مـا. هـذا الـنـوع مـن اليقc كثيرا ما يكون مضلالB إذ أن شعورنا الداخلي قد ال يكون مبنيا على أي أساس سوى ميولنا أو اجتاهاتنا الـذاتـيـة. وأنـا لـنـالحـظ فـي جتـربـتـنـا العادية أن أكثر الناس «يقينا»B هم عادة أكثرهم جهال: فالشخص محـدود الثقافة «موقن» بصحة اخلبر الذي يقرؤه في اجلريدةB وبصـحـة اإلشـاعـة التي سمعها من صديقهB وبصحة اخلرافة التي كانت تردد له في طفولته. Bوهو ال يقبل أية مناقشـة فـي هـذه ا9ـوضـوعـات ألنـهـا فـي نـظـره واضـحـة يقينية. وكلما ازداد نصيب ا9رء من العلم تضاءل مجال األمور التي يتحدث B«و «من ا9رجح B«وازداد استخدامه أللفاظ مثل «من احملتمل B«cفيها «عن يق «وأغلب الظن» الخB. بل إننا جند بعض العلماء يسرفون في استخدام هذه التعبيرات األخيرة في كتاباتهم إلى حد ال نكاد جند معه تعبيرا جـازمـا أو يقينيا واحدا في كل ما يكتبونB إذ ارستهم الطويلة للعمل العلميB وإدراكهم أن احلقائق العلمية في تغير مستمرB وان ما كان باألمس أمـرا مـؤكـدا قـد أصبح أمرا مشكوكا فيهB وقد يصبح غدا أمرا باطالB كل ذلك يدفعهم إلى
ر عن يقc نهائي.ّاحلذر من استخدام اللغة القاطعة التي تعب أما في أساليب التفكير العادية فان اليقc يعتمدB كما قلناB على الشعور الداخلي للشخص نفسه بأنه واثق من شيء معc. وهـذه الـثـقـة قـد تـكـون
39
سمات التفكير العلمي
ناجتة عن أن الفكرة التي يرددها تخدم مصاحله: فإذا سمع ا9وظف إشاعة تقول أن احلكومة ستصرف عالوة للموظفBc رددها لآلخرين بـاعـتـبـارهـا خبرا «يقينيا». أو قد تكون الثقة ناجتة عن عدم االطالع على وجهة النظر ا9ضادةB فيؤكد الفرد شيئا بصفة قاطعة الن الفرصة لم تتح له كيما يعرف الرأي اخملـالـف فـي ا9ـوضـوع. وهـذا أمـر شـائـع فـي كـثـيـر مـن ا9ـنـاقـشـات السياسيةB وخاصة في البالد غير الدqقراطيةB حيث يعـرف ا9ـرء وجـهـة نظر حزبه أو بالده وال تتاح له معرفة أية وجهة نظـر أخـرىB كـمـا أن هـذا العامل قد يكون سببا في «يقc» من ينتمي إلى أية طائفة دينية بأن طائفته
وحدها على حقB وكل الطوائف األخرى على خطأ. Bالنفسي cكن أن يرتكز على هذا النوع من اليقq ب- على أن العلم ال الذي يختلف من فرد آلخرB والذي تتحكم فيه الظروف وا9صالح والعوامل الذاتيةB وإnا يكون اليقc فيه «موضوعيا»B {عـنـى أنـه يـرتـكـز عـلـى أدلـة منطقية مقنعة ألي عقل. وال بد للوصول إلى هذا الـيـقـc ا9ـوضـوعـي مـن هدم كل أنواع اليقc الذاتية األخرى. فال بد أن يزعزع العالم-كخطوة أولى في بحثه-ما رسخ في عقول الناس من أوهام وحتيزات عملت على تثبيتها عوامل غير موضوعية. وكثيرا ما كانت نقـطـة الـبـدايـة ا9ـؤديـة إلـى كـشـف علمي هام هي التشكيك في يقc راسخ حتى عند العلماء أنفسهمB كما هي cاحلال عندما شكك بعض علماء الهندسة في ا9صادرة القائلة أن اخلط ا9توازيc ال يلتقيانB ثم توصال من ذلك إلى هندسة جديدة هي الهنـدسـة «الالإقليدية»B التي ترتكز عليها النظريات احلالية في الفيزياء. كذلك يؤدي أي كشف علمي هام إلى زعزعة اليقc الذي كان متوطدا من قبل في عقول البشر دون أن يفكر أحد في ا9ساس بهB أي إلى حلول يقc علمي موضوعي محل يقc ذاتي: كما حدث عند ظهور نظرية كبرنيكوس التي هدمت االعتقاد
«اليقc» القد“ بأن األرض ثابتة وبأنها هي مركز الكون. ولكنB إذا كان اليقc العلمي يعتمد على براهc وأدلة منطقيةB فان هذا ال يعني على اإلطالق انه يقc ثابت أو نهائي. فالعلم ال يعترف بشيء اسمه احلقائق النهائية التي تسري على كل زمان ومكانB بل يعمل حسابا للتغيـر Bوالتطور ا9ستمر. أي أن اعتماد العلم على أدلة مقنعة للعقل بصورة قاطعة ال يعني أن احلقائق تعلو على التغيرB بل أن ا9قصود من ذلك أن الـبـرهـان
40
التفكير العلمي
العلمي يقنع كل من يستطيع فهم هذا البـرهـان فـي ضـوء حـالـة الـعـلـم فـي عصر معc-أما أن تتحول القضية العلمية إلى حقيقة تفرض نفسها عـلـى
الناس في جميع العصورB فهو شيء يتنافى مع طبيعة العلم ذاتها.
- الدقة والتجويد:٥ Bفي حياتنا ا9عتادة نستخدم في أحيان كثيرة عبارات تتسم بالـغـمـوض وتبتعد عن الدقةB كأن يقول شخص: «قلبي يحدثني بأنه سيحدث كذا...» وأمثال هذه التعبيرات ليست مرفوضة في األحاديث اليومية ا9ألـوفـةB بـل أنها قد تؤدي فيها وظيفة هامةB هي اإليحاء بشيء معc دون حتديد دقيق Bله. أما في العلم فمن غير ا9قبول أن تترك عبارة واحدة دون حتديد دقيق أو تستخدم قضية يشوبها الغموض أو االلتباس. بل انه حتى في احلـاالت التي ال يستطيع فيها العلم أن يجزم بشيء ما على نحو قاطعB وإnا يـظـل هذا الشيء «احتماليا» في ضوء أحدث معرفة وصل إليها العلم-حـتـى فـي هذه احلاالت يعتبر العلم عن هذا «االحتمـال» بـدقـةB أي بـنـسـبـة ريـاضـيـة محددةB وبذلك فانه يحدد بدقة درجة عدم الدقةB إذا جاز لنا أن نستخدم تعبيرا فيه مثل هذه ا9فارقة. والوسيلة التي يلجأ إليها العلم من أجل حتقيق صفة الدقة هذهB هي استخدام لغة الريـاضـيـات. وبـالـفـعـل يـتـبـc لـنـا مـن دراسة تطور العلم أنه كلما انتقل إلى مرحلة أدقB أصبح من احملتم عليه أن يستخدم الصيغ الرياضية على نطاق أوسعB وبـالـعـكـس تـظـل الـعـلـوم غـيـر دقيقة مادامت تعبر عن قضاياها باللغة ا9ادية. ومن هـنـا كـنـا جنـد بـعـض مؤرخي العلم يفرقون في تاريخ أي علم بc مرحلتc: ا9رحلة قبل العلمية
pre-scientificوا9ـرحـلـة الـعـلـمـيـة Bالتي يستخدم فيها لغة احلديث ا9ـعـتـادة scientificالتي يتوصل فيها إلى استخدام اللغة واألساليب الرياضية. وا9ثل B
الواضح على ذلك علم الطبيعة: فمنذ العصور القدqة كانت هناك محاوالت لدراسة الطبيعة على أسس علميةB ولكن كان يعيب هذه احملاوالت اعتمادها على لغة «كيفية»B أي على الكالم عن الظواهر الطبيعية من خالل صفاتها التي تبدو للحواس ا9عتادةB كاحلار والبارد والثقيل واخلفيفB أو من خالل الصفات التي ينسبها إليها العقل الفلسفيB كا9ادة والصورة والقوة والفعل. وخالل ذلك كله لم يكن هناك علم طبيعي با9عنى الصحيح لهذه الكلمة. ولم
41
سمات التفكير العلمي
Bيبدأ ظهور هذا العلم إال على أيدي أقطاب الفيزياء في أوائل العصر احلديث وعلى رأسهم جاليليو: إذ استطاع هؤالء األقطاب أن يطبـقـوا الـريـاضـيـات على البحث الطبيعيB ويطبقوا لغة الكم في التعبير عن الظواهر الطبيعية. وبا9ثل ظلت الكيمياء تستخدم اللغة الكيفية طويالB وجتمعت لديها خـالل ذلك كمية ال بأس بها من ا9عـلـومـاتB وخـاصـة فـي الـوقـت الـذي كـان فـيـه الكيمائيون القدامى يبحثون بال جدوى عن وسائل حتويل ا9عادن الرخيصة (كالنحاس) إلى ذهب. فخالل فترة «الهوس» الطويلة هـذهB عـرفـت أشـيـاء كثيرة عن خواص األجسام وتفاعالتهاB ولكـن هـذه ا9ـعـرفـة كـانـت خـبـرات متوارثةB أو جتارب عشوائيةB ولم تكن علماB ألنها لم تكن تستخدم إال لغة الكيف. ولم تبدأ الكيمياء دخول ا9رحلة العلمية إال في القرن الثامن عشر عندما طبقت فيها ا9ناهج الكميةB واستخدمت في التعبيـر عـن حـقـائـقـهـا
النسب وا9عادالت الرياضية. أما في مجال العلوم اإلنسانيةB فيمكن القول أن النزاع لم يبت فيه بعد بc أنصار التعبير الكيفي والتعبير الكمي عن الظواهر البشرية. إذ ال تزال توجد حتى يومنا هذا مدارس تؤكد أن الظاهرة اإلنـسـانـيـة مـخـتـلـفـةB مـن حيث ا9بدأB عن الظاهرة الطبيعيةB ومن ثم فان أساليب التعبير عن الثانية ال تصلح لألولىB وإnا يجب أن نحتفظ لإلنسان {كانته اخلاصةB ونعترف بطبيعته شديدة التعقيدB فال نفرق في تبسيطها باستخدام لغة الرياضيات. وفضال عن ذلك فان اإلنسان كائن فريدB وأهم ما في أي فرد هو العناصر التي يختلف فيها عن اآلخرينB ال تلك التي يشترك فيها معهمB ومن هنا كان استخدام لغة الرياضيات يعني إزالة أهم يزات اإلنسانB واستبقـاء أقـل األشياء أهميةB أعني تلك العناصر ا9شتركة التي تقبل التعبير عنهـا بـلـغـة عددية. وفي مقابل ذلك يؤكد غيرهم أن مسار ا9نهج العلمي ينبغي أن يكون واحدا في جميع اجملاالتB وأن الدراسة الفردية لإلنسان تعود بنا إلى عهد التعبير الفلسفي أو الفني أو الشعري عن مشاكلهB على حc أننا إذا أردنا أن ننتقل إلى ا9رحلة العلـمـيـة فـي دراسـة اإلنـسـان فـال بـد أن نـتـبـع نـفـس األساليب التي اتبعت بنجاح في بقية العلومB مع عمل حساب الفوارق ا9ميزة بc موضوع الدراسة اإلنسانية وموضوع الدراسة الطبيعية. وqكن القـول أن هذا الرأي هو الذي ترجح كفته حاليا في ميدان العلوم اإلنسانيـةB وان
42
التفكير العلمي
كانت هناك مدارس ال qكن جتاهلها ما زالت متمسكة بالرأي األول. والرياضة بطبيعتها علم مجردB أي أنه ال يتحدث عن أشياء ملمـوسـة.
يكون ا9قصود من هذا أية ثالثـة أشـيـاء مـحـددة٥B= ٢+ ٣فحc نـقـول أن وإnا ا9قصود هو العالقة اجملردة بc حدود معينةB بغض النظر 3اما عما إذا كانت هذه األرقام تعبر عن بشر أو فاكهة أو كتب الخ... وتلك حـقـيـقـة يعرفها تلميذ ا9درسة االبتدائيةB الذي نعوده التجريد منذ مرحـلـة مـبـكـرة من عمرهB بعد أن يكون قد بدأ يلم بحقائق احلساب البسـيـطـة فـي بـدايـة مرحلته التعليميةB بصورة ملموسةB عندما نقدم إليه فكرة اجلمع والـطـرح عن طريق «البلى ا9لون» الذي جنمـعـه أو نـطـرحـه عـلـى أسـالك حـديـديـة. ففترة التعليم من خالل أمثلة ملموسة كهذه ال تستمر طويالB وسرعان مـا
ده كيف يتعامل مع الرقم «ثالثة» ناسيا أنه يعبرّيصبح من الضروري أن نعو عن ثالث بليات أو ثالث برتقاالت. وعندما ينتقل إلى ا9رحلـة الـتـعـلـيـمـيـة
ده على مزيد من التجريد حc نقدم إليه حقائق الريـاضـة فـيّالتاليةB نعـو صورة رموز جبريةB فيعرف أن ا9عادلة س+ ص= ص+ س تظل صـحـيـحـة مهما كانت القيم العددية للحرفc س و صB أي أن الـتـجـريـد هـنـا أصـبـح
يسري على األرقام ذاتها. ومن هنا كان التجريد صفة مالزمة للعلم: سواء ¢ ذلك التـجـريـد عـن طريق الـريـاضـة (وهـو األغـلـب) أو عـن طـريـق أي نـوع آخـر مـن الـرمـوز أو
عن ا9دار البيضاوي لكوكب معBcًاألشكال. فحc يتحدث عالم الفلك مثال ال يعني بذلك أن هذا الكوكب يرسم وراءه مدارا محددا في السماءB وإnا يعني ذلك اخلط الذي نتصورB بناء على تتبع حركة الكواكبB انه يسير فيه. وحc يتحدث عالم اجلـغـرافـيـا عـن خـط االسـتـواءB أو خـط جـريـنـتـشB ال يقصد خطأ عرضيا أو طوليا مرسوما عـلـى صـفـحـة الـكـرة األرضـيـةB بـل يقصد خطا تخيليا نرمز به إلى األماكن وا9واقع على سطـح هـذه األرض. وهذه اخلطوط ومعها مختلف الرموز التي نستخدمها في العلمB هي عالم مصطنع يخلقه العالمB وال وجود له في الطبيعةB بل أن وجوده ذهني فحسب. هذا العالم ا9صطنع الذي نستحدثه في أبحاثنا العلميةB وتلك التجريدات العقلية التي نفهم من خاللها الظواهر الطبيعيةB تباعـد بـيـنـنـا وبـc عـالـم التجربة اليومية بالتدريج. ولو تتبعنا مسار العلم لـوجـدنـا أن نـصـيـب هـذه
43
سمات التفكير العلمي
التجربة ا9ألوفة يتضاءل فيه على الدوامB على حc يزداد العلم إيغاال فـي عالم الرموز والتجريدات الذي خلقه بنفسهB ويصبح القدر األكبر من التعامل الذي يقوم به العالمB هو تعامله مع تلك الكيانات الفعلية التي اسـتـحـدثـهـا لكي يفهم بواسطتها الظواهر. ومن هنا كان ذلك االتهام الذي وجهه البعض إلى العلم بأنه يفصلنا عن منابع احلياة العينية ا9لموسةB ويقيم عا9ا مصطنعا أشبه بالهيكل العظمي الذي خال من اللحم والدم واحليويةB ويكتفي بالعالقات اجملردة بc الظواهرB وهي دائما عالقات خارجية ال تنفذ أبدا إلى صميم الواقع. ولسنا في حاجة إلى مناقشة هذا االتهامB ما دمنا قد رددنا عـلـيـه
. ولكن األمر الذي نود أن نوجه إليه نظر القارu هو أن(٣)في موضع آخر تطور العلم نحو التجريد كان أمرا حتتمه مـصـلـحـة الـعـلـم ذاتـهB وبـالـتـالـي يحتمه تقدم ا9عرفة وتقدم اإلنسان. فاستخـدام الـرمـوز الـريـاضـيـةB ولـغـة الكمB يساعد كما قلنا على التعبير عن حقائق العلم {زيد من الدقةB إذ أن الفرق هائلB من حيث الدقةB بc قولنا أن احلديد ساخـن كـمـا كـان يـقـول القدماءB {ن فيهم من العلماءB حتى أوائل العصر احلديثB وبc قولنا أن
درجة مئويـة مـثـال. وفـضـال عـن ذلـك فـان هـذا٣٥٠درجة حـرارة احلـديـد التحديد الكمي يسمح با9قارنة بc الظـواهـر إذ تـتـحـول األلـوان مـثـال مـن
نةB فيسهل ا9قـارنـةّصفات كيفية إلى أرقام تعبر عن موجات ضـوئـيـة مـعـي بينهاB على حc أن النظرة الكيفية تقيم بc كل لون وآخر حواجز ال qكن عبورها. وأخيرا فان التعبير الكمي يتيـح لـنـا أن نـتـخـطـى الـنـطـاق احملـدد للحواس البشريةB أو لقدراتنا بوجه عام. فـهـنـاك أصـوات أعـلـى وأصـوات أكثر انخفاضا ا تستطيع األذن البشرية سماعهB وهذه األصوات qـكـن حتديد ذبذباتها كمياB وان لم يكن من ا9مكن التعبير عنها باللغة الـكـيـفـيـة ا9ألوفة. كذلك فان درجات احلرارة التي يتسنى لنـا حتـمـلـهـا هـي درجـات
مئوية مثال)B قلنا٥٠محدودةB وإذا ارتفعت احلرارة عن درجة معينة (ولتكن ٦٠عن اجلسم انه ساخنB وألننا ال نستطيع أن نلمسه فان الساخن بدرجة
B ولكن التحديد٦٠٠ال يختلفB في ضوء النظرة الكيفيةB عن الساخن بدرجة ناB مع االستعانة بأجهزة القياس ا9رتـبـطـةّالكمي والرياضي هو الذي qـك
بهB من حتديد الدرجات التي تعجز احلواس البشرية عن التعبير عنهاB كما يعبر عن الفوارق اجلزئية الضئيلة التي ال تستطيع حواسنا العادية 3ييزها.
44
التفكير العلمي
ولنذكر أخيراB في صدد صفة التجريد هذهB أن هذه الصفةB التي يبدو أنها تباعد بc العلم وبc احلي ا9لموسB هي التي تكسب اإلنسـان مـزيـدا Bوتتيح له فهما أفضل لقوانينه فالعلم ا9عاصر Bمن السيطرة على هذا الواقع الذي تبدو كتبه وأبحاثه كما لو كانت تعيش متـقـوقـعـة فـي عـا9ـهـا اخلـاص Bا9ليء بالرموز وا9عادالت واألشكال الهندسية-هذا العلم هو الذي يتـمـكـن عن طريق هذه الرموز اجملردة ذاتهاB من أن يقدم إلينا في كـل يـوم كـشـفـا Bواختراعا جديدا يجعلنا نسيطر على نحو أفضل علـى ظـروف مـعـيـشـتـنـا ويرفع مستوى حياتنا اليومية ذاتها بال انقطاع. وتلك هي الصفة الفـريـدة حقا في العلم: أن طريقته في السيطرة على العالم ا9لموس والتغلغـل فـيـه
هي أن يبتعد عنه ويجرده من صفاته العينية ا9ألوفة.
45
عقبات في طريق التفكير العلمي
عقبات في طريق التفكير العلمي
العلم ظاهرة متأخرة في تاريخ البشرية. وسواء أكنا من القائلc بأن العلم {عناه الصحـيـحB ظـهـر منذ أربعة قرون في عصر الـنـهـضـة األوروبـيـةB أو بأنه يرجع إلى العصر اليوناني القد“ حc اهتدى اإلنسانB ألول مـرةB إلـى مـنـهـج الـبـرهـان الـنـظـري وا9نطقي على قـضـايـاهB أو حـتـى إلـى احلـضـارات الشرقية األقدم عهداB التي تـركـت لـنـا تـراثـا يـدل على وجود معارف متراكمة لديها تستحق اسم العلم- Bبهذا الرأي أو ذاك cأقول أننا سواء أكنا من القائل فال بد لنا من االعتراف بأن البشرية عاشت قـبـل ذلك عشرات األلوف من السنc دون أن يـتـكـشـف نشاطها عن تلك الظاهرة التي نطلـق عـلـيـهـا اسـم العلم. ولو كنا ن يتقيدون با9عنى الدقيق لكلـمـة العلمB ويشترطون لكي تكون ا9عرفة علما أن تكون قد اكتسبت مناهج منضبطة جتمع بc ا9ـالحـظـة Bالدقيقة والفرض العقلـي والـتـجـريـب الـتـطـبـيـقـي وتصطنع الرياضة لغة للتعبير عن قوانينهاB لوجب
ه البشرية بإنسان عاش سبعcّعلينا عندئذ أن نشب سنة من عمره أمياB ولم يتعلم القراءة والكتابـة إال
2
46
التفكير العلمي
في اليومc األخيرين من حياته! بل إننا نستطيع أن نقول أن البشريةB منظورا إليها ككلB ما زالت بعيدة عن اكتساب جميع سمات التفكير العلميB وما زال هذا التـفـكـيـر يـقـتـصـر فيها على مجتمعات معينةB وحتى في هذه اجملتمعات يتعرض العلم لتشويهات
عديدةB قد تظهر حتى بc ا9تخصصc فيه. فهل يعني ذلك أن العقل اإلنساني ظل خالل هذا التاريخ الطويل خامال? من ا9ؤكد أن الوعي والتفكير العقلي والنشاط الروحي لـم تـتـوقـف حلـظـة واحدة طوال تاريخ اإلنسانB بل أنها تكاد تكون مرادفة لهذا التاريخ. فمنذ Bكما أنتج أشعارا وحكما Bأبعد العصور انتج اإلنسان فنونا كان بعضها رفيعا وعرف العقائد والشرائع وكون لنفسه نظما اجتـمـاعـيـة وأخـالقـيـة. أي أن
عقله يعمل بال انقطاعB فلماذا إذن لم ينتج العلم إال في وقت متأخر? لقد آثر اإلنسانB طوال اجلزء األكبر من تاريخهB أال يواجه الواقع مواجهة مباشرةB وان يستعيض عنه بأخيلته أو صوره الذاتية. وهذا أمر ال يصعب فهمه: إذ أن ا9واجهة ا9باشرة للواقع فيها صعوبة ومشقةB وحتتاج منه إلى Bبذل جهد كبير. وعليه أن يروض ذاته على إطراح ميولها اخلاصـة جـانـبـا وقبول الظواهر على ما هي عليهB ثم استخالص القانون الكـامـن مـن وراء هذه الظواهرB وهو أمر يقتضي مستوى عاليا من التجريد. وهـكـذا qـكـن القول أن اجتاه اإلنسان نحو العلم ينطوي على قدر كـبـيـر مـن الـتـضـحـيـة: التضحية بالراحة والهدوء واالستسالم للخيال السهل الطليقB كما ينطوي على عادات عقلية فيها قدر كبير من الصرامة والقسوة على النفس. ولقد قال البعض أن العلم لم يبدأ إال مع «الرياضـة». وأحـسـب أن هـذه الـعـبـارة تغدو أبلغ وأدق في التعبير عن البداية احلقيـقـيـة لـلـحـلـم لـو فـهـمـنـا لـفـظ «الرياضة» هذاB ال {عنى أنه علم األرقام والكم فحسبB بل أيضا با9عنـى النفسي واألخالقيB أي {عنى رياضة «الروح أو النـفـس» عـلـى اتـبـاع نـهـج
شاق من أجل فهم الظواهر بالعقل وا9نطق الدقيق. وبعبارة أخرى فان العلم يظهر منذ اللحظة التي يقرر فيها اإلنسان أن يفهم العالم كما هو موجود بالفعلB ال كما يتمنى أن يكون. ومثل هذا القرار ليس عقليا فحسبB بل هو باإلضـافـة إلـى ذلـكB ور{ـا «قـبـل» ذلـكB قـرار Bمعنوي وأخالقي. وال بد للعقل البشرى أن يكون قد جتاوز مرحلة الطفولة
47
عقبات في طريق التفكير العلمي
التي نصور فيها كل شيء وفقا ألمانيناB إلى مرحلة النضج التي تتيح لنا أن نعلو على اخللط بc الواقع واحللم أو األمنية. وهذا مستوى ال يصل إلـيـه
اإلنسان إال في مرحلة متأخرة من تطوره. أما قبل هذه ا9رحلة فكان من الطبيعي أن يستعيض اإلنسان عن العلم Bوكان من الطبيعي أن تظل البشرية كـلـهـا Bدون أن يدرى أنه يحلم Bباحللم طوال ألوف عديدة من السنBc وفي جميع أرجاء األرض بال استثناءB مبتعدة عن رؤية الواقع وفهمه على ما هو عليه. وخالل هذه الفترة «احلا9ة» كـان األدب والفن هو ا9ظهر الرئيسـي لـنـشـاط اإلنـسـان الـروحـي. وفـي اآلداب Bوالفنون يهتم اإلنسان {شاعره الذاتية اكثر ا يهتم بالعالـم احملـيـط بـه وإذا اجته إلى هذا العالم اخلارجي فإnا يتجه إليه من خـالل أحـاسـيـسـه اخلاصة وميوله الذاتيةB فال يرى إال مرآة تنعكس عليها انفعاالته وعواطف. بل إننا نستطيع أن نقول أن الفلسفة ذاتـهـاB حـc سـارت فـي طـريـقـهـا اخلاص بوصفها نشاطا عقليا خالصا عند اليونانيBc كانت تهتـم بـاتـسـاق
نه الفيلسوفB أكثر اّبنائها الداخليB وبتماسك التركيب العقلي الذي يكو تهتم بالعالم الواقعي. وهذه سمة qكن استنتاجها بوضوح ا عرضناه من .cاخملتلط بالفلسفة) عند اليوناني) Bقبل عن الصفات ا9ميزة للعلم النظري وحc كانت الفلسفة تتحدث عن عالـم الـواقـعB كـانـت فـي مـعـظـم األحـيـان تصفه بأنه خداعB بل تعد احلواس خداعة ألنها تختص بادراك عالم مادي
من طبيعته أال يكون موضوعا 9عرفة صحيحة. وهكذا ظل اإلنسان طويال يستعيض عن العلم بخياالته وانفعاالته وحدسه وأفكاره اجملردةB ولم يصطنع منهجا يتيح له االتصال ا9باشر بالواقعB عن طريق اجلمع بc العقل والتجربةB إال في مرحلة متأخرة من تاريخه. فال بد إذن أن عقبات أساسية حالت دون حتقيق هذا االتصال ا9باشر بc اإلنسان والعالم عن طريق العلـم. وال بـد أن اإلنـسـان قـد بـذل جـهـودا كـبـيـرة حـتـى استطاع أن يسيطر على عقلهB ومن ثم يسيطر على العالم. وال بد أن تاريخ النشاط الروحي والعقلي لإلنسان كان تاريخا لألخطاء واألوهام التي تغلب عليها اإلنسان {شقةB بقدر ما كان تاريخا حلقائق اكتسبت بالتدريج. فما هي هذه العقبات التي أخرت ظهور العلمB والتي ال تزال تشوه صورة ا9عرفة
العلمية حتى يومنا هذا عند فئات كثيرة من البشر?
48
التفكير العلمي
أوال- األسطورة واخلرافة: ظلت األسطورة حتتل ا9كان الذي يشغله العلم اآلن طوال اجلزء األكبر
من تاريخ البشرية. وترجع أسباب انتشار الفـكـر األسـطـوري إلـى أنـه كـان يـقـدم-فـي إطـار بدائي-تفسيرا متكامال للعالم. فاألساطير القدqة تعبر عن نظرة الشعوب التي اعتنقتها إلى احلياة والطبيعة والعالمB وتقدم تفسيرا يتالءم مع مستوى هذه الشعوب ويرضيها إرضاء تاما. وهي فضال عن ذلك جتمع بc الطبيعة واإلنسان في وحدة واحدةB يزول فيها احلد الفاصل بc هذا وذاكB بحيث يبدو العالم متالئما مع غايات اإلنسان محققا ألمانيهB وهي-كما قلنا منـذ قليل-سمة رئيسية من سمات الفكر غير الناضج في عصور طفولة البشرية. Bاألسطورة واخلرافة cومن الصعب أن يضع ا9رء حدا فاصال دقيقا ب ولكن لو شئنا الدقة لقلنا أن التفكير األسطوري هو تفكير العصور التي لم يكن العلم قد ظهر فيها بعدB أو لم يكن قد انتشر إلى احلد الذي يجعل منه قوة مؤثرة في احلياة وفي طريقة معرفة اإلنسان للعالم. فاألسـطـورة كـمـا Bكانت تقوم بوظيفة اثلة لتلك التي أصبح يقوم بها العلم بعد ذلـك Bقلنا وكانت هي الوسيلة الطبيعية لتفسير الـظـواهـر فـي الـعـصـر الـسـابـق عـلـى ظهور العلم. أما التفكير اخلرافي فهو التفكير الذي يقوم على إنكار العلم ورفض مناهجهB أو يلجأ-في عصر العـلـم-إلـى أسـالـيـب سـابـقـة عـلـى هـذا العصـر. وقـد ال يـكـون هـذا الـتـحـديـد لـلـفـارق بـc لـفـظـي «األسـطـوري» و «اخلرافي» دقيقا كل الدقةB ولكنه يفيد على أية حال في التمييز بc هذين اللفظc اللذين يختلطانB في كثير من األحيانB في أذهان الناس. ونستطيع أن نضيف إلى ذلك فارقا آخرB هو أن األسطورة غالبـا مـا تـكـون تـفـسـيـرا «متكامال» للعالم أو جملموعة من ظواهرهB على حc أن اخلرافة «جـزئـيـة» تتعلق بظاهرة أو حادثة واحدة. فـفـي الـعـصـور الـبـدائـيـة والـقـدqـة كـانـت األسطورة 3ثل نظاما كامال في الـنـظـر إلـى الـعـالـم واإلنـسـانB وكـان هـذا النظام يتسمB في كثير من األحـيـانB بـاالتـسـاق والـتـمـاسـك الـداخـلـي. أمـا اخلرافات فتتعلق بالتفاصيلB وهي قد تكون متعارضة أو متنـاقـضـة فـيـمـا بينهاB ألن أحدا ال يحاول أن يوفق بc اخلرافات اخملتلفة ويكون منها نظاما أو نسقا مترابطا. ومع ذلك فمن الواجب أن نعترف بأن اللفظc يستخدمان
49
عقبات في طريق التفكير العلمي
في أحيان كثيرة {عنى واحد أو {عنيc متقاربBc وان كانت الدقة العلمية توجب التمييز بينهما.
وأهم مبدأ ترتكز عليه األسطورة هو ا9بدأ الذي يعرف باسـم «حـيـويـة وا9قصود بهذا ا9بدأ هو أن التفكيـر األسـطـوري يـقـومAnimismالطبيـعـة»
أساسا على صبغ الظواهر الطبيعيةB غير احليةB بصـبـغـة احلـيـاةB بـحـيـث تسلك هذه الظواهر كما لو كانت كائنات حية حتس وتنفعـل وتـتـعـاطـف أو تتنافر مع اإلنسان. ولو فكرنا مليا في أية أسطورة فسوف جندها تعـتـمـد على هذا ا9بدأ اعتمادا أساسيا. فأسطورة إيـزيـس وأوزيـريـسB الـتـي كـان ا9صريون القدماء يفسرون بها فيضان النـيـلB هـي إضـفـاء لـطـابـع احلـيـاة والنفعاالت األحياء على ظاهرة طبيعية هي الفيضان. وأسطورة خلق العالم على يد سلسلة اآللهة التي تبدأ من زيوسB عند اليونانيBc تقوم على هذا ا9بدأ نفسهB إذ يكون لكل جزء من الطبيعة اله خاص بهB ويسلك هذا اإلله سلوكا مشابها لسلوك البشر. وقل مثل هذا عن أية أسطورة عند أي شعب
قد“ أو بدائي. cهذه النظرة األسطورية إلى العالم وب cولكي ندرك مدى االختالف ب النظرة العلمية احلديثةB ينبغي أن نشير إلى أن مطلـب الـعـلـمB فـي الـوقـت احلاضرB هو ا9طلب ا9ضاد: فعلى حc أن األسطورة تفسر غير احلي عن طريق احليB فان العلم يسعى إلى تفسير احلي عن طريق غير احلي. أي أن العلم يحاول أن يجد لظواهر احلياة تفسيرا من خالل عمليـات فـيـزيـائـيـة وكيميائيةB وقد يتفاوت نصيبه في النـجـاح مـن مـجـال إلـى آخـرB ولـكـن مـا يهمنا هو الهدفB الذي يقف على النقيض من هدف التفسيـر األسـطـوري
للظواهر. ولقد كان من الطبيعي أن يسود هذا النوع من التفسير األسطوري في عصور طفولة البشريةB إذ أن أول ما يتوقـع مـن اإلنـسـانB حـc يـحـاول أن يفهم العالم احمليط بهB هو أن يفهمه في ضوء احلاالت التـي qـر بـهـا هـو ذاتهB الن ا9شاعر واالنفعاالت هي أمور نحس بها في أنفسنا مباشرةB وال حتتاج إلى تعليم أو تدريب خاص. ومن هـنـا فـقـد كـان طـبـيـعـيـا أن يـصـبـغ اإلنسانB في أول عهده با9عرفةB ظواهر الطبيعة بصبغة تلـك األحـاسـيـس واخلبرات التي يشعر بها في نفسه شعورا مباشراB فيتصورها كما لو كانت
50
التفكير العلمي
تنفعل وتفرح وتغضب وحتب وتكره مثله. وهكذا علل البشر كسوف الشمس في إطار التفسير األسطوريB بأن الشمس غاضبـةB أو بـأنـهـا «مـكـسـوفـة» (كما تغطى ا9رأة وجهها حc «تنكسف»). وما زال ألمثال هذه التفسيـرات
وجوده في مجتمعاتنا الشرقية حتى اليوم. ومن اجلدير بالذكر أن مبدأ «حيوية الـطـبـيـعـة»B الـذي قـلـنـا أن الـفـكـر األسطوري كله يرتكز عليهB ظل عقبة في طريق العلم في أوربا ذاتها حتى القرن الثامن عشر على األقلB إن لـم يـكـن بـعـد ذلـك. فـقـد كـانـت ظـاهـرة الكهرباء تعد دليال على وجود مبدأ حيوي يتغلغل في األجسام غير احلية.
. بل أن)١(كذلك كانت ا9غناطيسية تعد مظهرا لوجود احلياة في الطبيـعـة بعض علماء أوروبا ا9شهورين ظلواB حتى القرن الثامن عشرB يقولون بإمكان اإلهتداء إلى ذكور وإناث في ا9عادنB وكان ذلك يـبـعـث فـي نـفـوسـهـم أمـال Bكبيرا في أن يأتي اليوم الذي يكتشف فيه الذهب ا9ذكر والـذهـب ا9ـؤنـث حتى qكن حتقيق «التكاثر» في هذا ا9عدن النـفـيـس! بـل أن كـفـاح الـعـالـم
genératoin ضد مبدأ التولد الـتـلـقـائـي Pasteurالفرنسي الكبـيـر «بـاسـتـيـر» spontanèeBوهو ا9بدأ الذي كان يعتقد وفقا له أن الكائنات احلية الدقيقة
كالديدان وغيرهاB تتولد في بعض األجسام الطبيعية «تلقائيا» دون أن تكون قد تولدت عن كائنات حية اثلة-أقول أن هذا الكفاح ا9رير الذي خاضه «باستر» ضد اكبر علماء عصره يدل على أن بقايا مبدأ «حيوية الطبيـعـة» ظلت راسخة في أذهان العلماء األوروبـيـc حـتـى وقـت مـتـأخـر مـن الـقـرن التاسع عشر. وال يعني ذلك أن العلم األوروبي كان متخلفا أو متوقفا عنـد مرحلة بدائيةB بل أن هناك كشوفا عظيمة كانت تتحقق منذ القرن السابع Bفي كثير من األحيان Bعشر. وكل ما تعنيه هو أن كشف احلقائق العلمية يتم
في إطار تكتنفه كثير من عناصر اخلطأ. ولعل من أوضح األدلة على أن الفكر األسطوري ظل محتفظا {كانـتـه فترة أطول ا ينبغيB استمرار ذلك النوع من التعلـيـل ا9ـسـمـى بـالـتـعـلـيـل
للظواهرB أعني تقشر ظـواهـر الـطـبـيـعـة مـن خـالل<Teleological«الغـائـي «الغايات» التي حتققها هذه الظواهر للبشر. فنحن نتصورB مثالB أن الشمس تطلع كل صباح لكي تدفئ أجسامناB وأن القمر والنجوم تـظـهـر كـل مـسـاء لكي تنير طريقنا أو تهدى التائهc منا في الليل. ونحن نعتقد أن ا9طر ينزل
51
عقبات في طريق التفكير العلمي
لكي يروي الزرعB وأن رقبة الزرافة طويلة لكي تستطيع أن تصل إلى أوراق األشجار احلالية وتتغذى بها. وهكذا نتصور أن للحوادث الطبيعية أغراضا وغاياتB ونعتقد أن التفسير احلقيقي لهذه احلوادث إnا يـكـمـن فـي تـلـك
األغراض والغايات. وإذا كان مبدأ «حيوية الطبيعة»B أي وصف الطبيعة بصفات الكـائـنـات احليةB والسيما اإلنسانB هو-كما قلنا من قبل-ا9بدأ األساسي الـذي يـقـوم عليه الفكر األس طوريB فمن السهل أن ندرك أن فكرة «الغائية» في تفسير الطبيعة إnا هي تطبيق مباشر لهذا ا9بدأ أو امتداد له. ذلك ألن الغايات تقوم بدور أساسي في عالم اإلنسان. وهي في هـذا الـعـالـم تـؤدي وظـيـفـة طبيعية ال يستطيع أحد أن يزعم بأنها تتعارض مع العلم. فاإلنسان يـوجـه سلوكه بالفعل نحو غايات معينةB أي أنه يستذكر دروسه لكي ينجحB ويطهو Bويخرج إلى الشارع لكي يتنزه. ولو سألت هذا الشخص Bالطعام لكي يأكل في احلاالت السابقة: 9اذا ذاكرت? أو 9اذا خرجـت? الـخ... لـكـان اجلـواب Bفي هذه احلاالت Bالطبيعي: لكي أفعل كذا. أي أن التعليل الطبيعي لتصرفاتنا يأتي عن طريق اإلشارة إلى الغاية منها. ومن هنا كان للغائية دور أساسي في اجملال البشرىB وكان من ا9مكن حتليـل كـثـيـر مـن أفـعـال اإلنـسـان عـن
طريق الغايات ا9قصودة منها. ولكن اخلط الذي وقع فيه ا9فكرونB والعلماء أنفـسـهـم أحـيـانـاB خـالل عصور طويلة ماضية هو أنهم نقلوا هـذه الـفـكـرة بـحـذافـيـرهـا مـن مـجـال اإلنسان إلى مجال الطبيعةB وتصوروا إن احلوادث الطبيعية qكن تعليلـهـا بغاياتهاB قياسا على ما يحدث في عالم اإلنسان. وهكذا فانك إذا سألت: 9اذا يسقط ا9طر? كان رد أنصار التفكير الغائي هو: لكي يروى الزرع. وإذا .c9سألت: 9اذا يحدث الزلزال أو الفيضان? كان الرد: لكي يعاقب أناسا ظا وهكذا يتصور هؤالء أن مسلك الطبيعة اثل 9سالـك اإلنـسـانB فـيـقـعـون
بذلك في شرك التفكير األسطوري. والواقع أن الطبيعة ال تعرف «غايات» با9عنى الذي نفهم به نـحـن هـذا Bوال يـحـدث فـيـهـا شـيء Bبل أن حوادثها حتكمها الضرورة فحسـب Bاللفظ كسقوط ا9طر أو وقوع فيضانB الـخB إال إذا تـوافـرت األسـبـاب الـطـبـيـعـيـة ا9ؤدية إليه. وعندما تتوافر هذه األسباب يكون حدوث الظاهرة أمرا حتميا.
52
التفكير العلمي
أما الغايات فإننا نحن الذين نخلقهاB ونستغل من أجلها حوادث الطبيـعـة. Bفنحن قد وجدنا ا9طر بالفعل ثم اكتشفنا بالتجربة فائدتـه فـي ري الـزرع فخلقنا هذه الغاية لهB أما ا9طر ذاته فكان سيسقط سواء روينا به زرعنا أم
لم نروه. وقس على ذلك بقية احلاالت. والدليل الواضح على إخفاق التعليل الغائي للظواهر الطبيعيـةB هـو أن هذا التعليل كثيرا ما يتخبط ويتناقض: ففي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن ا9طر يسقط من أجل ري زراعتهB يرى البعض اآلخر أنـه يـسـقـط لـكـي يروى ظمأه أو ظمأ ماشيتهB ويرى غيـرهـم أنـه يـسـقـط لـكـي يـصـنـع بـركـة يستحم فيهاB بينما يرى صاحب الكوخ الهش أن سقوط ا9طر نقمة عليـه. Bكن أن يفسر إال بأنه نقمةq الذي يبدو أنه ال Bوحتى الفيضان أو الزلزال ال يصيب األشرار وحدهمB وإnا تضيع فيه أرواح بـريـئـة كـمـا تـضـيـع فـيـه أرواح آثمةB بل أن األرواح البريئة-كما في حالة األطفال وا9سنc مثال-ر{ا كانت أكثر تعرضا للضياع فيه من األرواح اآلثمة... هذا فضال عن أن حادثا مؤ9ا كهذا ال يخلو من النفع لبعـض الـنـاسB كـمـتـعـهـدي نـقـل ا9ـوتـى مـثـال! وهكذا تتباين الغايات التي qكننا أن ننسبها إلى الظاهرة الواحدةB حسب مصاحلنا ووجهات نظرنا اخلاصةB ويتضح لنا أن تفسير ظواهر الطبيـعـة على أساس غايات مستمدة من اجملال البشري هو تفسير باطلB ال يـخـلـو من التخبط والتناقض. ولذا لم يكن من ا9ستغرب أن يتخلى التفكير العلمي عن فكرة «الغائية» ويعدها امتدادا للطريقة األسطورية في فهم العالمB وان يكن التفسير الغائي للظواهر أشد خفاءB وأصعـب تـفـنـيـداB مـن الـتـفـسـيـر
األسطوري ا9باشر. وهكذا أصبح العلم يقتصرB في فهمه للظواهر الطبيعيةB على األسباب التي تؤدي إلى حدوث هذه الظواهرB أي على ما يطلق عليه اسم «العلل أو األسباب الفاعلة»B وهي الشروط الضرورية التي ال يحـدث الـشـيء إال إذا توافرتB وال بد إذا توافرت من أن يحدث الشيء. وهذا النوع من األسباب يتعلق با9قدمات التي 3هد حلدوث الظاهرةB والتي تسبقها في الزمان. أي أن ا9اضي هو الذي يتحكم في احلاضرB في حالة الظواهر الطبيعية. أما في حالة الظواهر البشريةB التي qكن أن يكون للغايات وجود فـيـهـاB فـان «ا9ستقبل» أيضاB باإلضافة إلى ا9اضيq Bكن أن يكـون سـبـبـا لـألحـداث.
53
عقبات في طريق التفكير العلمي
فاإلنسان ال يتصرف بناء على سوابق ماضية فحسبB بل يـتـصـرف أيـضـا ألنه يخطط لهدف أو 9شروع في ا9ستقـبـل. ولـكـن هـذه صـفـة يـنـفـرد بـهـا اإلنسانB وال تعرفها الطبيعةB ور{ا كانت هي التي أعطت اإلنسان مركـزه
الفريد في الكون. على أنه إذا جاز لنا أن نـقـول أن الـفـكـر األسـطـوريB فـي مـجـمـلـهB قـد اختفى باختفاء العصر الذي كانت فيـه األسـطـورة حتـل مـحـل الـعـلـمB فـان الفكر اخلرافي ظل يعايش العلم فترة طويلةB ومازال qـارس تـأثـيـره عـلـى عقول الناس حتى يومنا هذا. ولقد عاشت البشرية أمدا طويال وهي حائرة بc اخلرافة والعلمB ألن اخلط الفاصل بينهما لم يكنB في البداية واضحا كما هو اليوم. وخالل هذه الفترة كانت األمور مختـلـطـة ومـتـداخـلـةB وكـان كثير من العلماء يجمعون بc عنـاصـر مـن اخلـرافـة وعـنـاصـر مـن الـبـحـث
العلمي في مركب واحد يشعرون بأنه ينطوي على أي تنافر. ولنضرب لذلك مثال من ميدان التنجيم وعلم الفلك: فممارسة التنجيم كانت تتطلب معرفة واسعة باحلقائق الفلكية. «واألبراج» التي يقول ا9نجمون انهم يعرفون بها الطالع هي أشبه ما تكون بخريطة كبـرى لـلـسـمـاءB تـضـم كثيرا من ا9علومات الفلكية الصحيحة. واسم التنجيم ذاته يفترض معرفـة بالنجومB ومن ثم كان تداخله مع علم الفلك. بل أن كبار الفلكيc كانوا في الوقت ذاته منجمBc وهذا ينطبق على العصور القدqة والعصور الوسطى اإلسالمية واألوروبيةB بل وعلى أوائل العصر احلديث أيضا. فـحـتـى كـبـلـر ذاتهB أعني ذلك العالم األ9اني العظيم الذي حدد ا9دارات البيضاوية للكواكب واهتدى إلى مجموعة من أعظم القوانc الـفـلـكـيـة الـريـاضـيـةB كـان يـؤمـن بالتنجيم وqارسهB ولم يكن يعتقد أن ارسته له تتعارض على أي نحو مع Bعمله العلمي الدقيق. بل إن السعي إلى جعل التنجيم والتنبؤ بالطالع أدق ر{ا كان واحدا من أهم األسباب التي حفزت العلماء على االشتغال بـعـلـم الفلكB والتي جعلت هذا العلمB الذي يتناول ظواهر تبدو بعيدة كل البعد عن اهتمام اإلنسان على هذه األرضB يصبح واحدا من أقدم العلـوم الـبـشـريـة Bعهدا ومن أدقها منهجا. ولوال أن احلكام كانوا يحرصون على معرفة طالعها ويستشيرون ا9نجمc في قراراتهم الهامة 9ا أولوا علم الفلك ذلك االهتمام
موا إليه ذلك التشجيع الذي أدى إلى نهوضه منذ وقت مبكر.ّوقد
54
التفكير العلمي
ولدينا مثل آخر في ظاهرة السحر. فقد تداخلت ا9مارسات السحرية مع ا9مارسات العلمية وقتا طويال. وبالرغم من أن السحر كان مبنيا عـلـى معتقدات خرافية ال صلة لها بالعلمB فقد كان السحرة يلجؤونB في كثير من األحيانB إلى التعامل مع مواد الطبيعة وعناصرها على نحو يؤدي بهم إلى الكشف عن كثير من أسرارهاB ا دعا بعض مؤرخي العلم إلى النظر إلى السحر بوصفه هدا للعلم التجريبيB ولعلوم الكيمياء واألحياء بوجه خاص. ومع ذلك فقد نشبت معركة حامية بc العلم والسـحـر فـي مـطـلـع الـعـصـر األوروبي احلديث. ولم يكن رجال الكنيـسـة {ـعـزل عـن هـذه ا9ـعـركـةB وان كانوا قد وقفوا موقفا معاديا للطرفc معا: فالسحرة في نظرهم تتقمصهم أرواح شريرةB ومن ثم كان من الواجب حـرقـهـمB أمـا الـعـلـمـاء فـهـم يـنـادون بتعاليم مضادة 9ا تقول به الكنيسةB ومن ثم فمن الواجب اضطهادهم. وفي بعض األحيان كان العلماء يتهمون بالسحرB حتى تكون إدانتهم ايسرB وبالفعل راح عدد غير قليل من الباحثc في العلوم احلديثة ضحية االتهام بالسحر. على أن هذا التداخل واالختالط بc النظرة اخلرافية والنظرة العلمية Bقـد أخـذت تـتـضـح بـالـتـدريـج cبل أن معالم الـنـظـرتـ Bلم يدم وقتا طويال وبدأت الطريقة العلمية في النظر إلى األمور تثبت تفوقهـا الـسـاحـق عـلـى الطريقة اخلرافية وذلك لسببc: أولهما أن فهم قوانc الطبيعة من خالل
نه من تغيير مجرىّالعلم يتيح لإلنسان سيطرة حقيقية على ظواهرهاB وqك حوادثها لصاحلهB على حc أن النظرة اخلرافية جتعله يقف من الطبيـعـة موقفا سلبيا عاجزا. وحc بدأت ثمار التطبيقات العلـمـيـة تـصـبـح مـتـاحـة للجميعB واثبت العلم بطريقة ملموسة قدرته على السيطرة على الطـبـيـعـة بطريقة ال يحلم بها الساحر ذاتهB لم يعد هناك مبرر لبقاء الطريقة السحرية
اخلرافية. أما السبب الثاني فهو أن العلم قد أثبت أن نـتـائـجـه مـضـمـونـةq Bـكـن التنبؤ بهاB على حc أن نتيجة السحر اخلرافة غير مضمونة على الدوام. Bيدرس العالم ظاهرة معينة ويتوصل إلـى الـعـوامـل ا9ـتـحـكـمـة فـيـهـا cفح يستطيع أن يضمن استخدامها لصالح اإلنسان بطريقة معلومة مقدما. أما إذا واجه هذه الظاهرة عن طريق أحجبة أو تعاويذ سحريةB فقد يصل إلى النتيجة ا9طلوبة مرةB وال يصل إليها عشرات ا9رات. واألدهى من ذلك انه
55
عقبات في طريق التفكير العلمي
Bلن يكون قادرا حتى على التنبؤ باحلالة التي سـيـكـون سـحـره فـيـهـا فـعـاال وسط عشرات احلاالت التي يعجز فيها هذا السحر. وهكذا آثـر اإلنـسـان العلم ألنه اكتسب ثقة في نتائجهB ولم يعد الناس يلجؤون إلى اخلرافات-في معظم األحيان-إال في احلاالت التي ال يكون العلم فيها قد أحكـم قـبـضـتـه على الظواهرB كما في حالة اإلصابة {رض عضال لم يستطع العلم بعد أن
يكتشف عالجا له. والواقع أن هذه احلقيقة األخيرة تشير إلى سمة هامة من سمات التفكير اخلرافي. فقد ذكرنا أن نتائج السحر أو اخلرافة غير مضمونةB وأنها في مقابل كل مرة تنجح فيها تخـفـق عـشـرات ا9ـرات. ومـع ذلـك فـان مـن أهـم أسباب استمرار هذا اللون من التفكيرB اجتاه العقل البشري إلى التعـمـيـم السريعB بحيث يؤمن بفاعلية السحر أو اخلرافة بناء على جناح أمثلة قليلة جدا (وهو قطعا جناح حتقق بالصدفة)B دون أن يختـبـر احلـاالت الـكـثـيـرة األخرى التي اخفق فيها هـذا األسـلـوب. فـنـحـن نـقـول عـن فـالن أو فـالنـة (وغالبا ما تكون «فالنة»!) إن أحالمها ال تخيبB وأن لديها القدرة على رؤية حوادث مقبلة في األحالمB جملرد أنه حدث مرة أو مرتـc أن حتـقـق شـيء رأته في حلم. ولو سلمنا بأن هذا حدث (مع أنها ر{ا كانت قـد روت هـذا Bبحـيـث يـبـدو لـهـا أنـهـا حـلـمـت بـه Bاحللم-بحسن نية)-«بعد» وقوع احلادث ور{ا لم تكن تذكر بدقة ما حدث في احللمB ور{ـا كـانـت مـشـغـولـة بـهـذا احلادث مدة طويلة وتتوقع حدوثه لوجود مقدمات تدل عليه)B فلنتذكر أننا نسقط من حسابنا ألوف األحالم التي حلمت بها صاحبة «الرؤيـة الـتـي ال تخيب»B والتي لم يتحقق منها شيءB وكل ما يعلق في ذهننا هو تلك األحالم
القليلة التي «تصادف» أنها حتققت. و9ا كان التركيز ينصب على احلاالت القليلة التي حتققتB فان الـنـاس «يعممون» احلكم بحيث ينطبق على «جمـيـع احلـاالت». وعـلـى هـذا الـنـحـو تنمو لدى الناسB وتنتشرB أسطورة صاحـبـة الـرؤيـة الـصـادقـةB أو بـصـيـرة
عراف يستشف ا9ستقبلB الخ... والواقع أن ظاهرة الفكر اخلرافي أعقد من أن تكون مـجـرد بـقـيـة مـن بقايا عصور ماضيةB يستطيع العلم في مسيرته الظافرة أن يكتسحها وqحو جميع آثارها. ذلك ألن الفكر اخلرافي يظل متأصال في أذهـان كـثـيـر مـن
56
التفكير العلمي
الناس حتى في صميم عصر العلمB ويظل منتشرا بc الناس حتى في أكثر اجملتمعات 3سكا بالتنظيمات العلمية. فالعلم واخلرافةB وان كانا ينتميان Bفـي نـفـوس الـبـشـر أمـدا طـويـال cيظالن متعايشـ Bcإلى عصرين مختلف وكأنهما طبقتان جيولوجيتان متراصتان الواحدة فـرق األخـرى فـي اجلـبـل
. بل إن الشخص الذي نال من(٢)الواحدB وكل منهما ترجع إلى زمن مختلف التعليم حظا رقيماB قد يظل متمسكا بالفكر اخلرافي في كثير من جوانب حياته التي ال qسها العلم مساسا مباشرا. وهكذا يكـون اتـبـاعـه لـلـمـنـهـج العلمي في ا9عمل أو اخملتبرB أو جمعه حصيلة ضخمة من ا9علومات العلمية- Bباخلرافات Bال يكون ذلك عاصما لذهنه من أن يؤمن في جانب من جوانبه ويرضى بتفسير للظواهر ال عالقة لهB من قريب أو بعيدB با9نهج الـعـلـمـي
الذي يجيد استخدامه. وهكذا جند في أكثر اجملتمعات تقدماB بقايا من التعلق باخلرافة تتمثل في إعطاء مكان الصدارةB في كثير من الصحفB للحوادث التي تبدو خارقة للطبيعةB وفي استمرار ظهور أعمدة صحفية مـثـل «حـظـك هـذا الـيـوم» أو
B أو انتشار تعبيرات حتمل١٣قراءة الطالع من األبراجB أو التشاؤم من الرقم معنى خرافيا مثل «أمسك اخلشب»B آخر هذه ا9ظاهر التـي تـدل عـلـى أن التفكير اخلرافي ما زالB في عصر الصعود إلى القمرB متشبثا بكثيـر مـن
مواقعه. ولقد ظهرت تعليالت متعددة ومتبايـنـة االجتـاهB تـفـسـر اسـتـمـرار تـيـار الالمعقول في مساره اخلفي حتت سطح الـعـقـالنـيـة الـظـاهـرة لـلـمـجـتـمـع احلديثB وإصرار الغيبيات على عدم االختفاء من حياة اإلنسان العصري. Bور{ا كانت التعليالت النفسية أكثرها انتشارا. فهناك من يقولون أن األحالم في حياة اإلنسانB مصدر دائم للخرافةB إذ أن الصور اخلياليةB غير ا9ترابطة وغير الواقعيةB التي تظهر في األحالمq Bكن أن تختلط بالواقعB وتكتسب في حياة الناس طابعا متجسدا يـتـخـذ شـكـل اخلـرافـة. ور{ـا كـان األصـل األول لكثير من اخلرافات راجعا إلى وجود شخصيات مريضة لديها استعداد أكبر للخلط بc احللم والواقعB ولتأكيد الوجود الفعلي ألشباح وأرواح تراءت لها بإحلاح في منامها. وقد ركزت مدرسة التحلـيـل الـنـفـسـي عـنـد فـرويـد Bفي بحث تأثير الالشعور في رؤية اإلنسان للواقع Bفي هذا ا9يدان Bجهودها
57
عقبات في طريق التفكير العلمي
وأسهمت بذلك في استكشاف أسباب استمرار التفكير اخلرافي في عصر ينظم الناس حياتهم فيه على أساس من العلم. ذلك الن اخلرافةB في ضوء التحليل النفسيB ال تظهر بوصفها شيئا ماضيا لم يعد له في حياة اإلنسان مكانB بل تبدو جزءا من التكوين النفسي لإلنسانB يظل كامنا في الالشعور
إلى أن تطرأ ظروف تصعد به إلى السطح اخلارجي. على أن التعليل ا9ستمد من مجال علم النفس. والتحليل النفسي بوجه خاصB ر{ا لم يكن كافيا إال إليضاح جانب واحد من جوانب مشكلة استمرار الفكر اخلرافي في اجملتمع احلديث. فحتى لو سلمنا باإليضاح الذي تقدمه مدرسة التحليل النفسيB سيظل علينا أن نعرف تلك الظروف التي تـبـعـث اخلرافة من أعماق الالشعور إلى مستوى التفكير أو السلوك الـواعـيB وال بد أن تكون هذه الظروف منتمية إلى طبيعة اجملتمعB ونوع القيم السـائـدة
فيهB والعوامل االجتماعية التي تتحكم في حتديد هذه القيم. وفي اعتقادي أن الشعور بالعجز هو العامل األساسي في ظهور اخلرافة Bوهذا الشعور يتخذ أشكاال تختلف باختالف البيئة والعصـر Bواستمرارها ولكن نتيجته دائما واحدةB هي أن يلجأ اإلنسانB في تعليله لألحـداث إلـى قوى ال عقلية تساعده على التخلص من ا9شكالت التي يواجهـهـا تـخـلـصـا وهمياB بدال من أن تساعده على حلها أو حتى مواجهتها بطريقة واقعية.
ومن ا9مكن القول أن شعور اإلنسان بـالـعـجـز كـان يـتـخـذ فـي الـعـصـور Bوالقصور في معرفـة الـعـالـم احملـيـط بـه Bة شكل احلجز عن الفهمqالقد ولذا كان يعلل الظواهر التي ال يفهمها تعليالت خرافـيـة. أمـا فـي الـعـصـر احلديث. بعد أن توصل اإلنسان إلى معرفة تـتـيـح لـه إجـابـات عـلـمـيـة عـن األسئلة األساسية التي كان يعجز من قبل عن فهمهاB فان ا9سألة لـم تـعـد تتعلق باحلجز عن الفهم أو ا9عرفة: بل أصبح العجز يتمثل في عدم القدرة على التحكم الواعي في مسار اجملتمعB وفي القوى التي تسيطر عليـهB أي أنه أصبح عجزا اجتماعيا. وهذا ما يعلل استمرار ظهور الفـكـر اخلـرافـي في مجتمعات ال qكن القول أن اجلهل مخيم عليها. أو أن الفقـر يـطـمـس عقول الناس فيها. ففي كثير من البالد األوروبيةB وفـي الـواليـات ا9ـتـحـدة األمريكية بوجه خاصB تنتشر مظاهر واضحة للتفكير اخلرافيB تتمثل في «قراءة الطالع» التي حتدث أحيانا عن طريق أجهزة إلكترونية معقدة (وهو
58
التفكير العلمي
مظهر واضح لتعايش العلم واخلرافة معا: اجلهاز علمي متـقـدمB والـهـدف من استخدامه خرافي متخلف)B كـمـا تـتـمـثـل فـي وجـود جـمـاعـات 3ـارس أنواعا من السحـر (الـسـحـر األسـود) والـطـقـوس الـغـريـبـة فـي قـلـب أغـنـى اجملتمعات الصناعية. والتعليل ا9عقول لذلك هو أن الناسB برغم ما توافر لهم من معرفة وعلمB وما يتمتعون به من مستوى عال للمعيشةB يعجزون عن فهم القوى التي تتحكم في مسار حياتهمB وينظـرون إلـى ا9ـسـتـقـبـل نـظـرة قا3ةB ويتصورون أن العالم تشيع فيه قوى شريرة وحتميـة كـئـيـبـة تـفـرض على الناس أن يعيشوا في توتر وخوف دائم من ا9صير اجملهولB وهي قوى
ال qكن محاربتها إال بقوى أخرى من نفس نوعها. على أن األمر الذي ينبغي أن نؤكـدهB فـي هـذا الـصـددB هـو أن ظـاهـرة Bفي اجملتمعات الصناعية ا9تقدمة Bاستمرار الفكر اخلرافي بأشكال مختلفة ال تشكل مع ذلك خطرا داهما على ا9سار العام لهذه اجملتمعـاتB بـل إنـهـا Bتظل على الدوام ظاهرة هامشية. فنوع احلياة التي تسود اجملتمع الصناعي حيث يحسب كل شيء وينظـم بـدقـة وانـضـبـاطB وحـيـث ال يـسـمـح أسـلـوب اإلنتاج السائد بأن تظل هناك عناصر غير محسوبة أو غير متوقعةB وحيث تخضع احلياة اليومية ذاتها لنظام مـحـدد ال مـجـال فـيـه لـإلسـتـثـنـاءات أو Bأقول أن نوع احلياة هذا يشكل ضمانا مؤكدا يعصم اجملتمع Bاالنحرافات في مجموعهB من أضرار التفكير اخلرافيB مهما كانت درجة انتشاره على مستوى األفراد أو اجلماعات ا9نعزلة. ففي مثل هذه اجملتمعات يظل اجملرى العام بحياة خاضعا للعقالنية والترشيد والتخـطـيـط ا9ـدروسB أمـا ا9ـيـول
اخلرافية فتتخذ شكال فرديا ال يؤثر على هذا ا9سار العام. بل أن من ا9مكن القولB {عنى معBc أن احلياة الصـنـاعـيـة اخملـطـطـة الدقيقة هي ذاتها التي تفرض على مجتمعاتهـا مـن آن آلخـرB الـلـجـوء إلـى ألوان من التفكير اخلرافي. فـانـتـشـار اخلـرافـات فـي هـذه الـبـالد هـو فـي أساسه «رد فعل» على العلم ا9تغلغل في صـمـيـم كـيـان اجملـتـمـعB ومـحـاولـة للتخلص من قبضة تلك العقالنية احملكمة التي 3سك بجميع جوانب حياة الناسB عن طريق بعث عناصر العقلية من مكمنها الالشعوري. انه تعبـيـر عن 3رد الشعوب اخلاضعة للعقل على هـذا الـعـقـل نـفـسـهB ورغـبـتـهـا فـي اخلروج عنهB وأن كان ذلك ال يتم إال بصورة مؤقتة ألنها في النهـايـة تـعـود
59
عقبات في طريق التفكير العلمي
إليهB وال تستطيع أن تتلخص منه بعد أن أصبحت كل جوانب حياتها تنظم وفقا له. أنها قفزة مؤقتة إلى ا9اضي البعيد عبر احلاضرB ور{ا كانت هذه العودة تساعدهم علـى حتـمـل الـضـغـط والـتـوتـر الـذي جتـلـبـه لـهـم احلـيـاة الصناعية بإيقاعها السريع ونظمها احلتمية الصارمة. وهكذا يكون التفكير اخلرافيB في هذه احلالةB منبثقا من قلب التفكيـر الـعـلـمـي والـعـقـلـيB وال يفهم إال في إطاره. بل أن العودة إلى ا9اضي السحيق هي في هذه احلالة نتاج للمجتمع الصناعي ذاته: إذ أنها تعبير عن الرغبة في «التغيير»B وعدم القدرة على االستقرار طويال على حالة واحدة. وهذه الرغبة في التـغـيـيـر هي ذاتها جزء ال يتجزأ من طبيعة احلياة في اجملتمعات الصناعية ا9تقدمة. فمن سمات هذه احلياة أنهما تغير إيقاعها بسرعةB وجتدد نفسها باستمرار وترفض اجلمود واالستقرارB بل أن الرغبة في التغيير 3تد عـنـدهـا حـتـى إلى القيم األخالقية واالجتماعية ذاتهـا. ولـذلـك كـان االبـتـعـاد عـن الـعـقـل والعلمB في ظاهرة الفكر اخلرافيB يتم في حالة اجملتمعات الصناعية ا9تقدمة في إطار عصر العقل والعلم واستجابة 9قـتـضـيـاتـهB وهـو وضـع تـبـدو فـيـه مفارقة واضحةB ولكنه يعبر بالفعل عن وضع الفكر اخلرافي في اجملتمعات
ا9عاصرة ا9تقدمة. Bبـصـورة قـاطـعـة Bولقد حرصنا على تأكيد هذه احلقيـقـة لـكـي نـوضـح Bوالعربي بوجه خاص Bوضع العالم الشرقي عموما cاالختالف األساسي ب ووضع العالم الصناعي ا9تقدم بالنسبة إلى موضوع التفكير اخلرافي. ذلك Bألن هناك كثيرين في بالدنا العربية يحاولون التخفيف من تأثير هذه الظاهرة أعني ظاهرة انتشار التفكير اخلرافي في بالدناB عـن طـريـق اإلشـارة إلـى وجود ظواهر اثلة في البالد ا9تقدمة. ومثل هذه احملاولة لـلـتـهـويـن مـن شأن الفكر اخلرافي والتخفيف من خطره على مجتمعاتنا يعيبها أنها تقف عند حدود السطح اخلارجي للظواهر وال تتغـلـغـل فـي أعـمـاقـهـا. إذ يـبـدو ظاهريا أن الوضع متشابه في احلالتc (وان كان مقدار انتشار اخلرافات عندنا أعظم {راحل منه في البالد ا9تقدمة) ولكن احلقيقة أن داللة الظاهرة
مختلفة في احلالتc 3ام االختالف. ففي حالة مجتمعاتنا يتخذ التفكير اخلرافي شكل العداء األصيل للعلم والعقلB وqثل هذا العداء امتدادا واستمرارا لتاريخ طويل كان العلم يحارب
60
التفكير العلمي
فيه معركة شاقة لكي يثبت أقدامه في اجملتمع. وإذا كان قد بدا خالل فترة قصيرة أن العلم 3كن من تأكيد ذاته في مجتمعنا العربيB فمن ا9ؤكـد أن ذلك لم يحدث على مستوى اجملتمع كلهB وأن العداء للعلم كان هو الـغـالـب Bفي حالتنا Bثلq في بقية الفترات في تاريخنا. وهكذا فان انتشار اخلرافة تعبيرا عن جمود اجملتمع وتوقفه عند أوضاع قدqة ومقاومته للتطور السريع احمليط به من كل جانبB والفرق واضح بc هذه األسلوب في الفكر اخلرافي وبc أسلوب تلك اجملتمعات التي مرت بتجربة التفكير العقلي. حتى أعلى مراتبهاB والتي يحاول بعض أفرادها أن يرتدوا عن هذه التجربة «من موقع االندماج فيها» من موقع اجلهل بها أو اخلوف منها أو العجز عن حتقيقها. أي أن الفرق واضح بc الفكر اخلرافي حc يكون تعبيرا عن جمود متأصل وحتجر على أوضاع ظلت سائدة طوال ألوف السنc دون أن يرغب اجملتمع في تغييرها أو يجرؤ عليهB وبc هذا الفكر ذاته حc يكون تعبيرا-محـدود النطاق-عن رغبة في التغيير يشعر بها مجتمـع ال يـسـتـطـيـع أن يـظـل أمـدا طويال على حالة واحدةB حتى لو كانت هـذه احلـال هـي الـتـفـكـيـر الـعـقـلـي
الرشيد. وتلك مسألة جند لزاما علينا أن ننبه إليها الن بعض كتابناB الـواسـعـي االنتشار لألسف الشديدB يرددون نفس احلجج التي يقول بها أنصار التفكير الالعلمي في الغربB لكي يبرروا بها ابتعادناB نحن الشرقيBc عن التفكير العلمي وعدم ثقتنا في قدرات العقل. وهذا خطأ كبيرB ومغالطة اكبرB إذ أن دوافعنا في االبتعاد عن التفكير العلمي تختـلـف كـل االخـتـالف عـن دوافـع مجتمع مارس هذا التفكير قرونا عديدةB في الوقت الذي ال نزال فيه نحن
نكافح من أجل الدخول ألول مرة في عصر العلم احلديث. على أننا ينبغي أن نعترف بأن أنصار اخلـرافـةB سـواء فـي بـالد أم فـي خارجهاB ال يقتصرون على تأكيد هذا النوع «ا9ضاد للعلم» من اخلرافات. فهناك نوع آخر يدعى االنتساب إلى العلمB ويستند على شواهد يزعم أنها علميةB ويتظاهر أنصاره بأنهم يتبعون مناهج علمية في التحقق. منه. ومن هذا أنصاره االعتقاد بوجود قوى خارقة لدى بعض البشرB كاالستـشـفـاف
B أو األشكال اخملتلفة 9ا يـسـمـى بـاحلـاسـة الـسـادسـة أوtelepathyعن بـعـد غيرها. ور{ا وصل احلماس بالبعض إلى حـد تـأكـيـد قـدرة «الـعـلـم» عـلـى
61
عقبات في طريق التفكير العلمي
عن ا9ألوف بc بعضًإثبات «حتضير األرواح»-وهو لألسف أمر ليس بعيدا ا9شتغلc بالعلمB وكأنهم اصبـحـوا واثـقـc مـن أن الـروح «شـيء»B وأن هـذا الشيء qكن «حتضيره»B أي qكنه أن يذهب ويجيءB وأن هذا الشيء الذي يذهب ويجيء يستطيع أن «يتكلم»B أو يؤثر فـي أشـيـاء «مـاديـة»B كـتـحـريـك أكواب أو إسقاط منضدةB وهذا كله يستحيل لو لم تكن الروح بدورها شيئا
«ماديا»B مع أن هذا يتناقض أساسا مع تعريف الروح. وا9هم في األمر أن هؤالء الذين يتمسحون بالعلم لتأكيد هذه اخلرافات يلجؤون إلى أساليب ال تتوافر فيها شروط التجربة العلمية عـلـى اإلطـالق فا9الحظات التي يعتمدون عليها قليلة غير قابلة للتكـرارB مـع أن مـن أهـم شروط التجربة في العلم أن يكون من ا9مـكـن تـكـرارهـا أمـام أي عـدد مـن cوسواء أكان هؤالء ا9شاهدين من ا9قتنع Bوفي مختلف الظروف Bا9شاهدين أم من غير ا9قتنعc. ومن ا9عروف أن شهود هذا النوع من التجارب هم في األغلب من النوع الذي يتوافر لديه مقدما استعداد لتصديق نتائجها. هذا فضال عن أن التجارب تتم دائما في جو ال يسمح بالرؤية الواضحةB إذ أن الضوء دائما خافتB ولونه أحمر (وهو أكثر األلوان تعتيما للبصر)B واجلـو
العام يجعل اإليحاء بأي شيء كنا. أما إذا ووجه أنصار هذه اخلرافات ذات ا9ظهر «العلمي» بحجج قـويـة Bتثبت ابتعاد األساليب التي يلجؤون إليها عن أصول ا9نهج العلمي الصحيح Bوهو أن منهج العلم احلالي محدود Bفإنهم يلجؤون إلى سهم آخر في جعبتهم وان العلم أصبح اآلن يتقبل أشياء كثيرة كان يرفضها من قبلB وأنه-بالتالي- qكن أن يعترف بهذه الظواهر اخلارقة للطبيعة في ا9ستقبل. ومـثـل هـذه Bلكل اخلزعبالت اخملرفة Bكما هو واضح Bالطريقة في التفكير تفتح الباب إذ يستطيع أي دجال أن يؤكد أن العلم إذا لم يكن يقبلها اآلن فسوف يقبلها في ا9ستقبل. وواقع األمر أننا ال nلك إال هذا ا9نهج الذي أثبت أنه أفضل Bوأنه مهما كان قاصرا عن بلوغ كثير من احلقائق Bما لدينا من أدوات ا9عرفة فانه هو أضمن الوسائل لبلوغ «احلقيقة» ذاتها. والى أن يتوصل العلم ذاته إلى مناهج وأساليب أخرى أدقB فليس من حق أحد أن يتـذرع بـالـتـغـيـرات التي qكن أن تطرأ عليه في ا9ستقبلB لكي يفرض علينا خرافاتهB ويربطها
زورا بعجلة التقدم العلمي.
62
التفكير العلمي
فإذا أخفقت محاوالت ربط اخلرافة بالعلمB فان أنصارها يلجؤون إلى آخر أسلحتهم وأخطرها على التفكير الشعبـيB وهـو الـربـط بـc اخلـرافـة والدين. وهكذا تراهم يستغلون وجود بعض احلقائق الدينية الغيبيةB كالروح Bووجود بعض النصوص الدينية التي تتحـدث عـن الـسـحـر واحلـسـد Bمثال الخB لكي يدافعوا بحرارة عن حقيقة الظواهر اخلرافيةB مؤكدين أن الدين نفسه يدعمها. ولقد قلت أن هذا السالح أخطر األسلحة جميعاB ألنه أوال يستغل عمق اإلqان الديني من أجل تأكـيـد الـفـكـر اخلـرافـيB وألنـه يـضـع cويضع عقول الناس في مواجهة االثنـ Bالدين-بال مبرر-في مواجهة العلم معاB فتقف حائرة بc عقيدة متأصلة فيهاB وبc منهج علمي تثبت صحته
على أرض الواقع العلمي في حظة. وفي اعتقادي أنه ليس هناك ما هو أضر بقضية الدين من هذا الربط بينه وبc اخلرافة. ولقد حاولت الكنيسة ا9سيحية في الغربB منذ عصر النهضةB أن تسلك هذا الطريق احملفوف باخلطرB فكانت النتيجـة هـي مـا نراه اليوم من انصراف اجلماهير في الغرب عن عقيدتها بأعـداد كـبـيـرة. Bتواجه جتربة جديدة كـل اجلـدة cوالواقع أن الكنيسة كانت في ذلك احل فلم يكن من ا9ستغرب أن ترتكب خطأ مهاجمة العلم بحجة أنه يتعارض مع نصوص دينية (كما في حالـة قـضـيـة دوران األرض و «ارتـفـاع» الـسـمـاوات مثال)B ولم يكن من ا9ستغرب أيضا أن تضطهد كثيرا من العلماء اضطهاد معنويا وجسديا. ولكن احلصيلة النهائية لهذا كله كانت انتصـار احلـقـيـقـة العلميةB واضطرار الكنيسة إلى التراجع عن مواقعها واحدا تلو اآلخرB حتى أصبحت تدافع اليوم عن كثير من األمور التي كان القول بها فـيـمـا مـضـى كافيا الضطهاد صاحبها على يد الكنيسة ذاتها. ومع كل هذا التراجع فقد خسرت مواقع كثيرةB وأخذ تأثيرها على األجيال اجلديدة يتضاءل باستمرار. أما نحن هنا في العالم العربي فلسنا مضطرين علـى اإلطـالق إلـى أن نسلك هذا السبيل احملفوف باخلطرB وذلك ألسباب كثيرة. فنحن أوال لسنا أول من qر بهذه التجربةB بل إن أمامنا جتربة الغربB في موضوع العالقة بc الدين واخلرافةB أو العالقة بc الدين والعداء للعلمB لكـي نـسـتـخـلـص Bمنها ما شئنا من العبر. ونحن ثانيا أصحاب دين فسره مفكروه وفالسفته في صدر اإلسالمB تفسيرا ال يتعارض مطلقا مع البحث العلميB بل يـدفـع
63
عقبات في طريق التفكير العلمي
الفكر والعلم إلى االنطالق. ونحن ثالثا نعيش في عصر أصبح فيه األخـذ باألسلوب العلمي في احلياة مسألة حياة أو موت بـالـنـسـبـة إلـى اجملـتـمـع. فلماذا إذن يحاول الكثيرون أن يعيدوا التجربة ا9ريرة للكنيسة الغربية مـع اخلرافة وضد العلم? و9اذا ال تتكاتف اجلهود من أجل دعم وتأكيد التفسير الديني الذي يحارب اخلرافة ويؤيد العلم? هذه مجرد أسئلة أطرحها وأنا ال أملك إال الدهشة واالستنكار للتراجع ا9ستمر إلى اخللفB الذي تتـسـم بـه مناقشاتنا لهذا ا9وضوع في أيامنا هذه. فمن ا9ؤسف أننا كنا نناقش هذه ا9وضوعات في أواخر القرن التاسـع عـشـر وأوائـل الـقـرن الـعـشـريـن عـلـى مستوى أعلى بكثير من مناقـشـتـنـا لـهـا فـي هـذه األيـامB بـعـد أن أصـبـحـت صدورنا أضيقB واتهاماتنا للمفكرين تلقى جزافاB واحترامنا آلراء بعـضـنـا بعض مفقودا. ويبدو أن البعض يصرون على أن يعيدوا محنة الفكر العلمي في عصر النهضة األوروبية مرة أخرى في بالدنا. ولكن األمل معقود على أن تسود احلكمة ويغلب التعقلB فندرك أن طريق العلـم ال رجـوع فـيـه إلـى Bوأن الدفاع عن اخلرافة 3سحا بالدين لن يضر قضية العلم كثيرا Bالوراء
ولكنه يسيء إلى قضية الدين إساءة بالغة.
ثانيا- اخلضوع للسلطة: السلطة هي ا9صدر الذي ال يناقشB والذي نخضع له بناء على إqاننا
بأن رأيه هو الكلمة النهائيةB وبأن معرفته تسمو على معرفتنا. واخلضوع للسلطة أسلوب مريح في حل ا9شكالتB ولكنه أسـلـوب يـنـم عن العجز واالفتقار إلى الروح اخلالقة. ومن هنا فان العصور التي كانـت السلطة فيها هي ا9رجع األخير في شئون العلم والفكر كانت عصورا متخلفة خلت من كل إبداع. ومن هنا أيضا فان عصور النهضة والتقدم كانت جتـد لزاما عليها أن حتارب السلطة العقلية السائدة بقوةB هدة األرض بذلك
لالبتكار والتجديد. وأشهر أمثلة السلطة الفكرية والعلمية في التاريخ الثقافي هي شخصية أرسطو. فقد ظل هذا الفيلسوف اليوناني الكبير qثـل ا9ـصـدر األسـاسـي للمعرفةB في شتى نواحيهاB طوال العصور الـوسـطـى األوروبـيـةB أي طـوال أكثر من ألف وخمسمائة عام. كذلـك كـانـت كـثـيـر مـن قـضـايـاه تـؤخـذ بـال
64
التفكير العلمي
مناقشة في العالم اإلسالميB حيث كان يعد «ا9علم األول»B وإن كان بعـض العلماء اإلسالميc قد حترروا من سلطته في نواح معيـنـةB وال سـيـمـا فـي
ميدان العلم التجريبي. Bواألمر الذي يلفت النظر في ظاهرة اخلضوع لسلطة مفكر مثل أرسطو أن هذا اخلضوع كان يتخذ شكل التمجيدB بل التقديـسB لـشـخـصـيـة هـذا الفيلسوفB ومع ذلك فقد جنى هذا التقديس على أرسطو جناية ال تغتفر: إذ أنه جمده وجعله صنما معبوداB وهو أمر لو كان الفـيـلـسـوف نـفـسـه قـد شاهده الستنكره أشد االستنكار: إذ أن الفيلسوف احلق-وأرسطو كان بالقطع
تخذ تفكيرهB مهما بلغ عقمـهB وسـيـلـة لـتـعـطـيـلُفيلسوفا حقا-ال يـقـبـل أن ي تفكير اآلخرين وشل قدراتهم اإلبداعيةB بل أن أقصى تكـر“ لـلـفـيـلـسـوف إnا يكون في عدم تقديسهB وفي جتاوزهB ألن هذا التجـاوز يـدل عـلـى انـه أدى رسالته في إثارة عقولنا إلى التفكير ا9ستقل على الوجه األكمل. ومن ناحية أخرى فان العصور الـوسـطـى لـم تـأخـذ مـن أرسـطـو «روح» مـنـهـجـه Bالذي حاول الفيلسوف أن يطوره في ا9رحلة األخيرة من حياته Bالتجريبي Bواعـتـبـرتـهـا الـكـلـمـة األخـيـرة فـي مـيـدانـهـا Bبل أخذت منه «نتائج» أبحاثه
فضاعفت بذلك من جنايتها على تفكيره. وكان من الطبيعي أن يكون رد الفعلB في بداية العصر احلديثB قاسيا. وهكذا وجدنا فرانسيس بيكن ورينيه ديكارت يبدآن فلسفتهما بنقد الطريقة األرسطية التي تقيدت بها العصور الوسطى تقيدا تاماB ويؤكدان أن التحرر من قبضة هذا الفيلسوف هو اخلطوة األولى في طريق بلوغ احلقيقة. وفي ميدان العلم خاض جاليليو معركة عنيفة ضد سـلـطـة أرسـطـو: إذ أن هـذه Bة إلى العالم بوصفه متمركزا حول األرضqالسلطة كانت تساند النظرة القد كما كانت تقول بنظرية في احلركة مبنية على أسس ميتافيزيقيةB وكان ال بد من هدمها لكي يرتكز علم ا9يكانيكا احلديث على أسس علمية سليمة. Bوهكذا أخذ جاليليو يتعقب آراء أرسطو فـي الـطـبـيـعـة واحـدا بـعـد اآلخـر ويثبت {نهجه العلمي الدقيق بطالنهاB وبذلك كان تفكيره العلمي في واقع األمرB من أقوى العوامل التي أدت إلى هدم سلطة أرسطو في مطلع العصر
احلديث. وفي استطاعتنا أن نستخلص من هـذا ا9ـثـلB أعـنـي تـقـديـس الـعـصـور
65
عقبات في طريق التفكير العلمي
الوسطى آلراء أرسطو وتفنيد الفالسفة والعلماء في بداية العصر احلديث Bأهم عناصر السلطة من حيث هي عقبة تقف في وجه التفكير العلمي Bلها
.(٣)وأهم الدعامات التي ترتكز عليها
- القدم:١ أول عناصر السلطـة هـو أن يـكـون الـرأي قـدqـا. فـاآلراء ا9ـوروثـة عـن األجداد يعـتـقـد أن لـهـا قـيـمـة خـاصـةB وأنـهـا تـفـوق اآلراء الـتـي يـقـول بـهـا ا9عاصرون. ويرتكز هذا العنصر على االعتقاد بأن احلكمة كلهاB وا9عرفـة كلهاB تكمن في القدماءB ومن هنا فهو مبني-بطريقة ضمنية-على نظرة إلى التاريخ تفترض أن هذا التاريخ يسير في طريق التدهورB وأن مراحله ا9اضية
أعلى مستوى من مراحله احلاضرة. ومن ا9ؤكد أن في هذه النظرة إلى التاريخ نوعا من التمجيد الرومانسي أو اخليالي للماضيB ولألجيال التي كانت تعيش فيه. وهي بال شـك تـقـوم Bالن القدماء كانوا بشرا مـثـلـنـا Bعلى فكرة ال تستند إلى أساس من الواقع معرضc للصواب واخلطأB وكل ما في األمر أن اإلنسـانB إذا كـان يـضـيـق بحاضرهB أو يجد نفسه عاجزا عن إثبات وجوده في احلاضرB يصبغ ا9اضي Bويتخذ منه مهربا وملجأ يلوذ به. بل أننا نستطيع أن نقول Bبصبغة ذهبية مع بيكنB أن األجيال القدqةB التي نتصور أنها 3ثل شيـخـوخـة الـبـشـريـة Bومن ثم فهي 3ثل طفولة البشرية Bهي في الواقع أجيال جديدة Bوحكمتها Bالتي نصفها بالـطـفـولـة ونـقـص احلـكـمـة والـتـجـربـة Bأما األجيال احلديثة وندعوها دائما إلى أن تأخذ احلكمة من أفواه القدماء اجملربBc فإنها 3ثل في الواقع أقدم أجيال البشـريـة. وتـفـسـيـر هـذه ا9ـفـارقـة أمـر هـc: إذ أن اجليل القد“ عاش في وقت لم تـكـن الـبـشـريـة قـد اكـتـسـبـت فـيـه جتـارب كافيةB ومن هنا فان خبرته وحكمته محدودةB على حc أن اجليل احلديث قد اكتسب خبرة من هم أقدم منهB وأضاف إليها خبرته اخلاصةB ومن ثم فهو األجدر بأن يعد-{قياس اخلبرة والتجربة-قدqـا. ولـيـس هـذا حـكـمـا ينبغي إطالقهB دون 3ييزB عـلـى كـل فـردB بـل هـو حـكـم يـقـال عـلـى سـبـيـل
التعميمB وال qنع بطبيعة احلال من وجود استثناءات. والذي يهمنا من هذا هو أن قـدم الـرأي ال يـنـبـغـي أن يـعـد دلـيـال عـلـى
66
التفكير العلمي
صوابهB وأن البشرية قد عاشت ألوف السنc علـى أخـطـاء لـم تـكـن جتـرؤ على مناقشتها ألنها ترجع إلى عهود األجداد األوائـلB ومـع ذلـك تـبـc لـهـا خطؤها عندما ظهر مفكر قادر على حتدي سلطة «الـقـد“». فـمـنـذ أقـدم العصور والناس تعتقد أن األرض ثابتة والكواكب والنجوم تدور حولهاB أي أن األرض مركز الكون. وكانت شهادة احلواسB التي ترى األجرام السماوية تغير مواقعها من األرض باستمرارB دليال حاسما على أن هذا الرأي «القد“»
ر عن حقيقة ثابتة. ومع ذلك فقد أتى كبرنيكوسB في القـرن اخلـامـسّيعب Bوليقول بالفرض العكسي Bليتحدى هذه السلطة الراسخة منذ القدم Bعشر ولم qض جيل أو اثنان إال وكان هذا الفرض مؤيدا بشواهد علمية قاطعة تثبت صحتهB وتثبت أيضا أن قدم الرأي ليس دليال على صوابه. وقل مثل هذا عن نظرية العناصر األربعة: ا9اء والهواء والنار والترابB التي قال بها القدماء وأيدتها العصور الوسطى األوروبية واإلسـالمـيـةB وظـلـت تـعـد مـن حقائق العلم الثابتة حتى أتى «الفوازييه» في القـرن الـثـامـن عـشـر فـاثـبـت Bأن «الهواء» ليس عنصرا Bبالدليل العلمي القاطع Bللجميع cوتب Bبطالنها بل مجموعة من العناصرB وكذلك احلال في ا9اءB الذي تبc انه مؤلف من
عنصرينB الخ... والواقع أن ا9يل إلى األخذ بسلطة الـقـدمـاء يـزداد فـي عـصـور الـركـود واالنصراف عن التجديدB وال qكن القول انه ميل طبيعي في العقل البشري. ومن هنا qكن القول أن هذا اخلضوع لسلطة القدماء ليسB في ذاتهB هو ا9ؤدى إلى تخلف الفكر العلميB بل أن هذا التخلف هو الذي يؤدي إليهB إذا شئنا الدقة في التعبير. والدليل على ذلك أن التقيد بسلطة القد“ كان هو القاعدة السائدة في العصور الوسطىB الن العصر ذاته كان عصر حتـجـر وجمودB ومن هنا كان من الضروري التعويض عن هزال احلاضـر بـسـلـطـة القد“. وعلى العكس من ذلك فان العصور احلديثة قد حاربت هذا النوع Bألنها كانت عصورا ديناميكية متحركة Bمن السلطة بكل ما أوتيت من قوة يسودها اإلحساس بالتفاؤل والثقة بقدرة اإلنسان عـلـى الـتـحـكـم فـي قـوى الطبيعة. بل إن اإلنسان ا9عاصرB في بالد العالم ا9تقدمةB يكاد ينتقل إلى الطرف ا9ضاد: فلدى األجيال اجلديدة إحساس واضح بأنها هي األحـكـم واألوسع معرفةB وبأن األجيال القدqة لم تكن تعرف من أمور احلياة شيئا.
67
عقبات في طريق التفكير العلمي
وهي تقابل آراء القدماء بالسخريةB ومن الصعب إقناعها إال بآراء مستمدة من منطق العصر. وهكذا أصبح القد“B في نظر هذه األجيالB مـرفـوضـا جملرد أنه قد“B وأصبح اجلديد يـسـتـمـد مـن جـدتـه وحـدهـا قـدرتـه عـلـى إقناعها. ومن ا9ؤكد أن السـعـي الـدائـم وراء «ا9ـوضـات»-بـا9ـعـنـى الـفـكـري واألخالقي أيضاB ال با9عنى ا9ظهري وحده-إnا هو تعبير ملموس عن هذا السعي إلى التجديد الدائمB وعن عدم الثقة في كل ما يكتسب صفة «القدم». كذلك فان ا9شكلة احلادة التي أصبحت تعرف في اجملتمعـات الـصـنـاعـيـة باسم مشكلة «الفجوة بc األجيال»B هي تعبير آخر عن عصر يشـعـر بـأنـه مختلف عن كل ا9صور السابقة إلى حد أن األبناء فيه يعدون آباءهم أشخاصا ينتمون إلى جيل قد“ يصعب التفاهم معهB ويستحيل السلوك فـي احلـيـاة
وفقا 9بادئه وقيمه. هذا ا9وقف يعدB بطبيعة احلالB موقفا متطرفـاB إذ أن مـن اخلـطـأ أن تعتد األجيال اجلديدة برأيها إلى احلد الذي ترفض فيه مجرد احلوار مع األجيال القدqةB مثلما أن من اخلـطـأ أن تـتـصـور األجـيـال الـقـدqـة أنـهـا Bتستطيع أن تفرض رأيها على اجليل األحدث الذي يعيش ظروفا مختلفـة وqر بتجارب ويكتسب خبرات لم تألفها األجيال السابقة. ولكن وجود هذا ا9وقف يدل على أن من ا9مكن تصور حالة مضادة يكون فيـهـا قـدم الـرأي سببا كافيا لرفضه. وهذا هو ا9وقف الذي يسود اجملتـمـعـات ذات اإليـقـاع uالتي يعد فيها البحث عن اجلديد مبدأ أسـاسـيـا مـن مـبـاد Bسريع التغير احلياة. وعلى أية حال فحسبنا أن نضع أمامنا هذين النمطc اللذين يقدس أحدهما القد“ جملرد كونه قد“B ويبحث اآلخر عن اجلديد دون أي اكتراث cهـذيـن الـطـرفـ cولنبحث ألنفسنا عن ا9وقع الذي نـخـتـاره بـ Bا سبقه}
.cالقصي
- االنتشار:٢ إذا كانت صفة القدم تعبر عن االمتداد الطولي في الزمانB فان صفـة االنتشار تعبر عن االمتداد العرضي بc الناسB فالرأي يكتسب سلطة أكبر إذا كان شائعا بc الناسB وكلما ازداد عدد الـقـائـلـc بـه كـان مـن الـصـعـب cمقاومته. واحلجة التي توجه دائما إلـى مـن يـعـتـرض عـلـى رأي شـائـع بـ
68
التفكير العلمي
الناس هي: هل ستكون أنت أحكم وأعلم من كل هؤالء? Bعندما يواجهون بهذه احلجة Bوا9فكرين كانوا cعلى أن العلماء ا9صلح يقولون دائما: نعم! ولوال أن بعض العظماء من أفراد البشر جتاسروا على أن يقولوا «نعم». هذهB في وجه معارضة ألوف مؤلفة من الناسB 9ا تقدمت البشرية في مسيرتهاB و9ا اهتدت إلى حقائق أصدق أو شـرائـع أفـضـل أو قيم أسمى ا كان يسودها من قبل. وصحيح أن هؤالء األفراد يكونون قلة في البدايةB ولكن احلقيقة التي يحملونها في صدورهمB واحلـمـاسـة الـتـي يدافعون بها عنهاB تظل تتسع وتتسع حتى تفرض نفسها في النهـايـة عـلـى Bثم يأتي الوقت الذي تتجمد فيه احلقيقة اجلديدة وتتحجر Bاجلموع الكثيرة أو يضيق بها تطور الزمنB فيصبح من ا9تعc ظهور مصلح جديدB وهكذا... Bواألمر الذي يحتم عدم التقيد بشيوع الرأي بوصفه مصدرا للسـلـطـة هو أن جموع الناس تبحث عادة عن األسهل وا9ريح. وهي تتجمع سويا حول الرأي الواحد مثلما تتالصق أسراب الطيور لتحمي نفسهـا مـن الـصـقـيـع. Bكان في قبوله نوع من احلماية لصاحبه Bوكلما كان الرأي منتشرا ومألوفا إذ يعلم أنه ليس «الوحيد» الذي يقول بهB بل يشعر بدفء اجلموع الكبـيـرة وهي تشاركه إياهB ويطمئن إلى انه يستظل حتت سقف «الكثرة الغالبة». أما إحساس ا9رء بأنه منفرد برأي جديدB وبأنه يقتحم أرضا لم تـطـأهـا قـدم أخرى من قبلB ويتعc عليه أن يخوض معركة مع الكثرة الغالبة لكي يحمي فكرته الوليدة-أما هذا اإلحساس فال يقدر علـيـه إال الـقـلـيـلـونB وعـلـى يـد
هؤالء حققت البشرية أعظم إجنازاتها. ولو تأملنا الواقع احمليط بنا لوجدنا ما يؤيد هذا الرأي في كل مـكـان. فالقصة البوليسية الرخيصة تنتشر بc أعداد تزيد أضعافا مضاعفة عن أولئك الذين يقرؤون األدب الرفيع. والصحف «الصـفـراء» (أعـنـي صـحـف Bاإلثارة والفضائح والصور العارية) توزع أضعاف ما توزعه الصحف اجلادة وا9غنى الذي يردد أسخف األحلان وأتفه الكلمات يكسب في األغنية الواحدة أضعاف ما كسبه «بيتهوفن» طوال حياتهB والفيلم السينمائي الهابطB الذي يعري أكبر مساحة تسمح بها الرقابة من جسد بطالتهB قـد يـدوم عـرضـه سنواتB بينما ال يستطيع الفيلم الذي ينطوي على فكرة عميـقـة أن يـكـمـل أسبوعه األول واألخير. وهكذا تتوالى الشواهد التي تدل على أن االنتشار
69
عقبات في طريق التفكير العلمي
بعيد كل البعد عن أن يكون مقياسا للجودةB ومن ثم معيارا صاحلا للسلطة. على أن األمر الذي ينبغي أن نتنبه إليه هو أن حتدي سلطة االنتشار ال يؤتى ثماره ا9رجوة إال إذا كان من يقوم به على مستوى ا9همة التي يأخذها على عاتقه. ذلك الن هناك أناسا qارسون عملية التحدي هذه من مـوقـع السطحيةB ومن منطلق التفاهةB وال يقودهم في سلوكهم إال مبـدأ «خـالـف تعرف». فهم يتصورون أن وقـوفـهـم فـي وجـه الـرأي أو الـذوق أو االعـتـقـاد الشائع كفيل بأن يجلب لهم الشهرةB دون أن يكون في وسعـهـم أن يـقـدمـوا بديال عما يعترضون عليه. وهؤالء ابعد الناس عما نعني. فتحدي السلطة Bلكون الدليل على بطالنهاq الشائعة ينبغي أال يتم إال على أيدي أولئك الذين وqلكون البديل عنها. بل إننا نستطيع أن نصف أولئك السطحيـc الـذيـن يلجؤون إلى رفض ما هو شائع التماسا للشهرةB بأنهم خـاضـعـون لـسـلـطـة أخرىB هي سلطة الرفض أو التجديدB على الرغم ـا فـي هـذا الـتـعـبـيـر
األخير من مفارقة. ولنضرب لذلك مثال واحدا أظن أنه أصبح في عـصـرنـا هـذا مـألـوفـا: Bبعض الشبان في الغرب cب Bظهرت فكرة التمرد على ا9البس وشكل الشعر Bداخليا Bبوصفها احتجاجا على سلطة اجملتمع «ا9ظهري» «ا9تأنق» الذي يخلو من العمقB ومن اإلحساس بنبض احلياةB ومن التعاطف اإلنسانيB وال يكترث إال بتلبية مطالبة االستهالكية. والى هذا احلد نستطيع أن نفـهـم الـدوافـع Bويرسلوا شعورهم Bالتي أدت بهؤالء الشبان إلى أن يرتدوا ثيابا مهلهلة رثة Bوغير ذلك ا9ظاهر التي نعرفها جيدا. ولكن العدوى تنتقل إلى شبان آخرين ينتمون إلى مجـتـمـعـات أخـرىB وال يـعـرفـون شـيـئـا عـن اخلـلـفـيـة الـفـكـريـة واالجتماعية التي ظهرت في ظلها هذه ا9وجةB فـإذا بـا9ـظـهـر «الـشـبـابـي» اجلديد يصبح ضرورة أساسية لهمB وتضيع الفكرة 3اما حc تنتشر بينهم مالبس غالية الثمن إلى أبعد حدB ولكن مصمميها يتفننون لكـي يـعـطـوهـا «مظهر» القدم والهلهلة! وينفق الواحد منهم جزءا كبيرا من ميزانيته لـكـي «يصفف» شعره على النحو الذي «يبدو» معه مسترسالB خارجا عن ا9ظهر القد“. وهكذا فبينما كان اخلروج عن سلطة ا9ألـوفB فـي الـبـدايـةB أمـرا مفهوما ألنه على األقل ينطوي على فلسفة معينةB هي رفض القيم السائدة في اجملتمع االستهالكيB جنده يتحول على يد هؤالء ا9قلدين إلى شيء غير
70
التفكير العلمي
معقول على اإلطالق ألنه يتم في إطار القيم االستهالكية ذاتهاB بل يشجع على ا9غاالة في هذه القيم. وبينما كان الرفض في البداية تعبـيـرا صـادقـا عن موقف أصيلB أصبح الرفض بعد ذلك تعـبـيـرا عـن «مـحـاكـاة»B أي أنـه
ل الرفض األصلي إلى nط عام يقلده األلوف بال شخصيةBّناقض نفسهB وحو وبال تفكير مستقل.
وهكذا يتعc علينا أن نفرق بوضوح بc من يخالف الرأي الـشـائـع الن لديه شيئا جديداB وبc من يخالفه لكي يشتهر بهذا ا9ظهر فقطB دون أن
يكون في واقع األمر قادرا على اإلتيان بأي جديد.
- الشهرة:٣ يكتسب الرأي سـلـطـة كـبـرى فـي أذهـان الـنـاس إذا صـدر عـن شـخـص اشتهر بينهم باخلبرة والدراية في ميدانه. والواقع أن الشهرة جتلب ا9زيد من الشهرةB 3اما كما أن ا9ال يجلب ا9زيد من ا9ـال. فـيـكـفـي أن يـشـتـهـر إنسانB لسبب قد ال يكون له عالقة مباشرة بكفاءتـهB حـتـى يـحـدث تـأثـيـر «تراكمي» لنفوذه وسلطته على الناسB بحيث تتتبع اجلماهير أخبارهB وتتلقف كلماتهB وتزيد عليها تفسيرات وتأويالت تعطيها قيمة ال تكون جديـرة بـهـا
أصال. ووجه اخلطورة في هذا العنصر من عناصر السلطة يتمثل في النقاط
التالية: أ- إذا كان الشخص ا9شهور ينتمي إلى عصر غير عصرناB فمن الواجب أن ندرك أن شهرتهB التي ر{ا كان لها ما يبررها في وقتهـاB ال يـنـبـغـي أن تنطبق على كل زمان. ولقـد كـان هـذا هـو اخلـطـأ الـذي ارتـكـبـتـه الـعـصـور الوسطى في نظرتها إلى أرسطوB إذ أن شهرته في عصره ظلت تدة إلى عصور تاليةB مع أن العالم أو الفيلسوفB مهما كان عمالقا في عصـرهB ال يستطيع أن يفي {طالب كل عصر الحق. ومن حسن احلظ أن هذا اخلطر قد تضاءل في العصر احلديثB بعد أن اكتسـب اإلنـسـان حـاسـة تـاريـخـيـة مرهفةB وأصبح يربط بc ا9شاهير وبc ا9رحلة الـتـاريـخـيـة الـتـي عـاشـوا فيهاB فيعترف لهم بفضلهم في دفع اإلنسانية إلـى األمـامB ولـكـنـه ال qـتـد بشهرتهم-وسلطتهم-إلى ابعد ا يسمح به دورهم التاريخـي. وهـكـذا فـان
71
عقبات في طريق التفكير العلمي
من غير ا9تصور أن يظهر في عصرنا احلديـث «أرسـطـو» جـديـدB بـعـد أن أصبح «النقد» جزء ال يتجزأ من تقديرنا للمشاهير.
ب- أما إذا كان الشخص ا9شهور معاصرا لناB فان هناك خطرا من نوع جديدB يتمثل في أجهزة اإلعالم احلديـثـةB الـتـي 3ـلـك الـوسـائـل الـكـفـيـلـة «بتضخيم» الشهرة وإعطائها أبعادا تفوق ما تستحقه بكثير. ففي استطاعة أجهزة اإلعالم أن جتعل شخصا معينا يدخل كل بيتB من خالل صفحـات اجلريدة أو البرنامج اإلذاعي أو التليفزيونB وفي استطاعتها أن تكرر هذه التجربة وتلح عليها إلى احلد الذي تفرض معه شهرة هذا الشخـص عـلـى اجلميع. وهكذا يظهر نظام أشبه بنظام «جنوم السينما» في العلم ذاته: إذ تتكرر أسماء معينةB فال تكاد تعترضنا مشكلة في ميدان معc حتى يقفـز Bإلى أذهاننا على الفور اسم ذلك «النجم» الذي اشتهر بفضل وسائل اإلعالم وقد ال يكون أكثر الناس خبرة بهذا ا9يدانB وقد ال تكون شهرته إال مصطنعة. واألخطر من ذلك أن أجهزة اإلعالم هذه قادرة على «نقل السلطة» من ميدان إلى آخر. وهذا هو ا9بدأ الذي تقوم عليـه كـثـيـر مـن اإلعـالنـات: إذ تظهر ا9مثلة السينمائية اجلميلة مثال في إعالن عن معجون أسنانB مع أن شهرتها في ميدانها األصلي ال تبرر على اإلطالق أن تكون خبيرة في ميدان طب األسنان. أو يظهر العب الكرة ا9شهور إلى جانب نـوع مـن الـسـيـارات B«ر{ا لم يكن يعرف عنه شيئا طوال حياته. ومع ذلك فان الشهرة «معدية ّلومن ا9ؤكد أن أمثال هذه اإلعالنات ا9ـزيـفـة حتـقـق عـائـداB وإال 9ـا حتـم
ا9نتجون تلك النفقات الباهظة التي يتكلفها ظهور هؤالء «ا9شهـوريـن» فـي اإلعالن.
- الرغبة أو التمني:٤ qيل الناس إلى تصديق ما يرغبون فيهB أو ما يتمنون أن يحدثB وعلى العكس من ذلك فانهم يحاربون بشدة ما يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم. وهكذا كانت النظرية الفلكية اجلديدةB التي جتعل من األرض مجرد كوكب في اجملموعة الشمسية يدور حول مركز هذه اجملموعةB وهو الشمس-كانت هذه النظرية تلقى مقاومة شديدة في أيام عصـر الـنـهـضـة األوربـيـة ألنـهـا تقضي على ا9كانة ا9ميزة لإلنسانB باعتبار أهم الكائنات التي تعيـش فـي
72
التفكير العلمي
أهم كوكب في الكونB بل في ا9ركز الذي تدور حوله كل األجرام السماوية. وكان من أهم أسباب سلطة النظرية القدqةB التي ظلت كثير من احلقول ترفض التخلي عنها زمنا طويالB أنها ترضـى غـرور اإلنـسـانB وتـسـتـجـيـب Bفي أيام جاليليو Bألمنية عزيزة من أمانيه. ومن ا9عروف أن رجال الكنيسة كانوا يرفضون النظر في منظاره ا9قرب اجلـديـد لـكـي يـروا الـسـمـاء-ألول مرة-بعc أقوى من العc البشرية العادية عشرات ا9راتB إذ كانوا يخشون أن تؤدى هذه النظرة إلى هدم عالم عزيز مألوف ارتاحـوا إلـيـه واكـتـسـبـوا مكانتهم فيهB وكانوا يجزعون من تلك ا9سئولية الفادحة التي سيتحملونها في ذلك العالم اجلديد ا9وحش الذي تقول به نظرية كبرنيكوس-ذلك العالم الذي ال «يرث» فيه اإلنسان مكانتهB جملرد كونه إنساناB أي أهم اخمللوقات ومحورها وغايتهاB بل يتعc عليه أن «يكتـسـبـهـا» بـعـمـلـه وجـهـدهB وإال ظـل
مهمال في عالم غير مكترث.
ثالثا-إنكار قدرة العقل: Bفي مجال الفن والشعر واألدب يهيب اإلنسان بقوى أخرى غير العقـل قد يسميها اخليال أو احلدسB ويؤمن-عن حق-بـأن هـذه الـقـوى هـي الـتـي توجهه في هذا اجملالB ألن ا9نطق العقلي الدقيق يعجـز عـن األخـذ بـيـدنـا حينما نكون بصدد إبداع عمل فني أو أدبي. ولكن ا9ـشـكـلـة هـي أن بـعـض ا9فكرين يعتقدون أن أمثال هذه القوى تصلح مرشدا لنا في ميدان ا9عرفة ذاتهB وينكرون قدرة العقل في هذا ا9يدانB أو يجعلون له مكانة ثانوية. ومثل
هذا التفكير كانB وال يزالB عقبة في طريق تقدم العلم. ولقد كانت أشهر هذه القوى التي حورب بها العقلB في عصور مختلفة وعـلـى أنـحـاء مـتـبـايـنـةB هـي قـوة احلـدس. وكـلـمـة احلـدس قـد تـفـهـمB فـي استخدامها العربي العاديB {عنى مشابه 9عنى التخمc أو التكهنB ولكنها qكن أن تتضح في أذهاننا إذا ما حددنا اجملاالت اخملتلفة التي يستـخـدم فيها هذا اللفظ استخداما فنيا دقيقا. وسوف نالحظ أن معاني اللفظB في كل هذه اجملاالتB تشترك جميعها في سمة أساسيةB يكون فـيـهـا احلـدس
معرفة «مباشرة»B تتم بال وسائط وال خطوات متدرجة: - فهناك حدس حسيB نقصد به إدراكنا العادي بحواسنا. فحc أدرك١
73
عقبات في طريق التفكير العلمي
اآلن أن احلائط الذي أراه أمامي ابيض اللونB يكـون ذلـك حـدسـاB حـسـب . فأنا لم «أستنتج»ًا9صطلح الفنيB ألنني أدرك هذا احلائط إدراكا مباشرا
أنه أبيضB ولم يقل لي أحد أنه كذلكB وإnا أراه بحواسي مباشرة. - وهناك حدس في اجملال العقليB نقصد به وصول العقل مباشرة إلى٢
النتيجة ا9طلوبة. وكل من درس مقررا بسيطا في الهندسة يعلم أن هـنـاك طريقتc حلل 3رين هندسي: األولى هـي أن يـفـكـر ا9ـرء فـي «مـعـطـيـات» التمرين ويحللها واحدا واحدB ويسير بخطوات متدرجة حتى يهتدي أخيرا إلى احلل. والثانية هي أن تأتي فكرة احلل أو تهـبـط عـلـى الـعـقـل مـن أول حملةB بال حتليل وبغير تدرجB وال تستخدم اخلطوات ا9تدرجة إال في طريقة «تدوينه» لهذا احلل ا9باشر فحسب. فهنا يكون احلدس نوعا من ا9ـعـرفـة التي ال نحتاج فيها إلى استدالل أو استنباطB بل تأتي مرة واحدة وبصورة
مكتملة تغنينا عن أية خطوات وسطى. - وهناك حدس في اجملال العاطفيB وذلك حc يشعر ا9رء بالتعاطف٣
أو التنافر مع أشخاص معينc من النظرة األولىB دون أن يكون قد عرفهم أو سمع عنهم شيئا. ومثل هذا احلدسB الذي يشبه ما يسمونه «باحلاسـة السادسة» عند ا9رأةB قد يكون صوابا أو خطأB وقد تؤيده اخلبرة والتجربة Bشعور أو عاطفة مباشرة Bبدوره Bولكن الذي يهمنا أنه Bفيما بعد أو تكذبه
يصدر احلكم فيها على الفورB ودون خطوات متدرجة. - وهناك حدس في اجملال الصـوفـيB وذلـك حـc يـؤكـد ا9ـتـصـوف أن٤
لديه معرفة باللـه تختلف عن تلك ا9عرفة االستداللية ا9تدرجة التي نصل Bالعقلية. فهو يشعر «بحضور» اللـه مباشرة فيه «cإليها عن طريق «البراه وهو يصل إلى الفناء في الذات اإللهية فـي تـلـك الـلـحـظـات الـقـلـيـلـة الـتـي
بالتجربة ذاتها.ّيستحيل وصفها بلغة الكالمB والتي ال يحس بها إال من مر وهنا أيضا جند نوعا مـن ا9ـعـرفـة ا9ـبـاشـرة الـتـي ال تـسـتـخـدم بـراهـc أو استدالالتB والتي توصلنا إلى الهدف مباشرة بطريق مخالف للطريق العقلي
ا9تدرج. ٥Bفهناك ذلك احلدس الفني الذي حتدثنا عـنـه فـي الـبـدايـة Bوأخيرا -
والذي يطلق عليه عادة اسم «اإللهام»B وأهم ما qيزه هو الظهور ا9فـاجـئ وا9باشر لفكرة العمل الفني أو 9وضوعه في ذهن الفنان.
74
التفكير العلمي
Bهذه ا9عاني كلها تشترك ني ثالثة عناصر رئيسية يتميز بـهـا احلـدس من حيث هو طريقة في معرفة األشياءB عن غيره من طرق ا9عرفة.
أ- فهو معرفة «مباشرة»B ال حتتاج إلى وسائط وال تسير بالـتـدريـج مـن خطوة إلى أخرى.
ب- وهو ينقلنا مباشرة إلى «لب» ا9وضوع الذي نريد أن نعـرفـه أو إلـى جوهره الباطنB بدال من أن يكتفي بتقـد“ أوصـاف خـارجـيـة أو سـطـحـيـة
لهذا ا9وضوعB أو يقتصر على محرفته من خالل مقارنته بغيره. جـ- وهو في جوهره معرفة «فردية»B أي أنه يتاح لشخص بعينهB ال ألي شخص آخر. وهو يتطلب «جتربة» من نوع خاصB يصعب نقلها عن طريق الوصف إلى اآلخرين (حتى في حالة اإلدراك احلسي يستحيل نقل ما تراه Bويصعب تلقينها أو تعليمها لهـم B(إلى غير ا9بصر نقال أمينا وكافيا cالع
ويستحيل أن «نعممها» على اجلميع. على هذا األساس كان هناك دائما من يتصور أن طريقة ا9عرفة ا9ثلى لدى اإلنسان ليست هي طريقة استخدام البراهc أو األدلة العقليةB بل هي احلدس ا9باشر الذي يوصلنا إلى اللب الباطن للموضوع الذي نريد معرفته. Bيعيبه أنه يسير دائما بخطوات متدرجة Bفي نظر هؤالء Bذلك ألن العقل وال يستطيع أن يتقدم خطوة إال بعد التأكد-بالـبـرهـان-مـن صـحـة اخلـطـوة السابقة. وهو فضال عن ذلك «عام»B أي أنه ال يعطينا معرفة إال بالصفات ا9شتركة بc األشياءB وهي تلك الصفات التي يستطيع «اجلميع» أن يدركوها. وهو يلجأ دائما إلى ا9قارنة وكشف العالقات بc الظواهر. ومعنى ذلك-في رأي أصحاب هذا االجتاه-أنه ال يكشف لنا إال عن عالقات سـطـحـيـةB وال
ينفذ بنا إلى اجلوهر الباطن لألشياء. Bيصبح احلدس-عند أصحاب هذا االجتاه-قوة ال مضادة للـعـقـل cوح فهنا ينبغي علينا أن ننبه إلى اخلطأ الذي يقعون فيه. ولكن من حسن احلظ أنهم ليسوا جميعا من خصوم العقل. فهناك مفكرون يدافعون عن احلدس من حيث هو قوة «مكملة» للعقلB ال تتعارض معه بل تتوج جهوده وتوصلهـا إلى نتائجها القصوى. وهذه نظرة إلى احلدس ال تشكل أية عقبة في طريق
التفكير العلميB ومن ثم فلن نركز عليها حديثنا اآلن. أما العقبة احلقيقية فتتمثل في أولـئـك الـذيـن يـنـكـرون دور الـعـقـلB أو
75
عقبات في طريق التفكير العلمي
يقللون من أهميته ويضيقون اجملال الذي ينطبق عليهB وذلك حلساب تلك القوة األخرى التي قد يسمونها باحلدس أو «الغريزة» أو «سورة احلياة» أو غير ذلك من األسماء. ولقد وجدت أمثلة لهؤالء ا9فكرين في مختلف عصور Bتبعا للعصر الذي يعيشـون فـيـه Bفي جزئياته Bوكان رأيهم يختلف Bالتاريخ وتبعا للدور الذي يؤديه العقل-خصمهم األول-في ذلك العصر. وما زلنا جند
لهم إال أنّلهم أمثلة في حياتنا ا9عاصرةB في كتابات أولـئـك الـذيـن ال هـم يحطوا من شأن العقل ويقللوا من قيمة نتائجهB وال هدف لهم إال أن يثبتوا قصور ا9عرفة البشرية وعجز العلم ذاته عن الوصول إلى حقيقة األشياء. ويتبع خصوم العقل هؤالء أسلوبا متشـابـهـا: فـهـم يـبـدؤون مـن مـقـدمـة صحيحةB ثم يستنتجون منها نتيجة باطلة. أما ا9قدمة الصحيحة فهي أن العقل مازال عاجزا عن كشف كثير من أسرار الكونB وأن هناك مشكـالت كثيرة يعجز العقل عن حلهـاB ويـتـضـح لـنـا فـيـهـا أن قـدرتـه مـحـدودة. وأمـا Bفهي أن العقل «بطبيعته» عاجز Bالتي يستنتجونها ا سبق Bالنتيجة الباطلة وأنه سيظل إلى األبد قوة محدودة قاصرةB ومن ثم فال بد من االعتماد على
قوة أخرى غيره. Bعلى الكثيرين Bلألسف Bهذا األسلوب اخلادع في مهاجمة العقل ينطلي ألنهم حc يجدون ا9قدمة صحيحة-والشواهد تؤيدها بالفعل-يتصورون أن النتيجة مترتبة عليها حقاB وال بد أن تكون بدورها صحيحةB ومن ثم فانهم يفقدون ثقتهم بالعقل من حيث هو أداة الكتساب ا9عرفة وبلـوغ احلـقـيـقـة. ولكن الواقع أن االستنتاج باطل من أساسهB وأن ما نلمسه حولنا من عجز العقل عن حل مشكالت كثيرة ال يثبت على اإلطـالق أن الـعـقـل «فـي ذاتـه»
قاصر. ذلك ألن أصحاب هذه احلجة الباطلة ينكرون 3اما دور التاريخB سواء في ا9اضي أم في ا9ستقبل. فلو قادرنا حالة ا9عرفة البشرية منذ خمسمائة عام مثالB {ا هي عليه اآلنB ال تضح لنا أن العقل قد حقق إجنازات رائعة Bبحالتها الراهنة Bط احلياة البشرية منذ مائة عام فقطn بحق. ولو قارنا لتبc لنا أن العقل قد غير وجه حياتنا تغييرا تاما في هذه الفترة التي تعد- با9قاييس التاريخية-فترة قصيرة. ومن ا9ؤكد أن مراجعة سجل اإلجنازات العقلية في ا9اضي تثبت لنا أن العقل حقق أشياء ضخمة بحقB وأنه ليس
76
التفكير العلمي
على اإلطالق تلك القوة احملدودة القاصرة التي يصوره بها الكثـيـرون. أمـا بالنسبة إلى ا9ستقبلB فان األمل في اتساع قدرة العقل هو أمل ال حدود له. فلو تخيلنا ما سيكون عليه العالـم بـعـد خـمـسـمـائـة سـنـة أخـرىB مـع عـمـل حساب التزايد ا9طرد في معدل nو اإلجنازات العقلية العلميةB فان الصورة
نها عندئذ أبعد ما تكون عن صـورة ذلـك الـعـقـل الـعـاجـز الـذيّالتي سنـكـو يتحدثون عنه. صحيح أن العقل ما زال يجهل الكثـيـرB ومـا زال يـعـجـز عـن الكثيرB ولكنه أفضل أداة nلكها لكي نعرف عا9نا ونسيطر على مشاكلـنـا. وبفضل هذه األداة حققنا حتى اآلن أشياء رائعةB وتغلبنا على مشكالت كنا نتصور في ا9اضي أنها ال حتل إال بالـسـحـر أو اخلـيـال (بـسـاط الـريـحB أو الصندوق ا9تكلم من أقصى أطراف األرضB على سبيل ا9ثال). وهو يواصل سيرهB فيخطئ حينا ويصيب حيناB ولكن احلصيلة العـامـة 9ـسـيـرتـه 3ـثـل انتصارا رائعا لإلنسان. وحسبنا أن نقارن بc القرون األربعة التي استخدم فيها اإلنسان عقله أداة لبلوغ ا9عرفة (من القرن السابع عشر حتى الـقـرن العشرين) وبc القرون السبعة عشرة التي سبقـت ذلـكB والـتـي كـانـت أداة ا9عرفة ا9ستخدمة فيها واحدة من تلك التي يـدعـو إلـيـهـا خـصـوم الـعـقـل- حسبنا أن جنرى هذه ا9قارنة لكي ندرك أن قضية إنكار قدرة العقلB جملرد كونه لم يتوصل حتى اآلن التي كل شيءB هي في صميمها قضية خاسرة. على أن خصوم العقل ال يتخذون جميعا هذا ا9وقف الفجB بل أن منهم من يحاولون أن يصبغوا ا9لكة التي يدافعون عنها ضد العقل-أعني احلدس- بصبغة أكثر تعمقاB ويضفون على مهاجمتهم للعقل طابعا أكـثـر مـنـطـقـيـة. وبغض النظر عن التناقض الواضح في مهاجمة العقل بطريقة تعتمد على «منطق سليم»-أي على منهج «عقـلـي»-فـان رأي هـؤالء بـدورهB وإن كـان فـي
مظهره أدعى التي االحترام من الرأي السابقB ال يقل عن غيره تهافتا. وا9ثل الواضح على هذا هو موقف الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون» الذي مات في األربعينيات من هذا القرنB والذي شهد انتصارات حاسمة للعقل منذ بداية القرن العشرين. فقد دافع برجسون بحماسة فـائـقـة عـن «احلدس»B الذي هو في نظره ا9لكة القادرة علـى الـنـفـاذ بـنـا الـتـي الـعـمـق الباطن لألشياءB فنعرف بذلك «ما هو فريد منهاB ومن ثم ما يند فيها عن Bكل تعبير». أما العقل فال يكشف لنا أتقصى عن السطح الظاهر لألشياء
77
عقبات في طريق التفكير العلمي
Bوالدليل على ذلك أنه يستخدم في التعبير عن قوانـيـنـه لـغـة الـريـاضـيـات والرياضيات ال تتضمن أتقصى جتريدات شديدة العمـومـيـة. فـالـعـقـل إذن يقدم إلينا معرفة بأعم صفات األشياءB وهو يجرد موضوعاته من مضمونها احلي ا9لموسB لكي يحولها التي صيغ وأرقام ومعادالت عجفاء باردة. والفرق بc معرفة احلدس ومعرفة العقل أشبه بالفرق بc اإلنسان النابض باحلياة وهيكله العظمى. ولكي نكون منصفc فان برجسون ال ينكر العلم ا9عـتـمـد على العقلB بل يراه غـيـر كـافB ويـضـع الـتـي جـواره ذلـك الـنـوع اآلخـر مـن
ا9عرفةB الذي اعتقد انه أعمق من ا9عرفة العقلية بكثير. Bعلى نحو مؤسف Bوا9شكلة في هذا النوع من ا9فكرين هي أنهم يخلطون Bالفنية والشعريـة مـن جـانـب Bوالتجارب Bمقتضيات احلياة الشخصية cب Bومقتضيات ا9عرفة العلمية من جانب آخر. فكل ما يقوله برجسون صحيح Bأكون بصدد جتربة شخصية cال يتعداه. ذلك ألنني ح cولكن في مجال مع Bيكون احلدس عنصرا أساسيا في معرفتي باآلخر Bكتجربة صداقة أو حب Bبل أريد أن أحس به كانسان Bألني ال أريد أن أعرف عنه «معلومات» فحسب وأن أنفذ إلى ما هو عميـق وفـريـد فـيـه. وأمـثـال هـذه الـتـجـارب هـي الـتـي يتخذها الشعراء والفنانون موضوعات ألعمالهم الفنية. بل أن هؤالء األخيرين Bرون بتجارب كهذه حتى مع «األشياء». فالشجرة التي يصفـهـا الـشـاعـرq هي شجرة يقيم معها عالقة حميـمـة خـاصـةB ولـيـسـت عـلـى اإلطـالق هـي الشجرة التي qر عليها عابر السبيل أو يصف العالم خصائـصـهـا الـعـامـة ويحدد فصيلتها النباتيةB الخ... وا9صور ينفذ بعينيه إلى أعماق الطـبـيـعـة التي يصورها في لوحاتهB فيكتشف في اجلماد صفات فريدة تخفى عـلـى
العc التي ال تتعامل مع هذا اجلماد إال من حيث هو «أداة» فحسب. وإذن فقد كان برجسونB وغيره من أنصار احلدسB يتحـدثـون بـالـفـعـل عن نوع خاص من ا9عرفةB نوع ينطبق على مجاالت معينةB ويحتاج اإلنسان إليه بالفعل في مواقف معينة من حياته. والى هذا احلد ال qلـك أحـد أن cهذا النـوع وبـ cيعترض عليهم بشيء. ولكن ا9شكلة هي أنهم يقارنون ب ا9عرفة العقلية في العلمB ويتهمون هذه األخيرة بالقصورB اعتمادا على أن ا9عرفة احلدسية أعمق منها. ولو كانوا قد اقتـصـروا عـلـى حتـديـد اجملـال الذي يسرى عليه كل من نوعى ا9عرفة هذينB 9ا كان لنا عليهم أي مأخذ.
78
التفكير العلمي
ذلك ألن اإلنسان يحتاج بالفعل إلى نوعى ا9عرفة هذينB كل في مجاله اخلاص. ولكي ندلل على ذلكB يكفينا أن نتخيل ماذا كـان qـكـن أن تـكـون عليه حياة اإلنسان لو انه كان يقتصرB منذ فجر تاريخهB عـلـى ذلـك الـنـوع احملبب إلى نفوس أنصار احلدس. فلو كان الشكل الوحيد لعالقة اإلنسان باإلنسانB أو لعالقته بالطبيعةB هو الصلة ا9باشرة الوثـيـقـةB الـتـي تـتـعـمـق فيما هو فردى ونترك جانبا ما هو عام في األشياءB لكان اإلنسان قـد مـر بتجارب شخصية عميقة بغير شـكB ولـكـان حـسـه الـفـنـي قـد اصـبـح اشـد Bولكان أكثر رقة وشاعرية... هذا كـلـه مـحـتـمـل Bإرهافا ا هو عليه اآلن ومن اإلنسان كان سيقف عندئذ عاجزا عن «فهـم» الـظـواهـر الـتـي حتـدث حولهB وعن «السيطرة» عليهاB وكانت حياته الذهنية والروحية-فـضـال عـن حياته ا9ادية بالطبع-ستصبح عندئذ هـزيـلـة خـاويـةq Bـلـؤهـا فـراغ اجلـهـل
وقصور العقل. والشك أن لهذه احلجة وجها آخر ينبغي أال نغفلهB هو الوجه العكسي.. فلو كانت حياة اإلنسان قد خلت 3اما مـن عـنـصـر الـتـجـارب الـشـخـصـيـة واقتصرت على عنصر ا9عرفة العقلية العلميةB لفقـد اإلنـسـان تـلـك ا9ـتـعـة التي تبعثها ا9عرفة الشخصية والعالقة الباطنة احلميمةB والفتقرت احلياة
عد من أبعادها الهامة التي تبعث فيها الدفء وتشيع فيها احلرارة.ُإلى ب ولكن الذي حدث فـعـال هـو أن اإلنـسـان قـد سـار فـي الـطـريـقـc مـعـا. واختيار اإلنسان لهذا ا9سار ا9زدوج يعكس حكمة عميقةB إذ يدل على أنه قد وجد اجلانبc ضروريBc ولم يحاول أن يستغني عن أحدهما حلسـاب اآلخر. ومعنى ذلك أن اتهام العقل بالعجز عن أداء الوظيـفـة الـتـي يـؤديـهـا احلدسB في مجال العالقات الشخصيةB هو اتهام ال مبرر لـهB وهـو خـلـط بc ميدان وميدان. فالعلم ا9رتكز على الـعـقـل شـكـل ضـروري مـن أشـكـال ا9عرفةB وكان ال بد أن يتخذ طابعه هذا حتى ينمو ويتطورB ومهاجمته باسم تلك التجربة «الفريدةB التي ال qكن التعبير عنها» هي خلق بc ما يصـلـح على مستوى العالقات الشخصيةB وما يصلح على مستوى ا9عرفة العامـة. فاإلنسان محتاج إلى أن يكون العاطفة والعقل. واخلطأ ال يكون في تأكيد أي من هذين اجلانبBc بل هو يبدأ منذ اللحظة التي نحاول فيها أن نطبق
مبادu أحد اجلانبc على اآلخرB أو ننقد أحد اجلانبc باسم اآلخر.
79
عقبات في طريق التفكير العلمي
ب:ّرابعا- التعص Bالتعصب هو اعتقاد باطل بأن ا9رء يحتكر لنفسه احلقيقة أو الفضيلة وبأن غيره يفتقرون إليهاB ومن ثم فهم دائما مخطئون أو خاطئون. ومن هنا فان التعصبB الذي يتخذ شكل حتمس زائد للرأي الذي يقول به الشخص نفسه أو للعقيدة التي يعتنقهاB يتضمن في واقع األمر بعدا آخر: فهو qثل في الوقت نفسه موقفا معينا من اآلخرين. فحc أكون متعصبـا ال اكـتـفـي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائلB بل ينبغي أيضا أن أستبعد فضائل اآلخرين وأنكرها وأهاجمها. بل إنني في حالة التعصب ال أهتـدي إلى ذاتيB وال اكتشف مزاياي إال من خالل إنكار مزايا اآلخرين. وهذا هو الفرق بc التعصب وبc االعتداد بالنفسB الذي هو شعور مـشـروعB إذ أن ا9عتد بنفسه ال يبني 3جيده لنفسهB حتماB على أنقاض اآلخريـنB بـل قـد يعترف لهم بالفضل مع تأكيده لفضله هو أيضاB أما ا9تعصب فال يؤكد ذاته إال من خالل هدم الغيرB وال فارق عنده بc هذه العملية وتلكB ألنه يـهـدم غيره وليس في ذهنه إال تأكيد ذاتهB كـمـا أنـه ال يـؤكـد ذاتـه إال مـسـتـهـدفـا
احلط من اآلخرين. Bإذا قلنا أن ا9تعصب يؤكد «ذاته» مـن خـالل هـدم آراء اآلخـريـن Bولكن فما الذي نعنيه بكلمة «ذاته» هذه? هل هي «ذاته» من حيـث هـو فـرد? هـل يريد ا9تعصب أن يؤكد آراءه أو مواقفه الشخصية على حسـاب اآلخـريـن? Bالواقع أن جوهر التعصب ال يكمن في اتخاذ مثل هذه ا9واقف الشخصية بل يكمن في توحيد الفرد لنفسه مع رأي اجلماعة التي ينتمي إليهاB وإعالئه هذا الرأي فرق آراء أية جماعة أخرى. فا9تعصبB في واقع األمـرq Bـحـو Bويذيب عقله أو وجدانه في اجلماعة التي ينتمي إليها Bشخصيته وفرديته بحيث ال يحس بنفسه إال من حيث هو جزء من هذه اجلماعة. ولو كان يؤكد
.(٤)نفسه بوصفه فردا له شخصيـته ا9ميزة 9ا أصبح متعصبا فلنتأمل مثال صارخا من أمثلـة الـتـعـصـبB تـابـعـه الـعـرب جـمـيـعـا بـكـل جوارحهم خالل ما يقرب من عامBc هو ما حدث في لبنان من بداية عام
. فهل كان واحد من أولئك الذين يقتـلـون أفـراد١٩٧٦ حتى نهاية عـام ١٩٧٥ الطائفة األخرى «على الهوية» يفكر في نفسه بوصفـه فـرداB أو يـفـكـر فـي ضحيته من حيث هو شخص له كيانه اخلاص? احلقيقة أنه لم يكن ينـظـر
80
التفكير العلمي
إلى نفسه إال من حيث هو ينتمي إلى «طائفة»B وكذلك وكانت نظرته الضحية. وقد يكون كل منهماB على ا9ستوى الشـخـصـيB صـديـقـا لـآلخـرB أو زمـيـال
نسى عندما يسيطـر الـتـعـصـبBُيتعامل معه منذ سنـواتB ولـكـن هـذا كـلـه ي وتصبح أهم صفاتيB وأهم صفات اآلخرB هي نـوع اجلـمـاعـة الـتـي انـتـمـى وينتمي إليها. واحلق أن تعبير «القتل على الهوية» كان تعبيرا يعبر ببالغـة عن حالة التعصب بأسرها. فهو ال يعني فقط القتل تبعا لنـوع «الـبـطـاقـة» التي يحملها ا9رء والتي يتحدد فيها انتماؤه الطائفيB بل تعني أيـضـا قـتـل اآلخر ألنه وضع نفسه «في هوية» مع الطائفة األخرىB أي في انتماء إليها. فكل متعصب يعلو بنفسه بسبب «هويته»B مع جماعتهB ويقتل اآلخر-باجلسد
أو بالفكر-بسبب «هويته» مع جماعة أخرى. ويترتب على ذلك أن ا9تعصب ال يفكر فيما يتعصب لهB بل يقبله على ما هو عليه فحسب. وهنا تتمثل خطورة التعصب من حيث هو عقبة في وجه Bالتفكير العلمي. فالتعصب يلغي التفكير احلر والقدرة على التساؤل والنقد ويشجع قيم اخلضوع والطاعة واالندماجB وهي قيم قد تصلح في أي مجال Bما عدا مجال الفكر. وهذا يؤدي بنا إلى صفة أخرى أساسية في التعصب هي أنه ليس موقفا تختاره بنفسكB بل موقف «جتد نفسك فيه». ولو شاء ا9رء الدقة لقال أن التعصب هو الذي يـفـرض نـفـسـه عـلـى اإلنـسـانB وهـو أشبه باجلو اخلانق الذي ال nلك مع ذلك إال أن نتنفسه. فالتعصب يـكـره اآلخرين من خاللB أو يقتلهم بواسطتي. وما أنا (أو أي فرد) بالنسبة إلـى التعصب سوى أداة يتخذها لتحقيق هدفه ا9شئوم. ذلـك ألنـنـيB حـc أقـع حتت قبضتهB ال أصبح شيئاB وال أسعى من أجل شيءB إال لكي ألبي نداءه. Bو9اذا يطل برأسه البغيـض B9اذا ينتشر التعصب إلى هذا احلد Bولكن ويذكرنا بطبيعته البشعة بطريقة داميةB حتى في صميم القرن العشـريـن? ذلك الن التعصب qثل حاجة لدى اإلنـسـان إلـى رأي يـحـتـمـي بـهB ويـعـفـي نفسه من التفكير في ظله. والواقع أن احلماية هنا متبادلة: فالرأي الـذي Bألنه يؤدي إلى نوع من الهدوء أو االستـقـرار الـنـفـسـي Bنتعصب له يحمينا ويضع حدا لتلك ا9عركة القلقة التي تنشب في نفوسنا حc نستخدم عقولنا بطريقة نقدية. ولكننا من جهة أخرى نضمن احلماية لهذا الرأي ذاته عن B«والـسـعـي إلـى «تـصـفـيـتـه Bطريق رفض كل رأي مخالف ومهاجمته بعـنـف
81
عقبات في طريق التفكير العلمي
با9عنى احلاسم لهذا اللفظB وإذن فكل من ا9تعصب ورأيه أو عقيدته يحمي اآلخر. ولكن الواقع أن هذه حماية خادعة مضللة. فهي من نفس نوع احلماية التي يكفلها لنا اخلمر أو اخملدرB ألنها ترتكز أساسا على تخدير التفـكـيـر Bوألنها تضع أمامنا صورة باطلة للواقع ترتكز على دليل أو منطق Bوإبطاله
بل تستمد قوتها كلها من حتيزنا لها بال تفكير. Bوهذا ينطبق على كل شكل من أشكال التعصب. فالتعصب العنـصـري والتعصب القومي ا9تطرفB والتعصب الديني-كل هؤالء يشاركون في سمات واحدة: االنحياز إلى موقف اجلماعة التي ننتمي إليهـا دون اخـتـيـارB ودون تفكيرB واالستعالء على اآلخريـن واالعـتـقـاد أنـهـم «أحـط»B وإغـالق أبـواب عقلك ونوافذه إغالقا محكما حتى ال تنفذ إليه نسمة من احلريةB الن هذه النسمة-مهما كانت خفيفة-qكن أن يتهدد موقفك الذي تتعصب لهB وتهددك
أنت نفسك بقدر ما وحدت نفسك مع ما تتعصب له. وأعظم األخطار التي يجلبها التعصب على العلم هو أنه يجعل احلقيقة ذاتيةB ومتعددةB ومتناقضةB وهو ما يتعارض كلية وطبيعة احلقيقة العلمية. فكل متعصب يؤمن بحقيقته هوB ويؤكد-بال مناقشة-خطأ اآلخرين. ومنـك حc تنتقـل إلـى هـؤالء اآلخـريـن جتـدهـم يـؤكـدون هـذا الـشـيء نـفـسـه عـن «حقيقتهم» اخلاصةB ويؤكدون خطأ األول. وهكذا تضيع احلقيقة-با9ـعـنـى cالعقلي والعلمي-في هذا التشتت والتناقض. ولو كان العقل هو احلكم بـ
الناس 9ا تعددت «حقائقهم» أو تناقضت. وعلى الرغم من وضوح هذه الفكرة فان اإلنسانية عاشت على ما تعتقد أنه «حقائق» ذاتية تتعصب لها بال تفكيرB فترة أطول بكثير ا عاشت على حقائق موضوعية تتناقش فيها باحلجة والبرهان. بل إن عدد أولئك الذين Bفي عا9نا ا9عاصر Bيقتنعون بآراء ومواقف يتعصبون لها دون نقد أو اختيار يفوق بكثير عدد أولئك الذين ال يقبلون الرأي إال بعد اختاره بالعقل. ومن Bهنا فان ا9عركة الطويلة من اجل إقرار مبدأ التسامح في الفكر والعقيدة مستمرة. وصحيح أنه يبدوB ظاهرياB أن التسامح قد تغلب على التـعـصـب منذ أن أحرز العلم انتصاراته الكبرى في العصر احلديث. ولكن احلقيقة- لألسف-غير ذلك. فما زال التعصب كامنا في النفوسB حتى في تلك البيئات التي يبدو فيها أنه قد اقتلع من جذوره. وتكفي أية هزة قومية أو اجتماعية
82
التفكير العلمي
عنيفة إليقاظه من سباتهB وجتديد قوته الطاغيـة: كـمـا حـدث أيـام أ9ـانـيـا النازيةB في النصف األول من هذا القرنB وكما يحدث بيننا في لبنان. وهذا وحده دليل على أن معركة العقل ضد التعصب لم تنته بعدB وعلى أن اإلنسانية ما زالت في حاجة إلى «قرابc» كثيرة قـبـل اسـتـئـصـال آفـة الـتـعـصـب مـن
النفوس. على أن هذه معركة ال بد من خوضها. ذلك الن التعصب هوB في واقع األمرB عقبة متعددة األطرافB تقضي قضاء تاما على كل إمكان للـتـفـكـيـر
رك لها اجملال لكي تنتشر وتسيطر. فبقدر ما يعد التعصب فيُالعلمي إذا ت ذاته شيئا بغيضاB ذا ضرر فادح للعلمB جند ضرره هذا ال يقتصر على مـا تؤدي إليه روح التعصب وحدهاB بل أنه يجمع في داخله كل العقبات الـتـي حتدثنا عنها من قبلB والتي حالتB وما زالت حتولB دون انطالق التفـكـيـر العلمي بال قيود. فالتعصب ينطوي على خضـوع تـام لـسـلـطـة ا9ـبـدأ الـذي نتعصب له. وكل متعصب ينظر إلى طريقة تفكيره اخلاصB أو على األصح طريقة تفكير اجلماعة التي ينتمي إليهاB على أنها سلطة ال تقبل ا9ناقشة. Bكما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري: إذ أن ا9وضوع الذي نتحيز لـه في حالة التعصبB يتحول إلى أسطورةB فيختفي طابـعـه احلـقـيـقـي ويـحـل محله طابع وهمي مختلقB فضال عن أن ا9تعصب يتمسك بـرأيـه بـطـريـقـة خلت من كل منطقB وهو بطبيعته يشجع التفكير الالعقلي ألنه هو الدعامة الوحيدة 9وقفه. ومن هنا كان أساس النازية هو «أسـطـورة» اجلـنـس اآلري ا9تفوقB وكان أساس التفرقة الـعـنـصـريـة هـو «أسـطـورة» اجلـنـس الـزجنـي ا9نحطB إلى غير ذلك من األساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال
التعصب. Bومجمل القول أن التعصب «عقبة مركبة» تعترض طريق التفكير العلمي ومن هنا كانت ا9عركة التي ينبغي أن يشنها عليه هذا التفكير حاسمةB إذ أن العقل البشري ال يستطيع أن يجد حال وسطا بc االثنBc فأما العلم وإما
التعصبB وال بد من القضاء على أحدهما لكي يبقى اآلخر.
ل:ّخامسا- األعالم املضل األعالم هو نقل ا9علومات أو توصيلها. وهو يختلف عن التعليم فـي أن
83
عقبات في طريق التفكير العلمي
هذا األخير يتخذ طابعا منتظماB ويتعلق بفئة هي في الـغـالـب فـي مـقـتـبـل العمرB يعدها اجملتمع 9واجهة احلياة ويلقنها قيمه ا9عنوية ومعارفه العلمية. أما األعالم فليس له مثل هذا الطابع ا9نتظمB وال يقتصر على فئة معـيـنـة من الناسB وال يحتاج-في كثير من جوانبه-إلى استعداد لإلفادة منه: فعلى حc أن األعالم عن طريق الصحافةB وهو الشكل الـوحـيـد لـإلعـالم حـتـى القرن ا9اضيB كان يفترض معرفة بالقـراءةB ومـن ثـم كـان اجلـمـهـور الـذي ينتفع به محدوداB فان األعالم عن طريق الوسائل ا9سموعة وا9رئية (كالراديو والتليفزيون والسينما) ال يحتاج من ناحية جمهوره إلى إعداد سابقB ومن ثم
فمن ا9مكن إن يتأثر به أكبر عدد من الناس. على أن هذا التمييز بc اإلعالم والتعليم ظاهرة حديثةB بدأت عندمـا ظهرت وسائل لإلعالم مستقلة عن نظم التعليم وأجهزتـهـا. أمـا قـبـل ذلـك فكان احلد الفاصل بc اإلعالم والتعليم ال يكاد يكون ملحوظـا. فـلـم تـكـن هناك وسائل لإلعالمB غير التعليم ا9نظمB سوى التلقc الشفـوي ا9ـبـاشـر من شخص إلى آخرB كاحلوار في األسواق أو اخلطابة في دور الـعـبـادة أو
الساحات العامةB أو إلقاء الشعر على اجلمهور بقصد التوجيه. هذا النوع من اإلعالم ا9باشر كان يؤديB في العصور الغـابـرةB وظـيـفـة مزدوجة. فمن ا9مكن إذا ساده مبدأ احلوارB أن تنجم عنـه نـهـضـة عـقـلـيـة عظيمةB وهو ما حدث بالفعل عند الـيـونـانـيـBc حـيـث اقـتـرن اإلعـالم عـن طريق احلوارB وعن طريق اخلطابة السياسية ا9قترنة هي األخرى با9ناقشة واحلوارB بنظام دqقراطي فريد من نوعهB ساد حياة اليونانيc طوال فترة غير قصيرة من تاريخهم الـقـد“. أمـا إذا سـاده مـبـدأ الـتـلـقـc مـن طـرف واحدB واخلضوع التام من الطرف اآلخرB فانه يـؤدي إلـى تـقـويـة الـسـلـطـة الفكرية عند القلة ذات الشأن من أهل العلمB ومن ثم يكون عائقا في وجه أية نهضة علمية حقيقية. وهذا ما حدث في العصور الوسطىB حc كانت وسيلة نقل ا9عرفة وا9علومات هي التلقc ا9باشر من رجال الدين ألتباعهم الذين ال qلكون إال أن يسمعوا ويطيعواB أو حc كان القادرون على أعالم اآلخرين فئة ضئيلة يحج إليها طـالب ا9ـعـرفـة مـن كـل أرجـاء األرض لـكـي
يتتلمذوا على أيديهاB ويتشكلوا بطابعها وقالبها. على أن ظهور الطباعة قد افتتح صدا جديدا في نشر ا9علوماتq Bكن
84
التفكير العلمي
كثر «دqقراطـيـة» مـن أي عـهـدIf.taiI4Jأن يوصف بأنه فـالن نـي اجتـاهـه سابق. فعن طريق الطباعة أمكن ا9عرفة إلى أعداد أكبر بكثيرB وبـنـفـقـات أقلB وأتيحت للراغبc في العلم فرصة االطالع على كميات من الكتب تزيد {راحل عما كان يتاح لطالب ا9عرفـة فـي عـصـر اخملـطـوطـات-واألهـم مـن ذلك كله أن ا9علومات لم تعد مرتبطة {ركز معc يحتكر تقدqها ويفرض طابعه اخلاص على من ينضمون إليهB بل إنها أصبحت متاحة لـلـنـاس فـي
مكان ألول مرة أن ينظر ا9رء إلىSIبيوتهمB وعلى نطاق واسعB واصبح في Bال على أنه قيد على استقالل قارئه Bالكتاب على انه حافز للتف!ر ا9ستقل
لم qد الكتاب مرتبطاB حتماB بشخصية كاتبهB ولم يعد الناس مضطرين٣١ إلى تلقي التفسيرات من ا9ؤلف نفسهB بل إن ا9علومات ا9تضمنة أصبحت متوافرةB بصورة موضوعية مستقلة عن الكاتبB بحيث يستطيع كل إنسـان أن يتخذها منطلقا لتفكره اخلاص. وهكذا كان عصر الطباعة يـعـنـيB مـن الناحية العمليةB هدم مبدأ السلطة بوصفه أساسا للمعرفةB وبـدايـة عـهـد
جديد من اإلعالم الواسع النطاقB ا9تحرر من قيود السلطة. ولسنا ني حاجة إلى سرد بقيه القـصـة الـتـي بـدأت مـنـذ عـهـد انـتـحـار الطباعة حتى اليوم. فقد كان استخدام ا9طبعة في إخراج صحف تقدم إلى الناسB على أوسع نطاقB أعالما أسهل فهما وأقرب إلى حياة الناس اليومية ا تقدمه الكتب-كانت تلك خطوة كبرى في طريق التقدم اإلعالمي. وعندما ظهرت أولى وسائل االتصال عن بعدB كالتلغراف ثم التليفونB ازدياد الترابط اإلعالمي بc الناسB واكتسب اإلعالم مزيدا من اجلماهيرية حc ارتبـط بفن السينماB وبدأت تلوح في األفق إمكانية جديدةB هي ربـط الـعـالـم كـلـه
بشبكة من ا9علومات التي تصل إلى أبعد أطرافه في أسرع وقت. وقد حتققت هذه اإلمكانيةB إلى حد بعيدB بعد اختراع اإلذاعة الالسلكية واإلذاعة ا9رئيةB أي الراديو والتلفزيون. وسرعان ما أصبحت هذه الوسائل Bواكتسبت بالفعل طابعا عا9يا متزايدا Bاجلديدة أقوى وسائل اإلعالم كلها يـتـمـثـل فـي وصـول اإلذاعـات إلـى أبـعـد أطـراف األرضB إمـكـانـيـات الــبــث التليفزيوني في مختلف أرجاء العالم عن طريق األقمار الصناعية. واصبح Bدور إعالمي يفوق دور جميع الوسائط األخرى Bعلى وجه التحديد Bللتلفزيون وذلك أوال الن «الصورة» لغة عا9ية تتخطى حواجز اللغات احمللية ا9ستخدمة
85
عقبات في طريق التفكير العلمي
في الصحافة أو اإلذاعةB وثانيا ألنه يدخل كل بيتB والن ا9تفرج يـشـاهـده وهو في حالة استرخاء ال يبذل فيها مجهودا ذهنياB ومن ثم يكون التأثـيـر
اإليحائي أيسر وأعمق. على أن حتقق هذا احللم كان يبدو مستحيال منذ قرن واحد فقط كان ال بد أن يكون له تأثيرهB إيجابا أو سلباB على التـفـكـيـر الـعـلـمـي. فـوسـيـلـة اإلعالم التي تقتحم كل بيتB والتي تخاطب أفـراد األسـرة جـمـيـعـاB والـتـي تقدم موادها في إطار من الترفيه أو التسليةB تستطيع أن تقوم بدور عظيم األهمية في نشر قيم التفكير العلمي أو في هدمـهـاB سـواء أكـان ذلـك عـن طريق ما تقدمه من مواد علمية مباشرةB أم عن طريق البرامج الـتـي تـبـث
فيها هذه القيم بصورة غير مباشرةB وهو األغلب. واألمر الذي يدعو إلى األسف هو أن االجتاه الغالب على ما تقدمه هذه الوسائل اإلعالمية الواسعة االنتشارB ال يخدم قضية التفكيـر الـعـلـمـي وال يساعد على نشر قيمه بc اجلماهير العريضة التي تتأثر بهذه الـوسـائـل. وقد بدأت جتربة تشكيل عـقـول الـنـاس وصـبـهـا فـي قـوالـب واحـدة تـخـدم أغراض نظام معc في احلكمB أيام العهد النازي في أ9انياB وجنحـت إلـى حد كبير في شل القدرة على التفكير ا9ستقل عند شعب عريـق كـالـشـعـب األ9انيB واستطاعت أن جتر ا9اليc منهB طائعc مختارين-أو على األصح مخدرين بالدعاية ا9نظمة-إلى مذبحة احلرب العا9ية الثانيةB لكي يرتكبوا أفعاال أصبحوا هم أنفسهم يعجبونB {جرد أن زال عنهـم سـحـر الـدعـايـة وتخديرهاB كيف رضوا ألنفسهم أن يرتكبوها. وكانت تلك أول جتربة «علمية» Bمن أجل تشكيل عقول البشر ونزع قدرتها على التساؤل وا9قاومة بالتدريج
حتى تستسلم آخر األمر لكل ما يلقنها إياه نظام احلكم القائم. ومنذ ذلك احلc ازدادت الدراسات العلمية ا9نظمة التي تستهدف البحث عن أقوى وسائل التأثر اإلعالمي في اجلماهـيـرB واسـتـخـدم فـي إجـرائـهـا عدد غير قليل من العلوم اإلنسانيةB وخاصة بعض فروع علم النفس. وصحيح أن هذه الدراسات تتخذ مظهرا علميا وقوراB ولكنها تهدف في أغلب األحيان إلى بحث افضل الطرق لتزيـيـف عـقـل اإلنـسـان أو االنـحـراف بـإرادتـه فـي اجتاهات مرسومة مقدماB ويندر أن جند بينها بحثا يستهدف إيجاد أفضل الوسائل لزيادة الوعي وتقو“ األفكار ا9عوجة بc الناس عن طريق وسائط
86
التفكير العلمي
اإلعالم. وتسير عملية التزييـف هـذهB فـي الـوقـت الـراهـنB فـي طـريـقـc: األول منهما جتاريB هدفه األول واألخير ترويج السـلـع بـc الـنـاسB حـتـى لـو لـم يكونوا في حاجة ماسة إليهاB وحتى لو كانت احتياجاتهم احلقيقية تـتـعـلـق Bبأشياء مختلفة عنها كل االختالف. وفي سبيل ذلك تقوم شركات اإلعالن التي تعتمد على العديد من العلماء والباحثBc بابتكار أكثر الطرق فعالـيـة خللق حاجات أو رغبات مصطنعة بc الناسB وللقضاء على قدرتهـم عـلـى التـمـيـيـز بـc مـا هـو ضـروري ومـا هـو غـيـر ضـروري. وعـادة تـنـتـشـر هـذه اإلعالناتB في البالد التي تعتمد على االقتصاد احلرB وسط برامج إذاعية أو تليفزيونية تنفق عليها الشركة ا9نتجة خصيصا لـكـي تـروج سـلـعـهـا فـي فترات معينة خالل العرض. وال بد أن تـكـون هـذه الـبـرامـج مـن نـوع يـشـد ا9تفرج حتى تظل عيونه وآذانه وعقله مثبتة على اجلهاز. وهكذا يؤدي هذا األسلوب إلى ضرر مزدوج: ألن البرنامج ا9قدم نفسه حافل باإلثارة والعنف واجلرqة واجلنس الرخيصB وكلها أمور تؤثر في ملكات التفكيـر الـسـلـيـم لدى البشرB فضال عن أن ا9ادة اإلعالنية نفسها حترص-بطرق مدروسـة- على تعهد عناصر الرغبة الرخيصة أو التافهة وجتاهل أي عنصر جاد في
طبيعة البشر. أما الطريق الثاني الذي تسير فيه عمـلـيـة الـتـزيـيـف هـذهB فـهـو طـريـق سياسي. إذ أن نظم احلكم اخملتلفة تستعc بأجهزة اإلعالم من أجل دعم مركزها بc شعبها أو بc الشعوب األخرىB وتلجأ إلى أساليب تتنافى مع مقومات التفكير السليم: فتلح مثال على نشر صورة زعيم معc وتضخـيـم أخباره وتكرارها بال انقطاعB وتستخدم كل أنواع ا9غالطات من أجل تبرير Bوهو أمر لم يكن يحدث في فترات التاريخ السابقة على اإلطالق Bتصرفاته حc لم يكن الناس يرون زعماءهم أو يسمعونهم إال نادرا. ومعظم العقـول تستسلم بسهولة لهذه الدعاية ا9لحة ا9تكررةB ولكن العقول الواعية نفسها قد تظل تقاوم تأثير الدعايةB وحتتفظ بقدرتها على التفكير ا9ستقلB إلى
ة»ّحBc ثم ال جتد أمامها مقرا من االستسالم آخر األمرB ألن الدعاية «العلمي Bوتـسـتـسـلـم Bاحلديثة تعمل بحرص ودأب على إشاعة العقلية التي تصدق وعلى هدم روح النقد ونشر روح االنقياد. وهكذا قد يجد اجملـتـمـع نـفـسـه
87
عقبات في طريق التفكير العلمي
يؤيد نظما جائرةB ويصفق لزعماء يظلمونهB الن الدعاية احلديثة أفـقـدتـه كل قدرة على التفكير السليم والرؤية والواضحة.
ولقد أتيحت لي ذات يوم فرصة لتـجـربـة طـريـفـة تـكـشـف عـن طـبـيـعـة األساليب التي تستخدمها النظم السياسية مع شعوبها عن طريق الدعاية: إذ كان هناك مؤ3ر حضره رؤساء مجموعة من الدولB وشاءت ا9صادفات أن أسافر بعد انتهاء ا9ؤ3ر مباشرة وأمر في طريقي بسرعة على أربع دول اشترك رؤساؤها في هذا ا9ؤ3ر. وقد حرصت علـى قـراءة الـصـحـف فـي هذه الدول األربعB فإذا بي أجد الصحافة في كل دولة تصور ا9ؤ3ر وكأنه كانB من بدايته إلى نهايتهB يدور حول محور رئيس دولتها نفسه فهو الذي جذب انتباه اجلميعB وهو الذي أقنع اجلميع باقـتـراحـاتـهB وهـو الـذي بـذل اعظم جهد إلجناح ا9ؤ3ر... الخ.. وتكرر هذا ا9وقـف بـحـذافـيـره فـي كـل دولة من الدول األربعB بحيث يظن شعب كل من هذه الدول أن رئيسه كان ابرز اجلميع وأذكاهم وأقدرهم على اإلقنـاعB عـلـى حـc أن الـبـاقـc كـانـوا
يقتدون به ويأخذون منه ا9شورةB الخ. وهكذا فان وسائل اإلعالم احلديثةB التي كانت تبشر بعهد تنتشر فـيـه ا9علومات على أوسع نطاقB وتزول فيه حواجز الزمان وا9كان لكي تـصـبـح فرص ا9عرفة واالستفادة متاحة للجميع-هـذه الـوسـائـل قـد اسـتـغـلـتB فـي األغلبB من اجل خلق عقول nطيةB قابلة لـإليـحـاء واالسـتـغـالل مـن اجـل حتقيق أهداف فئة قليلة تتحكم في اإلعالم. وليس معنى ذلـك أن نـتـيـجـة انتشار هذه الوسائل كانت شرا كلهاB إذ أن البشر بغير شك اصبحـوا اآلن أقدر بكثير على اكتساب ا9علومات ا كانوا في العصـور ا9ـاضـيـةB ولـكـن األمر ا9ؤسف هو أن اإلمكانات الهائلة لهذه الوسائل ذات االنتشار عظـيـم االتساع قد استغلت في أغلب األحيان لإلضرار بقدرة الناس على التفكير
السليم. وال يستطيع ا9رء أن يستثني من هذا احلكم أي نظام من النظم الرئيسية السائدة في عالم اليوم: فا9عسكر االشتراكي يلجـأ فـي أحـيـان كـثـيـرة إلـى حجب حقائق أسـاسـيـة (كـمـا يـحـدث فـي حـاالت األزمـات أو الـكـوارث) أو ذكرها بإيجاز شديدB لم تكن في مصلحته. وكثيرا ما يكون الرأي اآلخر فيه مرفوضاB بل تكون إمكانية ظهوره منعدمة أصالB بحيث تضيع على الناس
88
التفكير العلمي
فرصة احلوار ا9ثمر بc أطراف متعارضـة. واحلـجـة الـتـي تـقـال فـي هـذا الصدد هي أن هناك غاية أساسية أو هدفا أساسيا ينبغي أن يـسـخـر كـل شيء خلدمتهB ولكن ا9شكلة هي أن بعض الناس مازالوا يؤمنون بأن قيمة احلقيقة ال يعلو عليها شيءB وبأنها-في صميمها-ال تتعارض مع أية قضية
شريفة. أما ا9عسكر الرأسمالي فيتف¬ في إخفاء ارساته في هذا ا9يدانB إذ أن األمور تبدو ظاهريا وكأن اإلعالم احلر متاح للجميعB بل انه يتخـذ مـن هذا ا9ظهر «الليبرالي» دعامة أساسية لدعايتهB على أساس أنه يتفوق بـه على النظام ا9ضاد تفوقا ساحقـا. ولـكـن هـذا لـيـس إال ا9ـظـهـر اخلـارجـي Bإذ أن اإلعالم عنده ال يعبر إال عن مصالح فئة واحدة من الناس Bفحسب هي الفئة القادرة على أن 3ول اإلعالم بإعالناتهاB ومن ا9علوم أن الصحف الكبرى ومحطات اإلذاعة والتلفزيون تعتمد في 3ويلها-كليا أو بنسبة كبيرة- على أموال ا9علنc. هذا فضال عن أن هذه ا9ؤسسات اإلعالمية الرئيسية هي في أغلب األحيان «شركات» تسير في أعمالها وفقا للمنطق الرأسمالي البحتB وال qكن أن تسمح بإعالم يؤدي إلى هدمها. وهـكـذا يـفـتـقـر هـذا النظام بدوره إلى اإلعالم الصادقB وان كان في سيطرته على اإلعالم يتبع أساليب أذكىB وأبعد عن الطابع الصريح ا9ـبـاشـرB مـن تـلـك الـتـي تـتـبـعـهـا
النظم االشتراكية. Bالكبيرين cالعا9ي cولقد تعمدنا أن نتحدث عن وضع اإلعالم في النظام Bلألغراض التجارية أو السياسية Bبوجه عام Bبعد احلديث عن خضوع اإلعالم وذلك لكي نستخلص من هذا العرض السريع نتيجة ر{ا كانت مؤ9ةB ولكنها لألسف ضروريةB وأعني بها أن اإلعالم الذي اتخذ في عصـرنـا احلـاضـر أبعادا هائلةB وأصبح تأثيره فعاال على كل عقلB يتجه أكثر فأكثر إلى االبتعاد عن ا9وضوعية والنزاهة الالزمة لكل تفكير علمي. ومن ثم فان هذه القوة الضخمة التي كان الناس يأملون منها أن تنشر الوعي وترعى القيم الفكرية الصحيحةB قد أصبحت تستخدم في معظم األحيان بطريقة ال تساعد على
تأكيد روح التفكير العلمي بc البشر. cلتب Bولو أمعن ا9رء النظر في الفلسفات ا9تحكمة في اإلعالم ا9عاصر له أنه ال يكاد يكون هناك اعتراف بالقيمة ا9طلقة «للحقيقة»-تلك احلقيقة
89
عقبات في طريق التفكير العلمي
التي تعلو على أي اعتبار آخرB سواء أكان ذلك مصلحة طبـقـة أو حـزب أو حتى مصلحة مجتمع كامل. فاحلقيقة أصبحت «موظفة»B {عنى أنها وسيلة لغاية أخرىB ويكاد يختفي من اإلعالم احلالـي ذلـك ا9ـبـدأ الـذي يـتـمـسـك Bويحل محله مبدأ آخر يطبقه اجلـمـيـع Bمهما كانت النتائج Bباحلقيقة أوال في النظام االشتراكي وفي النظام الرأسمالي وفي الـعـالـم الـثـالـثB هـو أن احلادث الواحد ينبغي أن يعرض ويفسر وفقا 9صلحة الوضع القـائـمB وان حقيقة اإلنسان الرأسمالي بطالن في نظر االشتراكيB والعكس بالعكس. من هنا كان اإلعالم ا9ضلل عقبة كبرى في وجه التفكـيـر الـعـلـمـي فـي عا9نا ا9عاصرB إذ أن التفكير العلمي ال يعترف إال بحقيقة واحدةB ال تتلون أو يتغير تفسيرها وفقا للمصالح. وصحيح أن وسائط اإلعالم تضلل عندما يكون األمر متعلقا {صالح سياسية أو اقتصاديةB وال تلجأ كثيرا إلى التضليل في بقية ا9يادينB ولكن هذا ا9يدان حيويB والتزييف فيه يؤثر تأثيرا كبيرا على طريقه تفكير اإلنسانB ألنه أوال يحول بc الناس وبc فهـم أنـفـسـهـم ومجتمعهم بطريقة علميةB واألهم من ذلك أنه يعودهم االستسالم للمغالطات ويسلبهم القدرة على مقاومتهاB ومن ثم فانه ينتزع من عقـل اإلنـسـان أهـم ملكة يحتاج إليها لكي يفكر تفكيرا علميا-واعني بها ملكة النقد والتساؤل. ولست أود أن اختتم هذا الفصل من الكتاب من غير أن أشيرB بإيجـاز شديدB إلى الوضع اخلاص لهذه العقبات التي تعترض طريق التفكير العلمي في عا9نا العربي بالذات. ذلك ألنهB على الرغم من أن أمثلة كثيرة من تلك التي وردت عند احلديث عن هذه العقبات كانت متعلقة بالعالم العربيB فان من ا9فيد أن نختم عرضنا لهذا ا9وضوع بإشارة خاصة إلى دور هذه العقبات Bفي بالدنا. وحسبنا أن نعود بذاكرتنا إلى هذه العقبات واحدة بعد األخرى لكي جند أن لها في عا9نا العربي دورا ال يستهان بهB وان معوقات التفكير
العلمي في بالدنا كانت وال تزالB ذات سطوة هائلة على العقول. فاألسطورة واخلرافة حتتل في تفكير الناسB في بالدنا العربيةB مكانة ال يزال من الصعب زعزعتها. وإني ألذكرB من جتربتي اخلاصةB أننـي فـي Bكل مرة كنت أحتدث فيها عن احلسد أو «العمل» (السحري) بوصفه خرافة كنت ألقى مقاومة شديدة من عدد كبير من طالب اجلامعةB وهم في مجتمعنا فئة يزة أتيح لها من فرص التعليم ما لم يتح للغالبية الساحقة من أبناء
90
التفكير العلمي
الشعب. وكانت القصص التي يوردهـا هـؤالء الـطـالبB لـلـتـدلـيـل بـهـا عـلـى «صحة»احلسد وفعالية «العمل»n Bاذج صارخة للتفكير ا9ضـاد لـلـعـلـمB أو للتفكير الذي لم يسمع عن شيء اسمه العلم. بـل إنـنـي صـادفـت أكـثـر مـن حالة كان فيها أساتذة جامعيون يدافعون بحرارة عن «كرامات» إنسان طيب من أصدقائهمB يستطيع أن يحقق أمنياته {جرد التفكير فيـهـاB أو يـعـرف احلالة الصحية لقريب يسكن بلدا بعيدا دون أن يتصل بهB أو يجعل السيارة تسير مسافة كبيرة وهي خالية من الوقود! فإذا كان هذا هو حال «الصفوة» (وأنا ال أعمم بطبيعة احلال) فماذا يكون حال البسطاء من الناس? وكيـف نأمل في بناء مجتمع يساير العصر بعقول تعشش فيها أمثال هذه اخلرافات? أما عقبة «السلطة»B فلها في مجتمعنا العربي دور ال يستهان به. ور{ا كان من أسباب رسوخ فكرة السلطةB أن مجتمعاتنا العربيةB في أصلهاB أما ّدزراعية وأما قبليةB وفي احلالتc يكون اجملتمع «تقليديا» مياال إلى التقـي
احلرفي بسلطة القد“ وا9وروث والشائع وا9شهورB وينظـر إلـى الـتـجـديـد على أنه «بدعة»B والى حتدي التقاليد على أنه هرطقة وجتديف. وليس في Bفي اجملتمعات الغربية احلديثة Bوسع أحد أن ينكر أن االنهيار التام للسلطة Bقد ولد تفككا وانحالال يشكو منه ا9فكرون في تلك البالد ذاتها مر الشكوى ومن ثم فان وجود قدر معc من السلطةB في األسرة مثالB هو أمر مرغوب فيه. ولكني أخشى أن أقول أن اخلضوع للسلطةB في بعض اجملاالتB يفوق في مجتمعنا احلد الالزم مـن اجـل حتـقـيـق الـتـمـاسـك وجتـنـب االنـحـالل. فالسلطة في اجملال االجتماعيB والسياسيB والفكريB ما زال لها في بالدنا دور يزيد عما هو مطلوب في عصر يتسم-سواء رضينا أم كرهنا-بالتجديد والتغير السريع اإليقاع. وهناك خوف حقيقي من أن تتحول فضيلة الترابط والتماسكB التي يبعثها وجود سلطة تفرض على اآلخرين اخلضوع لهاB إلى رذيلةB أو على أحسن الفـروض إلـى سـد مـنـيـع يـقـف حـائـال دون اكـتـسـاب العقول لذلك القدر من ا9رونة والتحررB الذي ال بد منه لقيام نهضة علمية
في أي شعب. فإذا انتقلنا إلى عقبة «إنكار قدرة العقل»B وجدنا هـذه الـعـقـبـة تـصـول وجتول في عا9نا العربي. ومن ا9ؤسف أن تأثير هذه احلقبة ال يرجـع إلـى أننا نتمسك بقوة أخرىB كاحلدس مثالB نعدها منـافـسـة لـلـعـقـلB أو نـؤكـد
91
عقبات في طريق التفكير العلمي
أهمية التجربة الشخصية ا9باشرة على حساب ا9عرفة العلمية ا9وضوعية الالشخصيةB بل إننا نتأثر بهذه العقبة {عناها الفـج: أعـنـي {ـعـنـى عـدم اإلqان بأن العقل قادر على حتصيل العلم أو عدم اإلqان بقيمة العلم ذاته. وهناك فئة من الكتاب يجدون متعة كبرى في احلط مـن قـدر هـذا الـعـقـل الذي هو أعظم ملكاتناB وهو الذي qيزنا عن سائر الكـائـنـاتB وهـو الـذي صنع لإلنسان حضارة وتاريخاB وجعل له هذا ا9ركز ا9ميـز لـلـكـون. هـؤالء الـكـتـابB فـي اجتـاهـهـم هـذاB هـم أشـبـه بـضـحـايـا مـرض «تـعـذيــب الــذات
masochismالذين يستمتعون كلما أحلقوا األذى بأنفسهـم. بـل إنـنـا لـنـجـد « B«cمنهم من يجهد «عقله» ويتف¬ في إيراد «األدلة» و «الشواهد» و «البراه وكلها من صنع «العقل» نفسهB لكي يحط من شأن العقـل! وكـل مـا يـجـنـيـه Bالناس اعتقاد بأن الغموض والسر يحيط بكل شيء cهؤالء هو أن يسود ب وبأن االستسالمB والعجز عن الفهم والتفسير هو احلالة ا9ثـلـى لـإلنـسـان. وهكذا تشيع اجلهالةB ويصبح اإلنسان أعزل أمام شتى أنواع الدجل والشعوذة الفكرية التي يتطوع الكثيرون بتقدqها بديال عن التفكير العقلـي ا9ـنـظـم. ولو شئنا أن نكون منصفc ألنفسناB أمناء على مستقبل أبنائناB لطبقنا على أصحاب هذه الدعوات نفس األحكام التي نطبقـهـا عـلـى جتـار اخملـدرات- ألنهم بالفعل ال يزيدون عن أن يكونوا مروجc للمخدرات وا9سكرات الفكرية! عقبة «التعصب» فقد كان من حسن حظ العرب أن دينهم وحضـارتـهـم ظلت {نأى عن هذا الداء الوبيلB بحيث أصبحت األمة العربية تزهو على سائر األ بتسامحها وسعة صدرها. وال يعني ذلك أن تـاريـخـنـا قـد خـال خلوا تاما من التعصبB فقد ظهرت بالفعل حاالت هنـا أو هـنـاكB ولـكـنـهـا كانت خروجا عن التيار العام للتاريخ العربيB لم تكن تطل برأسـهـا إال فـي عهود الضعف وانفالت الزمام. ومع ذلك فإننا نعانيB في وقتنا الراهنB من لون آخر من ألوان التعصبB هو االعتقاد الباطـل بـأن ا9ـوضـوع الـواحـد ال qكن أن يكون فيه إال رأي واحدB وبأن كـل مـا عـداه بـاطـل. وإذا كـان هـذا االعتقاد مفهوما في ميدان احلقائق العلمية فانه غيـر مـفـهـوم فـي مـيـدان احلياة السياسية واالجتماعيةB حيث يعد االختالف في الرأي «رحمة» بكل cوحـيـث يـنـبـغـي أن تـسـود روح احلـوار بـ Bما حتمله هذه الكلمة من معنى األطراف ا9تعددةB حتى تتكشف اجلوانب اخملتلفة لتلك احلقيـقـة ا9ـعـقـدة
92
التفكير العلمي
Bما أسرع ما تضيق صدورنا Bالتي يشكلها الواقع السياسي واالجتماعي. ولكن في العالم العربيB با9عارضةB وما أسهل اتهام أصحاب الرأي اآلخر بالعمالة واخليانةB ور{ا الكفرB جملرد انهم ال يسيرون في الركاب السلطاني للرأي الواحد. هذا هو نوع التعصب الذي تـسـتـفـحـل شـروره فـي عـا9ـنـا الـعـربـي ا9عاصرB والذي يعد عقبة كبرى في طريق التفكير العلمي فـي مـيـدان مـن
أهم ميادين احلياةB أال وهو تنظيم اجملتمع. وأخيراB فان عقبة اإلعالم ا9ضلل تشكلB في مجتمعنا العربيB خـطـرا داهما على عقولنا وقدرتنا على التفكير ا9وضوعي. فأجهزة اإلعالم عندنا ال تعبرB في معظم األحيانB إال عن ذلك «الرأي الواحد» الذي كنا نتحدث عنه في صدد العقبة السابقة. وهي ال تكتفي بالتضليلB بل تشجع التفاهة وترعاها بكل عناية. وهكذا نتصور أن وسائل اإلعالم اجلماهيريةB كاإلذاعة والتلفزيونB أدوات للترفيه فحسبB وننسى دورها اجلبار في نشر الثقافـة اجلادة وتشجيع القيم الفكرية األصيلة وخاصة بc أبناء شعب يحتاج إلى
هذه القيم احتياجا شديدا لكي يعوض تخلفه الطويل. وخالصة القول أن قدرتنا على أن نفكر في األمورB سواء منها ما يتعلق بالعلم أو بحياة اإلنسان ومجتمعهB تفكيرا علمـيـا سـلـيـمـاB مـهـددة تـهـديـدا خطرا بتلك العقبات التي ال تزال 3ارس تأثيرها الضار في عقل اإلنسان العربي دون كابح أو ضابط. ولقد سبق لكاتب هذه السطور أن دعا مـرارا إلى أن نحمي األجيال اجلديدة من أبنائنا-إن كنا يائسc من األجيال القدqة- من هذه العقبات عن طريق إدخال ا9بادu األولية للتفكير العلميB بطريقة شديدة التبسيطB في برامجنا التعليميةB بحيث يتنبه النشء منذ صغره إلى خطورة ا9ظاهر التي يراها في اجملتمع احمليط به للخرافة والسلطة ا9تطرفة Bالخ... وهاأنذا أنتهز الفرصة ألعيـد تـرديـد هـذه الـدعـوة Bوكراهية العقل آمال أن يتأثر بكلماتي هذه مسئول ذو نفوذB ومتمنيا أن يكون هذا ا9سئول من االستنارة بحيث يدرك مدى أهمية ا9وضوع الذي أدعو إليه-وهي أمنية
أرجو إال تكون عزيزة ا9نال!
93
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
املعالم الكبرى في طريق العلم
Bلست أود أن أقدم في هذا الفصل تاريخا للعلم إذ أن هذا التاريخ من االتساع ومن الشمول بحيث يتعc على من يتصدى له أن يعرض لتاريخ احلضارة البشرية كلهاB ولتاريخ العقل اإلنساني بأكملهB وتلك مهمة يستحيل إجنازها-بأدنى حد من الكفاءة-فـي
مجلد واحدB فما بالك بفصل واحد في كتاب? بل إن ما أود أن أقوم به هاهنا هو تقد“ عرض موجز للمراحل الرئيسية في طريـق الـعـلـمB أعـنـي لنقاط التحول الكبرى خالل تـاريـخ الـعـلـم دون أي خوض في تفاصيل هذه ا9ـراحـل. ومـن شـأن هـذا العرض أن يقدم إلينا في الـوقـت ذاتـه حملـة عـامـة عن التطور الذي طرأ على معنى «العلم». ذلك ألن العلم ظاهرة قدqة وظاهرة حديثة فـي آن واحـد: انه قد“ إذا نظرت إليه بأوسع واشمل معانيهB أي على أنه كل محاولة يبذلها الـعـقـل الـبـشـري لـفـهـم نفسه والعالم احمليط به. ولكن هذا ا9عنى الواسع الشامل أخذ يزداد دقـة عـلـى مـر الـعـصـورB وأخـذ نطاق العلمB وأسلوب ارستهB يتحـدد عـلـى نـحـو أدق من مرحلة إلى أخرىB حتى وصل في النهـايـة
3
94
التفكير العلمي
إلى وضعه الراهن. وهكذا سوف تكون مهمتنا في هذا الـفـصـل مـزدوجـة: فهي من وجهة عرض موجز ألهم ا9عالم في تاريخ العلمB وفي الوقت ذاتـه فان هذا العرض سيتيح لنا أن نرى كيف تشكل معنى العلم بالتدريجB وعلى مر العصورB وكيف تخلص العلم بعناء وبطء شديد من ا9فاهيم غير الدقيقة التي كانت عائقا في وجه تقدمهB وكيف تبلورت مناهج وأساليب ارسته حتى أصبحتB في عصرنا احلديثB أفضل nوذج للدقة واالنـضـبـاط فـي
استخدام العقل البشري.
العالم القدمي: من الصعب أن يحدد ا9رء نقطة بداية لذلك النـوع مـن الـنـشـاط الـذي نطلق عليه اسـم العلمB إذ أن كل سلوك كان يقوم به اإلنسـانB مـنـذ عـهـوده البدائية السحيقةB قد أسهم بغير شك في تهذيب تفكيره وصقله على نحو يساعد على ظهور العلم في مرحلة الحقة. ومثل هذه الظواهر البشرية ال تنطوي على مفاجآت أو على انبثاق مباغت بال 3هيدB بل إن كل شيء فيها يتدرج ببطء شديد في البدايةB ثم تتـسـارع خـطـاه حـc يـتـم االهـتـداء إلـى
الطريق الصحيح. وهكذا فان ا ال شك فيه أن التجارب شديدة البطءB التي مرت بـهـا اإلنسانية في عصورها البدائيةB قد أكسبتها خبرات أدى تراكمها في ا9دى الطويل إلى ظهور البوادر األولى للتفكك العلمي. ولكنB 9ا كانت هذه العصور البدائية 3ثل مرحلة «ما قبل التاريخ»B فلن نستطيع-في مثل هذا الـعـرض B«ا سنبدأ من «ا9راحل التاريـخـيـةnوإ Bا9وجز-أن نتخذ نقطة بدايتنا منها أعني من تلك احلضارات القدqة التي تركت لنا وثائق تعيننا على معرفـة تاريخهاB. سواء اتخذت هذه الوثائق شكل كتابات مدونة أو آثار مادية تتيح
للمرء أن يستنتج منها نوع احلياة ونوع الفكر السائدين لديها. وكما نعلم فان أقدم احلضارات اإلنسانية قد ظهرت في الشرق. ففـي هذه ا9نطقة من العالم التي نعيش فيهـا اآلنB ظـهـرت مـنـذ عـدة آالف مـن السنc حضارات مزدهرة في أودية األنهار الكبرىB كالنيل والفراتB والى الشرق منها في أنهار الهند والصc. وتدل اآلثار التي خلفتها هذه احلضارات Bبالقياس إلى عصرها Bاجمليدة على أنها كانت حضارات ناضجة كل النضج
95
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
ومن ثم فقد كان من الضروري أن ترتكز في نهضتها على أساس من العلم. وإذا كانت هذه احلضارات الشرقية القدqة تبعد عنا في الـزمـان {ـا Bفقد ظهرت في العصر القد“ أيضا Bسبعة وخمسة آالف سنة cيتراوح ب Bحضارة أخرى عظـيـمـة Bولكن في وقت أقرب إلينا بكثير من ذلك العصر هي احلضارة اليونانية القدqةB التي يرجع تاريخها إلى ما يقرب من ألفي وخمسمائة عامB وهي بدورها حضارة كان من مظاهر ازدهارها وجود علم
ناضج. وهنا جند أنفسنا إزاء السؤال الذي تـثـيـره هـذه ا9ـرحـلـة الـقـدqـة فـي تاريخ العلمB وأعني به: إذا كان من احملتم علينا أن نبدأ هذا التاريخ {رحلة احلضارات القدqةB التي بقيت لدينا منها وثائق تعيننا على فهمـهـاB فـهـل نتخذ نقطة بدايتنا من احلضارات الشرقية أم من احلضارة اليونانية األحدث منها عهدا? وهل ظهرت األصول األولى للعلـم فـي الـشـرقB أم أن مـا ظـهـر هناك كان بوادر أولى ال تستحق أن تعد بداية حقيقية للعلمB الذي لم تظهر
معا9ه احلقيقية إال فيما بعد عند قدماء اإلغريق? هذا السؤال هوB فـي واقـع األمـرB احملـور الـذي يـنـبـغـي أن تـدور حـولـه مناقشتنا لتلك ا9رحلة األولى في طريق العلم. وسوف نبدأ كالمنا باإلجابة التقليدية عن هذا السؤالB أعني تلك التي جندها في معظم مراجع تاريخ
العلمB وخاصة ما كان منها أقدم عهدا. ففي احلضارات الشرقية القدqة تراكمت حصيلة ضخمة من ا9عارف ساعدت اإلنسان في هذه احلضارات على حتقيق إجنازات كبرىB مازالت آثارها تشهد بعظمتها حتى اليوم. ولكن هذه ا9عارف لم تكن سوى خبرات Bر{ا كانت راجعة في اصلها إلى أقدم العصور البدائية لإلنـسـان Bموروثة
وقد ظلت تورث جيال بعد جيلB وساعدت على إثراء حياته العقلية. ذلك ألن هذه الشعوب التي عاشت في الشرق القد“ كانت بارعـة فـي االستخدام «العملي» للمعارف ا9وروثةB ولكنها لم تكن 3لك نفس القدر من البراعة في التحليل العقلي «النظري» لهذه ا9عارف. كانـت لـديـهـا خـبـرات تتيح لها أن حتقق إجنازات عملية هائلة ولكنها لم تتوصل إلـى الـنـظـريـات الكامنة وراء هذه اخلبراتB ولم تخضعها لـلـتـحـلـيـل الـعـلـمـي الـدقـيـق. أمـا احلضارة التي توصلت إلى هذه ا9عرفة «النظرية»B والتي توافرت لإلنسان
96
التفكير العلمي
فيها القدرة التحليلية التي تتيح له كشف «ا9بدأ العام» من وراء كل تطبيق عمليB فهي احلضارة اليونانية.
وهكذا qكن تشبيه العالقة بc حـضـارات الـشـرق الـقـد“ واحلـضـارة اليونانيةB فيما يتعلق بنشأة العلمB بالعالقة بc ا9قاول وا9هندس. فا9قاول Bهو في معظم األحيان شخص اكتسب قدرا هائال من اخلـبـرات الـعـمـلـيـة سواء عن طريق التلقc أو ا9مارسةB ولوال القوانc التي تسنها الـدول فـي عصرنا احلديث لكان في استطاعة معظم ا9قاولc أن يشيدوا أبنية سليمة تودي كل األغراض التي نتوقعها من البناء. أما ا9هنـدس فـهـوB إلـى جـانـب إ9امه ببعض اخلبرات العمليةq Bتلك «العلم النظري» الذي يتيح له معرفة
نه من التصرف بحرية واخلروج عن الـقـواعـدّ«أسس» عملية البـنـاءB وqـك ا9ألوفة في حالة وقوع أي طارu. ولو قارنا بc ا9قاول وا9هندس من حيث النتائج العملية للجهد الذي يقومان بهB 9ا كان الفارق بينهما كبيراB الن كال منهما يستطيعB في الغالبB أن يشيد بناء متماسكا متـيـنـا. أمـا االخـتـالف بينهما فهو في نوع ا9عرفة التي يعمل وفقها كل منـهـمـاB وهـل هـي مـعـرفـة تطبيقية مستمدة من خبرات متراكمةB أم معرفة نظرية تعتمد على التحليل
والبراهc ا9قنعة للعقل. وهناك مثل مشهور يضرب في معظم ا9راجع التي تتناول هذا ا9وضوع لتوضيح الفارق بc هاتc احلضارتc في هذا الصدد: فقد اهتدى ا9صريون القدماء باخلبرة إلى أن مجموع ا9ربعc ا9قامc على ضلعي ا9ثلث القائم الزاوية يساوي ا9ربع ا9قام على وتر هذا ا9ثلث. وكانوا يـسـتـخـدمـون هـذه احلقيقة بطريقة عملية في أعمال البناء: فعندما كانوا يريدون التأكد مـن أن اجلدار الذي يبنونه عمودي على سطح األرضB كـانـوا يـصـنـعـون مـثـلـثـا
أو مضاعفاتهاB حتى يضمنوا أن هذا ا9ثلث سيكون قـائـم٥ و ٤ و ٣أبعاده هوB٤ ومربع ٩ هو ٣الزاويةB ومن ثم يكون اجلدار عموديا بحق (الن مربع
). وقد ظلت هذه احلقيـقـة تـسـتـخـدمB٢٥ أي B٥ ومجموعهمـا هـو مـربـع ١٦ عندهم بطريقة عملية تطبيقيةB دون أن يحاولوا إثباتهـا بـالـدلـيـل الـعـقـلـي Bبل إن الرغبة في إيجاد مثل هذا الدليل لم تتملكهم علـى اإلطـالق Bا9قنع الن كل ما يهدفون إليه هو الوصول إلى نتيجة عملية ناجحةB وهذه النتيجة الناجحة تتحقق بتطبيق القاعدة فحسبB ولن يزيدها االهتداء إلى الدليل
97
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
العقلي جناحا. وفي مثل هذا اجلو يستحيل أن يظهر العلمB ألن العلم هو فـي أسـاسـه بحث عن ا9بادu العامةB ال عن التطبيقات اجلزئيةB وهو سعي إلى القاعدة Bوليس اكتفاء بتحقيق أهداف عملية. ولذلك فان العلم لم يظهـر Bالنظرية Bالذين كان يتملكـهـم حـافـز آخـر Bالقدماء cإال عند اليوناني Bللمرة األولى يضاف إلى حافزB اإلجناز العمليB هو الرغبة في االقتناعB ولم تكن عقولهم
تهدأ إال حc تهتدي إلى الدليل القاطع والبرهان ا9قنع. هذه باختصارB هي الصورة التقليدية التي كان مؤرخو العـلـم يـصـورون بها العالقة بc احلضارات الشرقية القدqة واحلضارة اليونانية في موضوع نشأة العلم. ونود أن نبدي على هذه الصورة بضع مالحظات نـعـتـقـد أنـهـا
على جانب كبير من األهمية: ١cاحملدث cإذ أن األوروبي Bفهذه الصورة ال تخلو من التحيز احلضاري -
هم أحفاد احلضارة اليونانيةB وهم ينتسبون إليها انتـسـابـا مـبـاشـراB عـلـى حc أن احلضارات الشرقية القدqة ال 3ت إليهم بصلةB ومـن هـنـا فـقـد دأب ا9ؤرخون األوروبيونB وخاصة في عصر اشتداد الروح القومية خـالل القرن التاسع عشرB على 3جيد احلضارة اليونانية-حضارة األجداد-وحتدثوا طويال عن «ا9عجزة اليونانـيـة»B أي عـن ذلـك اإلجنـاز الـهـائـل الـذي حـقـقـه اليونانيون فجأةB دون أية مقدمات تذكرB ودون أن يكونوا مدينc ألي شعب سابقB وعن ذلك الوليد الذي ظهر إلى الوجود يافعا هـائـل الـقـوة.. وكـلـهـا تعبيرات ال qكن أن تخلو من عنصر التحيزB ال سيما وأن أحفاد احلضارات الشرقية القدqة كانوا هم الشعوب الواقعة حتت قبضة االستعمار األوروبي في ذلك احلBc وكانوا يعاملون على انهم شعوب «من الدرجة الثانية»B ومن ثم كان من الطبيعي أن تكون احلضارات التي انحدروا منها حضارات «من
الدرجة الثانية» أيضا. - وتفترض هذه الصورة التقليدية الشائعة انـفـصـاال تـامـا بـc مـيـدان٢
اخلبرة العملية وميدان البحث العلمي النظري. فهي ترتكز على االعـتـقـاد بأن شعبا معينا يستطيع أن يكدس خبرات موروثة 9دة آالف السنc ويحقق بواسطتها إجنازات هائلة-كالهرم األكبر مثال-دون أن يكون قد توصل خالل
ن أساسا لهذه اخلبرات. ومـثـل هـذاّذلك إلى النظريات العلميـة الـتـي تـكـو
98
التفكير العلمي
االعتقاد ينطوي على مبالغة في الفصل بc اجلوانـب الـعـمـلـيـة واجلـوانـب النظرية للمعرفةB وهو فصل ال تبرره جتربة الـبـشـريـة ذاتـهـا فـي مـخـتـلـف العصور: فعندما تتراكم لدى مجتمع معc خبرات عملية طويلةB يكون مـن الطبيعي أن تقوده هذه اخلبرات ذاتها إلى بعض النظريات الـعـلـمـيـة عـلـى cاألقل. وليست النظرية ذاتها إال حصيلة لتطبيقات عديـدة. فـا9ـالقـاة بـ النظرية والتطبيق عالقة متبادلةB بحيث أن ا9مارسة العملية 3هد الطريق إلى كشف النظرية العلميةB كما أن الوصول إلى النظرية يفتح البـاب أمـام كشف تطبيقات جديدة مثمرة. أما القول بأن هناك شعبا لم يعـرف طـوال تاريخه إال تطبيقات وخبرات عمليةB وشعبا آخـر تـوصـل ألول وهـلـةB ومـن تلقاء ذاتهB إلى األسس النظرية للعلمB فانه زعم يتنافى مع التجارب الفعلية
للبشريةB فضال عن تناقضه مع ا9نطق السليم. ٣Bعلى أن هذه الصورة التقليدية قد أخذت تتغير مالمحها بالتدريـج -
وساعدت على ذلك عدة أمور: Bأ- أولها تقدم البحث العلمي والتاريخي ذاته. فقد أحرز العلم التاريخي في ميدان احلضارات القدqةB تقدما هائال في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرينB ومازال هذا التقدم مستمرا حتى يومنا هذا. وفـي كل كشف جديد كان العلماء يلقون مزيدا مـن الـضـوء عـلـى حـيـاة الـقـدمـاء وفكرهمB حتى أصبحنا نعـرف الـيـوم عـن هـؤالء الـقـدمـاء اكـثـر ـا كـانـت اإلنسانية تعرف عنهم في عهود قريبة منهم-عن الناحية الزمنية-كل القرب. وكانت كل هذه الكشوف اجلديدة في ا9يدان التاريخي تشيـر إلـى حـقـيـقـة واحدة: هي أن التضاد بc احلضارة اليونانية واحلضارات الشرقية القدqة cالـيـونـانـيـ cوأن عـوامـل االتـصـال بـ Bليس باحلـدة الـتـي كـان يـصـور بـهـا والشرقيc القدماء كانت أقوى ا كنا نتصـور. وكـان كـل كـشـف تـاريـخـي cبالكثـيـر لـلـسـابـقـ cكانوا مدين cأن اليوناني Bبشكل متزايد Bجديد يؤكد عليهم من الشرقيBc ال سيما وان االتصاالت بc هاتc ا9نطقتc لم تنقطع حلظة واحدةB سواء أكانت اتـصـاالت سـلـمـيـة عـن طـريـق الـتـجـارة وتـبـادل cاليوناني cأو اتصاالت حربية في ا9عارك التي لم تتوقف ب Bاخلبرات والسلع
وبc الشعوب الشرقية. ب- أدرك الباحثون أن الكالم عن «معجزة» يونانية ليس من الـعـلـم فـي
99
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
Bودون سوابق أو مؤثرات خارجية Bقد أبدعوا فجأة cشيء. فالقول أن اليوناني uهو قول يتنافى مع ا9باد Bومنها العلم Bحضارة عبقرية في مختلف ا9يادين cالعلمية التي تؤكد اتصال احلضارات وتأثيرها بعضها ببعض. وعلـى حـ أن لفظ «ا9عجزة» يبدو في ظاهره تفسيرا لظاهرة االنبثاق ا9فاجئ للحضارة اليونانيةB فانه في واقع األمر ليس تفسيرا ألي شيءB بـل انـه تـعـبـيـر غـيـر مباشر عن العجز عن التفسير. فحc نقول أن ظهور العلـم الـيـونـانـي كـان جزءا من «ا9عجزة اليونانية»B يكون ا9عنى احلقيقي لقولنا هذا هـو أنـنـا ال
نعرف كيف نفسر ظهور العلم اليوناني. وال جدال في أن ا9كان الذي ظهرت فيه أولى ا9دارس الفلسفية والعلمية اليونانيةB هو في ذاته دليل على االتصال الوثيـق بـc احلـضـارة الـيـونـانـيـة واحلضارات الشرقية السابقة. فلم تظهر ا9درسة الفكرية األولى في أرض اليونان ذاتهاB وإnا ظهرت في مستوطنة «أيونية» التي أقامها اليـونـانـيـون على ساحل آسيا الصـغـرى (تـركـيـا احلـالـيـة)B أي فـي أقـرب أرض نـاطـقـة باليونانية إلى بالد الشرقB ذوات احلضارات األقدم عهدا. وهذا أمر طبيعي الن من احملال أن تكون هذه اجملموعة من الـشـعـوب الـشـرقـيـة قـريـبـة مـن اليونانيc إلى هذا احلدB وأن تتبادل معها التجارة على نطاق واسعB وتدخل .cالطرف cدون أن يحدث تفاعل ب Bمعها أحيانا أخرى في حروب طويلة جـ- اقتنع العلماء بأن من ا9ستحيل جتاهل شهادة اليونـانـيـc الـقـدمـاء أنفسهم. فقد شهد فيلسوفهم األكبر «أفالطون» الذي كان في الوقت ذاته عا9ا رياضياB بفضل احلضارة الفرعونية على العلم والفكر اليونانيB وأكد أن اليونانيc إnا هم «أطفال» بالقياس إلى تلك احلضارة القدqة العظيمة. cوهناك روايات تاريخية كثيرة حتكى عن اتصال كبار فـالسـفـة الـيـونـانـيـ وعلمائهم-ومنهم أفالطون ذاته-بـا9ـصـريـc الـقـدمـاء وسـفـرهـم إلـى مـصـر
وإقامتهم فيها طويال لتلقى العلم. وا9شكلة الكبرى في هذا الصدد هي أن األدلة ا9باشرة على هذا االتصال العلمي قد فقدت. فعلى حc أن كثيرا من اإلجنازات العلمية اليونانية قـد ظلت باقيةB فان ما أجنزته احلضارات الشرقيةB في باب العلم النظري أو األساسيB ال يكاد يعرف عنه شيء بطريق مباشرB ومعظم ما نـعـرفـه عـنـه غير مباشرB أي من خالل التطبيقات العملية لهـذا الـعـلـم كـمـا تـتـمـثـل فـي
100
التفكير العلمي
اآلثار الباقية من هذه احلضارات. ومن األسبـاب الـتـي يـعـلـل بـهـا الـبـعـض Bأن الفئة التي كانت 3ارسه كانت فئة الكهنة Bضياع العلم الشرقي القد“ التي حرصت على أن حتتفظ {علوماتها العلمية سرا دفيناB تتنـاقـلـه هـذه الفئة جيال بعد جيلB دون أن تبوح بـه إلـى غـيـرهـاB حـتـى تـظـل مـحـتـفـظـة لنفسها بالقوة والنفوذ وا9هابة التي تولدها ا9عرفة العلميةB وحتى تـضـفـي Bهالة من القداسة أمام عامة الناس Bوعلى اآللهة التي تخدمها Bعلى نفسها الذين ال يعرفون عن العلم شيئا. وفضال عن ذلك فهناك كـوارث طـبـيـعـيـة وحروب كثيرة وحرائق متعمدة أو غير متعمدةB أدت بدورها إلى ضياع مـا
ن من هذا العلم في كتب. ونـتـيـجـة هـذا كـلـه هـي أنqّكن أن يكـون قـد دو cعلى حـ Bمعلوماتنا عن األصول النظرية للعلم القد“ تكاد تكون منعدمة أن معظم ما أجنزه اليونانيون ظل باقياB ـا سـاعـد عـلـى نـسـبـة الـفـضـل األكبرB في بدء ظهور العلمB إلى اليونـانـيـBc وجـعـل مـن ا9ـسـتـحـيـل إجـراء مقارنة بc العلم اليوناني والعلم الشرقي القد“B أو تبيان مقدار ما يديـن
به اليونانيونB في علومهم: للحضارات الكبرى التي سبقتهم. تلك هي ا9الحظات التي نود أن نعلق بها على التصور التقليدي الشائع للعالقة بc العلم اليوناني وعلوم احلضارات الشرقيةB وهى تؤدي بنا إلـى القول بأن هذا التصور يفتقر إلى الدقةB ور{ا كان مرتكزا على أسس غير علمية. ولكن الصعوبة الكبرى التي جتعل من العصر رفضه كلية هـي-كـمـا قلنا-النقص الشديد في معلوماتنا عن األصول النظرية للعلوم التي توصل إليها الشرقيون القدماءB ولذا ال يجد الباحثون في هذا ا9وضوع مفرا من االحتفاظ بقدر من هذه الصورةB مع اقتناعهمB في قرارة أنفسهمB بافتقارها
إلى الدقة. cفان نفس هذه الدوافع العملية التي تنسب إلى الشرقي Bوعلى أية حال القدماءB هي التي qكن أن تكون قد أدت إلى ظهور بدايات العلم النظري لديهم. فهناك ارتباط وثيق بc عملية البنـاء-بـنـاء ا9ـسـاكـن أو الـقـصـور أو ا9عابد-وبc ظهور علم الهندسةB إذ أن من الضروري حساب مساحة البناء Bإلجنـازه cمن اجل معرفة كمية ا9واد الالزمة لبنائه وعدد العمال الالزمـ كما أن قوالب احلجارة لن تتالصق إال إذا كانت مستقيمةB وال بد أن تكون جدران البناء كلها قائمة الزوايا لضمان سالمـتـه. وهـكـذا تـرتـبـط عـمـلـيـة
101
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
البناء {عان أساسية في علم الهندسة كاخلط ا9ستقيم والزاوية الـقـائـمـة وحساب ا9ساحات.
ومن ناحية أخرىB فقد كانت شعوب معظم احلضارات الشرقية القدqة شعوبا زراعيةB الن هذه احلضارات ظهرت-كما قلنا-على ضفاف أنهار كبرى. وكانت عملية الزراعة تتطلبB من أجل جناحهاB معلومات فلكية كثـيـرةB إذ أن من الضروري حساب ا9واسم الزراعية حـتـى qـكـن زرع احملـصـول فـي الوقت ا9ناسبB وال بد من توقيت دقيق لعمليات وضع البذور وري األرض وجني احملصول: الخB فضال عن ضـرورة حـسـاب مـواعـيـد فـيـضـان الـنـهـر والتغير في حالة الطقس. وهكذا كان من الضروري أن تعرف هذه احلضارات حساب الفصول والسنBc وكانت أدق التقوqات الفلكية هي التي عرفتـهـا cة وحضارة بالد ما بqكاحلضارة ا9صرية القد Bحضارات زراعية عريقة
النهرين. وكان من الـعـوامـل األخـرى الـتـي أدت إلـى تـقـدم عـلـم الـفـلـك فـي هـذه احلضارات أن كثيرا من شعوبها كانت 3ارس التجارةB وحتتاج إلى ا9الحة البحرية على نطاق واسعB ومن ثم كان الرصد الفلكي الدقيق ضروريا في
عمليات توجيه السفن في أعالي البحار. وأخيراB فقد كان للمعتقدات واألديان الشعبية تأثير هام في nو معارف علمية كثيرة. وحسبنا أن نذكر في هذا الصدد أهمية العقيدة الدينية عند Bالـتـي حتـقـقـت تـلـبـيـة 9ـطـالـب ديـنـيـة Bالفراعنة في عمليات البناء الهائلـة كاألهرامات وا9عابد الضخمةB وكذلك احلاجة إلى تخليد اإلنسانB والرغبة في قهر اإلحساس بفنائهB التي حفزتهم إلى اكتساب ا9قدرة اخلارقة على التحنيطB واإلqان بالتنجيم ومعرفة الطالع من التطلع إلى النـجـومB الـذي أعطى بعض الناسB في تلك ا9رحلة القدqةB طاقة هائلة من الصبر أتاحت لهم أن يقوموا {الحظات وعمـلـيـات رصـد مـرهـقـةB أضـافـت إلـى رصـيـد البشرية في ميدان الفلك معلومـات لـهـا قـيـمـة ال تـقـدر. ولـنـذكـر فـي هـذا Bفي أوربا ذاتها Bالتنجيم وعلم الفلك قد ظل قائما cالصدد أن االرتباط ب حتى مطلع العصر احلديثB وأن كبار علماء الفلك حتى القرن السابع عشر كانوا منجمc في الوقت ذاتهB ولم يكونوا يجدون أي تعارض بc ا9الحظة الفلكية ا9تأنية الرقيقة وبc البحث عن طالع حاكمB أو التنبؤ بنتيجة معركة
102
التفكير العلمي
حربية وشيكة احلدوثB من خالل النجوم. في كل هذه احلاالت كانت هناك مقتضيات عملية حتمت على احلضارات الشرقية القدqة البحث في علوم معينةB ومـا دامـت هـذه احلـضـارات قـد جنحت في حتقيق تلك ا9قتضيات العملية جناحا رائعاB فال بد أن نستنتج أن حصيلتها العلمية في هذه ا9يادين لم تكن ضئيلة. وانه 9ن الـصـعـب أن يتصور ا9رء أن أولئك العباقرة الذين بنوا األهرامات بتلك الدقـة ا9ـذهـلـة في احلسابB بحيث لم يخطئوا إال {قدار بوصة واحدة في محيط قاعدة
B والذين ابتدعوا فن الضرب والقسمةB)١( قدما ٧٥٥ ٣/٤الهرم األكبر البالغ Bوأنهم لم يكونوا إال أصحـاب جتـارب مـوروثـة B«ال يستحقون اسم «العلماء شكلت مجموعة من القواعد واخلبرات العملية التي استعانوا بها في حتقيق هذه اإلجنازات. ومن الظلم أن نأبى اسم «العلم» على تلك ا9علومات الفلكية الرائعة التي توصل إليها هؤالء القدماءB وعلى الكشوف الرياضية الـهـامـة التي كانت ضرورية من اجل إجراء احلسابات الفلكيةB وغيرها من األغراض. ومن قصر النظر أن نتصور أن تلك ا9علومات الكيـمـائـيـة الـعـظـيـمـةB الـتـي أتاحت للمصريc القدماء أن يصبغوا أنسجة مالبسهم وحوائط مبـانـيـهـم بألوان ما يزال بعضها زاهيا حتى اليومB أو التي مكنتهم من حتنيط جـثـث ظلت سـلـيـمـة 9ـدة تـقـرب مـن األربـعـة آالف عـامB ال تـسـتـحـق اسـم «الـعـلـم التجريبي». وقل مثل هذا عن مجاالت كثيرة ال بد أن هذه احلضارات قـد جمعت فيها بc اخلبرة العملية وا9علومات النظريةB كالطب وصناعة العقاقير
والهيدروليكا (الري والسدود واخلزانات) الخ. وإذنB فلم تكن نشأة العلم يونانيـة خـالـصـةB ولـم يـبـدأ الـيـونـانـيـون فـي استكشاف ميادين العلم من فراغ كاملB بل إن األرض كانت هدة لهم في بالد الشرق التي كانت جتمعهم بها صالت جتارية وحربية وثقافيةB والتي كانت أقرب البالد جغرافيا إليهم. وإذا كانت احللقة ا9باشرةB فيما يتعـلـق Bهي حلقة مفقودة Bcبانتقال العلوم األساسية من البالد الشرقية إلى اليوناني فان ا9نطق والتاريخ والكشوف ا9تتابعة تؤكد لنا أنها ال بد كانت موجودة. على أن هذا ال يعني على اإلطالق أننا ننكر فضل اليونانيc في ظهور العلم. واحلق أن االعتقاد بضرورة وجود أصل واحد للمعرفة العلمية وتصور واحد يرجع إليه الفضل في ظهورهاB ر{ا كان عادة أوروبية سيئة يـنـبـغـي
103
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
التخلص منها. فإصرارنا على تأكيد أهمية الدور الذي أسهمت به حضارات الشرق القد“B ال يعني أبدا أن اليونانيc كانوا مجرد ناقـلـBc أو انـهـم لـم يأتوا في ميدان العلم بجديد. وليس هناك على اإلطالق ما qنع من وجود أصول متعددة أسهم كل منها في ظهور مفهوم معc من مفاهيم العـلـمB أو جانب معc من جوانبهB مع اعترافنا بأن لكل من هذه األصولB في ميدانه
اخلاصB فضال يستحيل إنكاره. ذلك ألن االعتقاد بأن للعلم أصال واحداB يفترض أنه كان هناك شـيء محدد ا9عالم اسمه «العلم» ظهر منذ أقـدم احلـضـارات اإلنـسـانـيـة. وهـذا افتراض ال يقوم على أساس: إذ أن معنى العـلـم نـفـسـه قـد اسـتـغـرق وقـتـا طويال جدا كيما يتبلور. ور{ا كان عمر «العلم»B {ـفـهـومـنـا احلـالـي لـهـذا اللفظB ال يزيد عن أربعمائة سنةB ولكن هذا ال يعني أن كل ما سبق ذلك لم يكن «علما»B بل لقد كان العلم في طريقه إلى التشكل والـتـحـددB وكـان كـل عصر يضيف إليه عناصرB ويحذف منه عناصر أخرى. فلقد كان من الطبيعي أن يختلف العلمB في مراحله األولىB بعناصر غريبة عنهB كاألساطير والشعر والعقائد القدqة والرغبات واألماني البشريةB وعلى رأسها رغبة اإلنسان في أن يعيش في عالم يتسم بالنظام واجلمالB ويكون متعاطـفـا مـعـه. ولـم يكن من ا9مكن في تلك ا9هود القدqةB لن يضع العقل البشرى حدا فاصال بc ما هو علم وما ليس بعلمB بل أن كل هذه العناصر كانت 3تزج في وحدة واحدة يستحيل التمييز فيـهـا بـc مـا هـو أصـلـي ومـا هـو دخـيـل. وفـي كـل مرحلة جديدة من مراحل تقدم العلمB كانـت الـبـشـريـة تـتـوصـل إلـى بـعـض العناصر الغريبة التي تشوه بناء العلمB فتستبعدهاB وتضيف عناصر أخرى
كانت مفقودة في ا9راحل السابقة. وليتذكر القارu ما قلناه في مستهل هذا الفصل مـن أن الـعـرض الـذي سنقدمه 9راحل تطور العلم هو ذاته عرض لتطور «معنى» الـعـلـم. فـإذا لـم يكن العلم قد حتددت معا9هB وإذا لم يكن شكال من أشكال النشاط العقلي اإلنسانيB خالل تاريخه الطويلB فلن يكون من حقـنـا عـنـدئـذ أن نـقـول أن حضارة معينة هي التي يرجع إليها الفضل في ظهور الـعـلـمB بـل أن كـل مـا qكننا أن نقوله هو أن هذه احلضارة يرجع إليها الفضل في إضافة عنصر هام إلى مفهوم العلمB واستبعاد عناصر ضارة من هـذا ا9ـفـهـوم. فـإذا كـان
104
التفكير العلمي
هذا هو الوضع الصحيح للمسألة فـلـن يـكـون هـنـاك مـا يـحـول دون نـسـبـة الفضل في ظهور العلم إلى عدة حضارات متالحقةB أدى كل منها دورة في
تشكيل معنى العلم خالل مراحل التاريخ. فما الذي أضافه اليونانيون إذن إلى العلمB وما هي العناصر التي كانت متداخلة فيه من قبلB والتي أدركوا أن من الواجب حترير العلم وتخليصـه
منها? لو نظرنا إلى اإلجنازات العملية التي حققـهـا الـيـونـانـيـونB والـى اآلثـار ا9ادية التي خلفوهاB 9ا وجدناها 3ـتـاز كـثـيـرا عـن تـلـك الـتـي تـركـتـهـا لـنـا احلضارات الشرقية األقدم منهم عهدا. فهم من هذه النـاحـيـة لـم يـكـونـوا Bأكثر تفوقا من غيرهم. ولكن أعظم إجنازاتهم كانت في الناحية النظـريـة cأي في ا9عارف العلمية {عناها «العقلي» البحت. فقد كانت لدى اليوناني Bجعلتهم ال يهتمون باألمثلة اجلزئية ألية ظـاهـرة Bقدرة هائلة على التعميم وإnا يركزون على أعم جوانبهاB أو على قانونها الـعـام. فـهـمB عـلـى سـبـيـل ا9ثالB ال يبحثون في خصائص ذلك ا9ربع الذي يكونه سقف بيت معBc أو حقل مزروعB بل كان ما يهمهم هو خصائص «ا9ربع» بوجه عامB أي ا9ـربـع في ذاتهB بغض النظر عن اجلزئيات التي يتحقق فيهاB بل حتى ولو لم يكن
متحققا في الواقع على اإلطالق. وهكذا توصل اليونانيون إلى سمة عظيمة األهمية من سمات العلمB هي «العمومية والشمول»B وقد عبر أرسطو عن هذه السمة بوضوح في عبارته ا9شهورة: «ال علم إال {ا هـو عـام». وال شـك فـي أن هـذه الـسـمـة ال زالـت مالزمة للعلم حتى يومنا هذاB وان كنا نقبلها اليوم بتحفظات معينة ال يتسع اجملال هنا للحديث عنها. فمنذ العصر اليوناني أصبحنا ندرك أن العلم ال يتعلق بدراسة حاالت فردية لذاتهاB وإnـا يـنـبـغـي أن جنـعـل هـذه احلـاالت وسيلة لالنتقال إلى كشف اخلصائص العامة «للنوع» بأكملهB أو لـالهـتـداء إلى «القانون» الشامل الذي يـسـرى عـلـى كـل األفـرادB وعـلـى حـc أن هـذه السمة تبدو اليوم في نظرنا أمرا مألوفاB فإنها قد احتاجت إلى وقت طويل حتى استقرت دعائمها عند مفكري اليونان وعلمائهمB الذين أصروا عليها
.cوجنحوا في فرضها على األذهان منذ ذلك احل Bفي كل ما كتبوا وإذا كان العلم يتصف بالعمومـيـةB ويـبـحـث فـي قـوانـc األشـيـاء ال فـي
105
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
حاالتها الفرديةB فانه بطبيعته يتسم «بالتجـريـد» وهـي سـمـة أخـرى تـفـوق فيها اليونانيون إلى أقصى حـدB و3ـكـنـوا مـن جـعـلـهـا جـزءا ال يـتـجـزأ مـن خصائص العلم منذ ذلك احلc. واحلق أن اليونانيc كانوا من أقدر شعوب األرض على التعمق في اجملردات والبحث فيها بال كلل. ولن نـسـتـطـيـع أن ندرك فضلهم في هذا الصدد إال إذا تذكرنا أن اجلانب األكبر من البشر ما زالوا حتى اليوم يجدون عناء كبيـرا فـي الـتـفـكـيـر فـي األمـور اجملـردة مـدة طويلة: فمعظم الناس يشعرون بالـعـنـاء إذا قـضـوا سـاعـة فـي قـراءة كـتـاب فلسفي يتسم بشيء من العمقB ألنه يتعامل مع أفكار مجردةB وال يتعامل مع أشياء ملموسة أو أشخاص محسوسc كما هي احلال في الروايات األوربية وا9سرحيات الفنية. كذلك يجد الكثيرون حتى اليوم صعوبة في التعامل مع األرقامB بل إن عددا كبرا من الناس يأبون قراءة الكتاب إذا تصفحوه فوجدوا Bفيه أرقاما كثيرة. وما زالت دروس الرياضة تكون عقدة في نفوس الكثيرين ن يعتقدون-عن خطأ في الغالب-أن عقـولـهـم لـم تـخـلـق لـهـذا الـنـوع مـن العلوم. فالتفكير اجملرد يحتاج إلى جهد وعناء يصعب على كثير من الناس cمنـذ ألـفـ Bكانت لديهم cحتى في عصرنا احلاضر. ولكن اليوناني Bبذله
وخمسمائة عامB قدرة خارقة على التعامل مع اجملردات بال كلل. لذلك كانت أعظم اإلجنازات العقلية التي توصل إليها اليونـانـيـون هـي تلك التي 3ت في ميدان الفلسفة والرياضيات. والواقع أن احلد الفاصـل Bcالفكر الفلسفي والعلم الرياضي قد أزيل عند معظم الفالسفة اليوناني cب بحيث كانوا ينظرون إلى الرياضة على أنها مرحلة من مراحل التفلسفB أو
على أنها تدريب أو «ترويض» للذهن يهيئه للتعمق في الفلسفة. بل إن مفهوم العلم ومفهوم الفلسفة كانا متداخلc ومتشابكc عندهـم إلى أبعد حد. فلم يكن هناك نشاط واع مستقل اسمه «العلـم»B وإnـا كـان
نتج ما نسميه نحـنُهناك سعي عقلي واحد يتجه نحو ميادين مـتـعـددةB وي cولكنه كان عند اليوناني Bتبعا لنوع ا9يدان الذي يتجه إليه Bفلسفة أو علما
«معرفةد أو «حبا للحكمة» فحسب. و9ا كان هذه ا9عرفة أو احلكمة اليونانية هو معرفة ما هو عامB والوصول إلى القوانc اجملردة لألشياءB فقد كان من الطبيعي أن يكون العلم اليوناني علما «نظريا» قبل كل شيء. وتلك في احلق هي ا9يزة الكبرى التي ينسبها
106
التفكير العلمي
مؤرخو الفكر الغربيون إلى احلضارة اليونانيةB ويرون فيها احلد الـفـاصـل فترض أن االعتباراتُبc الفكر اليوناني وكل تفكير سابق له. فعلى حـc ي
العملية وحدها هي التي كانت حترك احلضارات السابقة إلى جمع ا9علومات العلميةB فان اليونانيc بحثوا عن العلم من أجل العـلـم فـحـسـبB وإلرضـاء نزوع العقل إلى ا9عرفةB دون أن يكون لهم من وراء ذلك هدف عملي. ولقد كان تفوقهم في ا9عارف العقلية اخلالصةB كالفلسـفـة والـريـاضـيـاتB أكـبـر شاهد على ذلكB وكانت قدرتهم الفائقة على التجريد هي التي أتاحت لهم
.cأن يستكشفوا أبعد اآلفاق في هذين ا9يدان ولكي يقتنع العقلB على ا9ستوى النظريB فال بـد لـه مـن الـوصـول إلـى «األدلة» و «البراهc» القاطعة. ولقد كان هذا البحث عن «البرهان» مطلبا أساسيا في الفكر اليوناني. فلم يكن هذا الفكر يقبل أية قضية ما لم يقتنع بها عن طريق دليل يفرض نفسه على العقل فرضا. ولم يكن يكتفي بالنتائج النافعة أو السلوك العملي الناجحB بـل كـان يـبـحـث دائـمـا عـن «األسـبـاب». Bالـفـالح ا9ـدرب cنـقـارن بـ Bcوجهتي النظـر هـاتـ cولكي ندرك الفارق ب وعالم الزراعة. فالفالح اخلبير يتبع أساليب معيـنـةB مـعـظـمـهـا مـجـرب أو موروثB تؤدى به إلى أن يجنى محصوال ناجحاB ولكنه ال يحاول أن يتساءل: «9اذا» يؤدي اتباع هذه األسالـيـب إلـى زيـادة احملـصـولB بـل ر{ـا رأى ذلـك سؤاال عقيماB ما دامت النتيجة ا9طلوبة-وهى احملصول الوفير-قد حتققت. أما العالم الزراعي فان هدفه األول هو البحـث عـن «الـسـبـب»B والـنـتـيـجـة الناجحة ليست في نظره كافيةB بل ليست هي الهدف ا9طلوبB وإnا الهدف احلقيقي هو «معرفة األسباب». ومن أجل سعيه إلى هذا الهدف كان عا9ا. ولو تعاملنا مراحل حياة الفرد لوجدنا أن مرحلة الوعي الفكـري عـنـده مرتبطة ارتباطا وثيقا بهذا البحث عن األسباب. فالسؤال «9اذا» هو اخلطوة األساسية في طريق اكتساب ا9عـرفـة خـالل حـيـاة كـل إنـسـان. وإنـا لـنـجـد Bالطفل في السنوات األولى حلياته يستجيب لدوافعـه وحـاجـاتـه ا9ـبـاشـرة دون محاولة للبحث عن سبب أي شيءB ولكنه في ا9رحلة التي يبـدأ فـيـهـا وعيه في التفتحB والتي يود فيها أن «يعرف» نفسه والعالم احمليط بهB يظل Bوقد يصل في تـرديـده إلـى حـد اإلمـالل Bيردد السؤال «9اذا»? بال انقطاع كما أنه قد يسأل عن أسباب أشيـاء ال حتـتـاج إلـى تـعـلـيـلB ولـكـن ا9ـهـم أن
107
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
مرحلة الوعي عند الطفل مرتبطة بالسؤال عن األسباب. ومثل هذا يـقـال عن اإلنسانية كلها: فعندما تتخطى مرحلة الفعل ورد الفعل ا9باشرB ومرحلة االستجابة للحاجات األوليةB وتبدأ مرحلة الوعي بالعالم ومحاولة تفسيره عقلياB تكون عالمة نضجها هي أنها ال تأخذ الظواهر على ما هي عليهB وال Bقبـل كـل شـيء Bا تبحثnوإ Bتكتفي باستخدامها لتحقيق أهدافها العملية عن أسبابها. ولهذا السبب بعينه كانت احلضارة اليونـانـيـة تـعـدB فـي نـظـر
كثير من ا9ؤرخBc نقطة البداية احلقيقية للعلم. Bإلى ذلك ا9ثل ا9شهور الذي ضربناه من قـبـل Bفي هذا الصدد Bولنعد والذي يرد ذكره في معظم الكتب التي تعالج هذا ا9وضوعB وهو مثل ا9ثلث القائم الزاوية. فقد 3كن القدماءB كما قلناB من االستفادة من خـصـائـص هذا ا9ثلث في أغراض عمليةB ولكن اليونانيc لم يقنعهم مثل هذا االستخدام العمليB بل كان سعيهم يتجه إلى «البرهنة» (أي تقد“ األسباب في صورة Bومقنعة للذهن) على اخلصائص ا9عروفة لـهـذا ا9ـثـلـث Bمتسلسلة منطقيا وهي أن مربع الوتر يساوى مجموع مربعي الضـلـعـc اآلخـريـن. وكـان هـذا السعي إلى إيجاد «البرهان» والتوصل إلى «األسباب» العقلية هو الذي جعل الهندسة عند اليونانيc تصبح علماB على حـc أنـهـا كـانـت قـبـل ذلـك فـنـا
يكتسب باخلبرة وا9مارسة فحسب. هذه النظرية الهندسية اخلاصـة بـا9ـثـلـث الـقـائـم الـزاويـةB تـنـسـب إلـى الرياضي والفيلسوف اليوناني ا9شهورB فيثاغورس. على أن قيمة فيثاغورس -cوذجا 9ا وصلت إليه الروح العلمية عند اليونانيn كن اتخاذهq هذا-الذي ال تقتصر على هذه النظرية ا9عروفةB بل لـقـد انـتـقـل فـي مـجـال آخـر مـن حقيقة مشاهدة بسيطةB إلى تقد“ نظرية كاملة عن العالمB كان لها تأثيرها األكبر في العصور الالحقة: وان كان هذا اجلانب من تفكيره أقل شهرة من نظريته الهندسية ا9عروفة. فقد أدرك فيثاغورس وجود عالقة بc النغمة الصوتية وطول الوتر الذي تصدر عنه النغمة عـنـدمـا يـتـذبـذب. وهـذا هـو ا9بدأ الذي يسير عليه ا9وسيقيون عندما تسير أصابع يدهم اليسرى جيئة وذهابا على األوتار في اآلالت الوترية لكي جتعل للوتر-تبعا 9وضع اإلصبع-
طوال معيناB هو الذي يحدد النغمة التي تصدر عنه. هذه احلقيقة البسيطة لم تكن كافيـة السـتـخـالص نـتـائـج ذات أهـمـيـة
108
التفكير العلمي
كبيرةB بل أن األهم منها هو أن هذه العالقة بc النغمة الصوتية وطول الوتر qكن التعبير عنها بنسب رياضية معينـة: فـإذا قـصـرت الـوتـر إلـى نـصـفـه تصدر نغمة «اجلواب» (أي الصوت الثامن في السلم ا9وسيقي)B وإذا قسمت
كانت النغمة هي الصوت الرابع. ومعنى ذلك أن األصوات٣/٢الوتر بنسبة الرئيسية في السلم ا9وسيقي يعبر عنها بنسب ريـاضـيـة ثـابـتـةB أو بـعـبـارة أخرى أن التآلف والتناغم هو حقيقة رياضـيـةB ومـن ثـم فـان مـا جنـده فـي الكون بأكمله من انسجام إيقاعي أشبه باللحن ا9وسـيـقـيB ومـن انـضـبـاط ودقة تعبر عنها القوانc الطبيعـيـة الـثـابـتـةB يـرتـد آخـر األمـر إلـى الـصـيـغ الرياضية اجملردة. وكانت حصيلة هذا كله هي عبارة فيثاغورس ا9شهورة:
«العالم عدد وتوافق أو نغم». في هذا االجتاه الذي سار فيـه فـيـثـاغـورس نـهـتـدي إلـى بـذرة الـنـظـرة العلمية إلى العالم: إذ أنه أرجع االختالف في الكيفيات (أي في األصوات) إلى مجرد اختالف في الكم (أي في طول األوتار)B وعمم هذه احلقيقة على الكون بأكمله حc جعل العالم كله «عددا وتوافقا»B أي مقادير كمية ونسبا أو عالقات بينها. كذلك فانه فـي هـذه الـعـبـارة يـعـبـر عـن سـمـة هـامـة مـن سمات التفكير العلميB هي محاولة الكشف عما يوجد وراء ا9ظهر السطحي لألشياء. فاألصواتB كما تدركها آذانناB تثير فينا أحاسيس متباينةB ولكن من وراء هذا العالم «الظاهر» كلهB توجد حقيقة أساسية واحدةB هي النسب العدديةB التي qكن بواسطتها التعبير عن أي اختالف صوتي. وهـنـا جنـد تلك التفرقة احلاسمة بc «مظهر األشياء وحقيقتها»B وهي تفرقة كان لها دور كبير في الفكر اليونانيB ولوالها ألصبح التفكير العلمي مستحيال: إذ أن جوهر هذا التفكير هو أال ننبهر بالشكل الظاهر لـألشـيـاءB وال نـنـسـاق
وراءهB وإnا نحاول البحث عما يكمن وراءه من حقائق أساسية. ويترتب على هذه التفرقة بc ا9ظهر واحلقيقةB إرجاع األشياء احملسوسة إلى معان مجردةB الن من طبيعة الـعـلـم أن يـجـرد الـظـواهـر مـن مـظـهـرهـا العادي ا9لموسB ويعبر عنهـا فـي صـيـغ مـجـردةB مـن مـعـادالت أو نـسـب أو عالقات رياضية. ذلك هو ا9ثل األعلى الذي يحاول العلم حتقيقه في جميع اجملاالت. فأقصى ما يحلم به العالم هو أن يتمكن من التعبـيـر عـن كـل مـا
يحدث في الطبيعة بقوانc ذات صبغة رياضية.
109
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
ور{ا كنا قد أطلنا قليال في التعـقـيـب عـلـى هـذه الـعـبـارة الـتـي قـالـهـا «فيثاغورس»B ولكننا قد اتخذنا منها أnوذجا يكشف لنا عن طبيعة اإلجناز الذي حتقق على أيدي اليونانيـBc ويـضـع أمـامـنـا ا9ـثـل األعـلـى الـذي كـان الفكر اليوناني يتطلع إليه. وال شك أن القارu قد أدركB من خالل ما قلناه عن هذا اإلجنازB أن اليونانيc القدماء قد تركوا في التراث العلمي البشري آثارا ال 3حيB وأنـهـم خـطـوا أولـى اخلـطـوات فـي ذلـك الـطـريـق الـذي لـم تستكشف البشرية بقية معا9ه إال بعد وقت طويل من انتهاء عهد احلضارة
اليونانية القدqة بأسرها. على انه إذا كان اليونانيون قد خلفوا للبشرية عنـاصـر أسـاسـيـة ظـلـت مالزمة 9فهوم العلم في عصور تقدمه الالحقةB وإذا كان التفكير الـعـلـمـي مدينا لهم بأول حتديد دقيق لطبيعة ووظيفة هذا النوع من ا9عرفةB الـذي نسميه علماB فان تصورهم للعلم كان في الوقت ذاته مشوبا بعيوب أساسية
ن عائقا هاما في وجه nو العلمB ور{ا كانت بـعـضّظلت هي األخرى تكـو آثارها الضارة ال تزال مالزمة للعلمB في بعض جوانبهB حتى يومنا هذا.
وبطبيعة احلالB لم يكن اليونانيون أنفسهم على وعـي بـوجـود عـنـاصـر صحيحة وعناصر باطلة في تصورهم للـعـلـم. فـقـد كـان هـذا الـتـصـور فـي نظرهم متكامالB يؤلف وحدة واحدة اقتنع بها أصحابها اقتناعا تاما. ولكن Bالتطور الالحق للعلم قـد عـمـل عـلـى تـثـبـيـت بـعـض جـوانـب هـذا الـتـصـور فأصبحت في نظرنا هي اجلوانب اإليجابيةB على حc أنه سعى إلى التخلص من جوانب أخرى هي التي نعدها سلبية. واحلكم ما هو إيجابي أو سلـبـي يتم في هذه احلالة من خالل وجهة نظر العصـور الـالحـقـةB بـعـد أن أتـيـح
الزمن في فكرة اليونانيc عن العلمB وأيّلإلنسان أن يتبc ماذا فعل مضى عناصرها استطاع أن يصمد خالل التاريخB وأيها أثـبـت أنـه عـائـق يـنـبـغـي
التغلب عليه. والواقع أن نفس العناصر التي اكتسب بفضلها العلم اليـونـانـي سـمـاتـه ا9ميزةB هي التي انقلبت إلى عيوب بسبب تطرف اليونانيc في تأكيدهـا. فاليونانيون قد أسدوا إلى البشرية خدمة كبرى حc أكدوا أن ا9عرفة لكي تكون صحيحة يجب أن تنصب على احلقائق النظريةB والعامةB ويـجـب أن ترتكز على براهc مقنعة. ولكنهم بالغوا في تأكيد هذه الصفات إلـى حـد
110
التفكير العلمي
أحلق الضرر بتصورهم للعلمB ولم تتمكن اإلنسانية من إزالة هذا الضرر إال بعد مضي وقت طويل جداB كان فيه العلم شبه متوقـفB وكـان مـن ا9ـمـكـن استثماره على نحو أفضل بكثير لـو لـم يـكـن اجلـانـب الـسـيـئ مـن الـتـصـور
اليوناني للعلم هو الذي ساد طوال هذه الفترة. فعندما أكد ا9فكرون اليونانيون أن هدف العلم هو «النظرية» التي تسير الظواهر وفقا لهاB وليس القدرة على استغالل هذه الظواهر واالنتفاع بها في اجملال التطبيقيB كانوا في الواقع يؤكـدون سـمـة أسـاسـيـة مـن سـمـات العلم. ولكنهم لم يكتفوا بذلكB بل 3سكوا بالتأكيد ا9ضادB وهو أن العلم ال عالقة له {جال التطبيقB وال صلة له بالعالم ا9ادي بأكملهB وإnا الواجب أن يكون العلم «عقليا» فحسب. فا9ثل األعلى للعالمB في نظرهمB هو ا9فكر النظريB الذي يستخلص احلقائق كلها بالتأمل النظريB أما محاولة تدعيم هذه احلقائق {شاهدات أو مالحظات أو جتارب جنريها على العالم احمليط بناB فكانت في نظرهم خـارجـة عـن الـعـلـمB بـل أنـهـا حتـط مـن قـدر الـعـلـم Bفيلسوف اليـونـان األكـبـر Bبل إن أفالطون .cوجتعله مجرد «ظن» أو تخم الذي كان في الوقت نفسه ذا إ9ام واسع بالرياضياتB قد عاب عـلـى أحـد علماء الهندسة التجاءه إلى «رسم» أشكال هندسـيـة إليـضـاح-حـقـائـق هـذا العلمB ورأى أن إعطاء علم رفيع كالهندسة صورة محسوسة qـكـن رؤيـتـهـا بحاسة كالعBc هو إنزال لهذا العلم من مكانته ا9اليةB فـيـصـبـح جـزءا مـن Bبينما ينبغي لكي يظل محتفظا {كانتـه Bعالم األشياء ا9رئية واحملسوسة إال نستخدم فيه التفكير العقلي وحدهB فتظل حقائق الهندسة «عقلية» على
الدوام. ويطول بنا احلديث لو حاولنا أن نتتبـع مـظـاهـر هـذه الـنـظـرة الـعـقـلـيـة اخلالصة إلى العلمB ومدى تطرف ليونانيc في تأكيدهاB كما أن اجملال ال يتسع للتحدث طويال عن األسباب احملتملة إلصرار اليونانيc عليها. وحسبنا أن نقول أن هذا التأكيد ا9تطرف للعلـم الـنـظـريB عـلـى حـسـاب الـتـطـبـيـق
:cر{ا كان راجعا إلى أحد عامل Bالعلمي فمن ا9مكن أن يكون مرتبطا بنظرة إلـى الـعـالـم ا9ـادي عـلـى انـه عـالـم ناقصB والى العالم الروحي والعقلي على انه عالم الكمالB وهي نظرة ر{ا كانت قد تسربت إلى الفكر اليوناني عن طريق معتقدات شرقية قدqة كان
111
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
لها تأثيرها في كثير من اليونانيc. ومن ا9عروف أن فيثاغورس نفسه كانت له «طريقة»-أشبه بالطريقة الصوفية-تأثرت طقوسها وشعائرها وتعاليمها بالعقائد الشرقية تأثرا بالغاB كما أن أفالطون سار في اجتاه اثل. هذا االزدواج بc عالم رفيعB غير ماديB وعالم وضيع هو العالم ا9اديq Bكن أن يكون قد انعكس على نظرة اليونانيc إلى العـلـمB وأدى إلـى االعـتـقـاد بـأن العلم اجلدير بهذا االسم هو العلم العقلـيB وأن مـجـرد اقـتـراب الـعـلـم مـن العالم الطبيعيB ومحاولته حل مشاكلهB يقضي على كل ما هو رفيع في هذا
العلم. ومن ا9مكن أن يكون هذا التطرف في تأكيد العلم العـقـلـي راجـعـا إلـى التقسيم الذي كان سائدا في اجملتمع اليوناني-الذي كان مجـتـمـعـا يـسـوده نظام الرق-بc ا9واطنc األحرار وبc العبيد. ذلـك ألن الـعـبـيـد كـانـوا هـم الذين يقومون باألعمال اجلسمية واليدوية الشاقةB أي أنهم هم الذين كانوا يتصلونB في عملهم اليوميB بالعالم ا9اديB وبذلك كانوا يوفرون ألسيادهم األحرار الوقت واجلهد الذي يسمح لهم {مارسة التفكير واجلدل واحلوار في ا9سائل النظرية اخلالصة. وكان من الطبيعي في هذه احلالة أن تنعكس مكانة اإلنسان على نوع العمل الذي qارسهB بحيث يرتبط العالم ا9ادي في أذهانهم بالوضع االجـتـمـاعـي ا9ـنـحـطB ويـرتـبـط الـعـالـم الـعـقـلـي بـالـوضـع االجتماعي الرفيعB وبحيث يؤكدون في النهاية أن اجلهد الالئق باإلنـسـان الكر“B وا9ثل األعلى الذي ينبغي أن يسعى اإلنسان إلى حتقيقهB هو التأمل النظري الذي ال تشوبه من ا9ادة شائبةB وأن االقتراب من العالم ا9ادي فيه
حط من كرامة اإلنسان. وعلى أية حال فقد أدى ذلك إلى جتاهل اليونانيc 9بدأ تطبيـق الـعـلـم في حل ا9شكالت الفعلية للعالم. وبالرغم من أن تفوقهم الهائل في التفكير النظريB في ميادين الفلسفة والرياضيات وما يتصل بهاB يشهد بأن قدراتهم العقلية كانت تازةB فانهم لم يـكـونـوا مـيـالـc أصـال إلـى اسـتـخـدام هـذه القدرات ألغراض تطبيقيةB فكانت نتيجة ذلك انهم تركوا للعالم فكرا نظريا رائعاB ومنهم لم يتقدموا خطوة تستحق الذكر في ا9يدان التطبيقي. ولقـد
عبر عن هذه احلقيقة العالم اإلجنليزي الكبير «برنال» حc قال: «أن الروعة العقلية والفنية لليونانيq cكن أن تبهرنا إلى حد يـصـعـب
112
التفكير العلمي
علينا معه أن نتبc أن تأثير معرفتهم وذكائهم كان مرتبطا با9ظـاهـر أكـثـر ا كان مرتبطا باحلقائق العملية وا9ادية للحياة. فجـمـال ا9ـدن وا9ـعـابـد Bورياضتهم وفلسفـتـهـم cودقة منطق اليوناني Bوالتماثيل واألواني اليوناني Bتخفى عنا حقيقة أن أسلوب احلياة في معظم شعوب البالد ا9تحضرة كان عند سقوط اإلمبراطورية الرومانيةB اثال إلى حد بعيد 9ا كان عليه قبل cة (عند ا9صريqعندما انهارت احلضارة البرونزية القد Bذلك بألفي عام القدماء والبابليBc الخ..) ولو استثنينا بعض التحسينات الطفيفة في الري وشق الطرقB وبعض األساليب اجلديدة في العمـارة الـضـخـمـة وتـخـطـيـط ا9دنB فان العلم اليوناني لم يطبق إال على نطاق ضيق. وليس في هذا مـا cإذ أن العلم-أوال-لم يكن يلـقـى اهـتـمـامـا مـن ا9ـواطـنـ Bيدعو إلى الدهشة ميسوري احلال ألي هدف من هذا النوعB بل كان هؤالء يحتقرون مثل هذه Bذا طابـع كـيـفـي Bاألهداف-وثانيا-الن العلم الذي توصلوا إليه كان محدودا إلى حد يستحيل معه استخدامه على نطاق عملي واسعB حتـى لـو اسـتـقـر
(٢)عزم العلماء على ذلك.» وهكذا تركت احلضارة اليونانية والرومانية العالم دون أن يتغير كثـيـرا عمـا كـان عـلـيـه فـي احلـضـارات الـسـابـقـةB مـن حـيـث اإلجنـازات الـعـمـلـيـة والتطبيقيةB وأن كان اليونانيون قد هزوا عقل اإلنسان هزا عنيفاB وأيقظوا فيه التطلع إلى معرفة القوانc اجملردة واألسس النظرية التي بنيت عليها Bبرغم امتياز عقولهم Bاخلبرات ا9تراكمة منذ القدم. ولم ينجح اليونانيون في اجلمع بc النظرية والتطبيقB فكان لهم بذلك علم قادر على تغيير عقل
اإلنسانB دون أن يكون قادرا على تغيير العالم. cخالل احلديث السابق عن مبالغة اليوناني Bأن يلمح uوفي وسع القار في تأكيد اجلانب النظري للعلمB نتيجتc سلبـيـتـc كـان مـن الـضـروري أن يؤدي إليها هذا الفصل القاطع بc عالم النظريةB الذي هو وحده اجلدير باهتمام ا9فكر اليونانيB وعالم الواقع أو العالم ا9اديB الذي وضعه الفكـر اليوناني في مرتبة دنيا من حيث جدارته بأن يكون موضوعا للبحث العلمي. النتيجة األولى هي التفرقة بc مراتب العلومB والثانية هي العجز عن تطبيق النظريات الرياضية على البحث في عالم الطبيعة. فلنتحـدث عـن كـل مـن
هاتc النتيجة على حدة.
113
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
ففي كتابات الفالسفة اليونانيc جند تفرقة واضـحـة بـc عـلـوم عـلـيـا وعلوم دنياB أو علوم شريفة وعلوم وضيعة. ويكون العلم شريـفـا كـلـمـا كـان ا9وضوع الذي يبحثه أرفعB وكلما كان منهج بحثه أقرب إلى ا9نهج العقـلـي Bهي األفالك Bألنه يبحث في كائنات علوية Bالصرف. فالفلك مثال علم رفيع التي كانت في نظر احلضارات القدqة كلها كـائـنـات سـمـاويـة رفـيـعـة لـهـا طبيعة تسمو على الطبيعة األرضية. والرياضيات علم رفيعB ألننا ال نحتاج في ارستها وتعلمها إال إلى العقل وحده. ومثل هذه التفرقة بc مـراتـب Bالعلوم كان من الضروري أن تأتى بنتائج سيئة على تطور التفكير العلـمـي إذا أنها أدت إلى استبعاد موضوعات عظيـمـة األهـمـيـة مـن مـجـال الـعـلـوم Bبوصفها علما يبحث في ا9واد وتفاعالتها Bاجلديرة باالهتمام. فالكيمياء مثال لم يكن من ا9مكن أن تظهر بc اليونانيc الن موضوعها غيـر جـديـرB فـي نظرهمB باهتمام العالمB والن طريقة بحثها ليست عقلية بحتةB بـل حتـتـاج إلى تعامل مع ا9ادة. ولو تصورنا أن أحدا قد اقترح على اليونانيc البحث في علم كاجليولوجياB لقوبل منهم بسخرية مريرةB إذ أنه يبحث فيما يوجد في باطن األرضB وفي العالم األدنىB عـلـى حـc أن الـعـالـم ال يـلـيـق بـه إال البحث في األمور العليا. ولو تخيـلـنـا أن عـا9ـا لـلـحـشـرات قـد زار الـيـونـان القدqةB 9ا وجد منهم إال االزدراءB الن احلـشـرات الـتـي يـبـحـثـهـا كـائـنـات منحطة. وهكذا أحلق الفكر اليوناني ضررا بالغا {فهوم العلم حـc أصـر على أن يضع العلوم في مراتب متسلسلةB منها الرفيع ومنها الوضيع. وكان ال بد من جهد كبير لكي يحقق الفكر البشري ا9ساواة بc جميع علومهB وال يرى أيا منها جديرا باالزدراء. بل إن العلمc «احملتقرين» السابقc يحتالن Bيتوصل مثال إلى كشف بترولي هام cفي عالم اليوم مكانة رفيعة: األول ح والثاني حc يهتدي إلى وسيلة تخلص البشرية من آفة مثل دودة القطن أو ديدان البلهارسيا. وإذا كان هناك تسلسل في ا9راتب بc علوم اليومB فان ا9رء يكاد يشعر بأن الترتيب قد انعكسB الن العلوم التي تبحث في األشياء Bهي التي أصبح لها مكان الصدارة Bا9ادية: كالطبيعة والكيمياء وعلم األحياء على حc أن العلوم العقلية جتاهد لكي جتد لنفسها مكانا إلى جانب العلوم
الطبيعية. أما النتيجة الثانيةB فهي أن احلرص على أن تظل العلوم العقلية محتفظة
114
التفكير العلمي
بنقائهاB بعيدا عن أدران العالم ا9اديB قد أدى إلى انفصال العلوم الرياضية Bوا ملحوظـاn cفنمت الرياضيات على أيدي اليوناني Bعن العلم الطبيعي ولكنهم لم يحاولوا تطبيقها على مشكالت الطبيعةB واستخدامها أداة للتعبير Bالعالم ا9ادي. وهكذا كان العلم الطبيعي يعانى من اإلهمال أوال cعن قوان ومن االنصراف عن تطبيق الرياضيات في صياغة قوانيـنـه ثـانـيـا. وكـانـت Bإلى العالم الطبيعي بالتخلف الشديد cنتيجة ذلك أن اتسمت نظرة اليوناني وأدى عدم تطبيق الرياضيات (الكمية) عليه إلى سيادة النظرة «الـكـيـفـيـة» إلى األشياء. فحc يتحدثون عن خصائص العناصر الطبيعية يصفونها من خالل «كيفيات» فيقولون أنها حارة أو باردةB خفيفة أو ثقيلةB أما التـعـبـيـر «باألرقام» عن درجة احلرارة أو الوزن فلم يخطر ببالهمB الن الرياضة فـي نظرهم لها عا9ها الرفيع الذي ال ينبغي أن يقترب من عالم األشياء األرضية. وال شك أن هذه النظرة «الكيفية» إلى العلم الطبيعي كانت تعنى تخلفا تاما في هذا العلمB فال غرابة في أال يبدأ بحث الطبيعة بحثا علميا دقيـقـا إال
بعد انقضاء عصر احلضارة اليونانية بقرون متعددة. ولقد سبق أن ذكرناB ضمن ا9زايا التي اتسم بها العلم اليونانيB بـحـثـه عما هو «عام» في الظواهرB وقلنا أن هذه سمة أساسية في كـل عـلـمB الن العلم ال يهتم باألفراد إال بقدر ما qثلون القاعدة أو القانون «العام». ولكن اليونانيc كانوا مغالc في هذه الصفة بدورها. فقد بالغوا في التعميم إلى حد أنهم كانوا يطلقون كثيرا من األحكـام ا9ـتـسـرعـةB وجتـاهـلـوا الـسـمـات الفردية ا9ميزة للظواهر إلى حد االكتفاء بأوسع وأعم صفاتهاB أعنى تلك
الصفات التي ال تفيد كثيرا في تقدم العلم. وكان من نتيجة ذلك أن احلد الفاصل بc العلم الفلسفة لم يكن موجودا عند اليونانيBc وإnا كان هناك نوع واحد من «ا9عرفة»B قد تختلف وسائله أحياناB ولكنه qثل في كل احلاالت نشاطا عقليا واحدا. وإذا كانت الفلسفة جتد في هذا التوحيد بينها وبc العـلـوم أيـام الـيـونـانـيـc مـصـدرا لـلـفـخـر واالعتزازB فتتباهى بأنها «أم العلوم» التي خرج كل علم من حضنها عندما شب عن الطوقB فان العلم يجد في هذا التوحيد ذاته سببا من أهم أسباب تخلفه: إذ أن البحث العلمي شيء والتفكير الفلسفي شيء آخر. وصحيح أن Bكالتفكير ا9نظم واالحتكام إلى ا9نطق السليم Bعناصر مشتركة cاالثن cب
115
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
ولكن الطريقc يفترقان في ا9نهج وفي الهدف وكـل مـحـاولـة لـلـبـحـث قـي ا9وضوعات العلمية بالطريقة الفلسفـيـة ال بـد أن تـؤدى إلـى تـأخـر الـعـلـم. Bوهكذا فان العلم يرد على تباهى الفلسفة فـيـقـول انـه يـعـتـرف بـأمـومـتـهـا ولكنه ال ينسى أن هذه األم كانت متسلطة على بنيها أكثر ا ينبغـيB ولـم تعترف باستقاللهم إال رغما عنهاB وفي وقت تأخر حلوله أكثر ا يجب. وأخيرا فإني أود قبل أن أختم هذا العرض لسمات التفكير العلمي في
العصور القدqةB أن أشير إلى أمرين لهما أهمية خاصة: أول هذين األمرين هو أن الصورة التي قدمتها للتفكير القد“B وخاصة عند اليونانيBc ال تتناول سوى اإلطار العام وحده. ولـو كـان اجملـال يـتـسـع للمعاجلة التفصيلية ألمكننا أن نشير إلى وجود حـاالت لـلـتـفـكـيـر الـعـلـمـي اليوناني تخرج عن هذا اإلطار الذي أشرنا إليهB كما هي احلال في البحوث الطبيعية والبيولوجية ذات الطابع التجريبي عند أبقراط وجالينوسB أو في Bأو في ذلك ا9نهج العلمي الـدقـيـق Bكشوف أرشميدس في ميدان الفيزياء Bالذي كان يتبع في مدرسة اإلسكندرية Bالذي يقترب كثيرا من ا9نهج احلديث وهي مدرسة يونانية متأخرة كانت أساليب البحث فيها مغـايـرة 9ـعـظـم مـا قلناه عن اليونانيc. ولكننا حرصنا عـلـى أن نـقـدم الـصـورة اجملـمـلـةB دون خوض في التفاصيلB وعلى أن نعرض للقارu القاعدة العامةB دون تـقـد“
لإلستثناءاتB رغم اعترافنا بأن بعضها كان عظيم األهمية. واألمر الثاني هو أن القارu قد يجد في هذا العرض الذي قدمناه للفكر العلمي اليونانيB برغم اكتفائه باإلطار العام دون التفاصيلB شيئا من اإلطالة. Bإذ أن من مزايا ا9رحلة اليونانية أنها تركت طابعها Bولكن هذا أمر متعمد إيجابا أو سلباB على كثير من ا9راحل التاليةB ومن ثم فان االهتمام بتجربة الفكر العلمي عند اليونانيc يفيد في إلقاء الضوء على ما ورثته الـعـصـور الالحقة عنهم من عناصر إيجابيةB وما اضطرت إلى مكافحته من عناصر سلبيةB فضال عن أنه يعفينا من إعادة عرض تلك العناصر كلما عادت إلى Bالظهور في مرحلة تالية. فاليونانيون كانوا نقطة انطالق عظيمة األهمية وهم الذين وضعوا جزءا كبيرا من األساسB ولم يكن في وسع أي عصر تال أن يتجاهلهمB بل كان ال بد أن يذكرهم أما با9دح وأما بالنقدB ومن هنا كان من الضروري أن تأتى معاجلتنا لهذه ا9رحلة األساسية مسهبة نسبيـاB إذا
116
التفكير العلمي
قسناها بغيرها من ا9راحل.
العصور الوسطى: ال بد لناB عند معاجلة معنى العلم في العصور الوسطىB من أن نـفـرق بc العصور الوسطى في أوروبا والعصور الوسطى في العالـم اإلسـالمـي. ففي تلك الفترة الزمنية الواحدةB كان هناك تفاوت هائل في مستوى العلم بc هاتc ا9نطقتc من العالم. وعلـى حـc أن الـعـلـم األوروبـي هـبـط إلـى Bفان العلم اإلسالمي وصل إلى قـمـتـه خـاللـهـا Bاحلضيض في هذه الفترة وكان هو مركز اإلشعاع في العالم كله. وكما نعلم جميعاB فان لفظ «العصور الوسطى» يرتبط في ذهن األوربيc بالتخلف والرجعية والتعصب والركود الفكريB على حc أنه يرتبط في أذهاننـا بـاجملـد الـغـابـر الـذي نـتـغـنـى بـه ونحاول-دون جدوى في معظم األحيان-أن نستعيد قدرا منه. ومن هنا فسوف
نتحدث عن كل من هاتc احلضارتc األوربية واإلسالميةB على حدة. كانت مرحلة العصور الوسطى في أوروبا طويلة اإلشعاع حد غير عادى. وإذا كان ا9ؤرخون يختلفون في حتديد نقطة نهـايـتـهـاB فـان الـرأي ا9ـرجـح بينهم هو أنها 3تد من القرن الثالث ا9ـيـالدي حـتـى الـقـرن الـرابـع عـشـر. وطوال األلف ومائتي سنة التي دامتها هذه ا9رحلةB لم يحرز العلم تـقـدمـا حاسما في أي مجالB ولم يظهر تغيير جـديـد فـي مـفـهـوم الـعـلـمB بـل لـقـد احتفظت هذه العصور بأسوأ عناصر ا9فهوم اليوناني للعلم وعـمـلـت عـلـى
جتميدها وحتويلها اإلشعاع ما يشبه العقيدة التي ال تناقش. هو الشائع(٣)ففي مجال ا9نهج العلميB كان أسلوب «اخلضوع للسلطة»
في طريقة التفكير في هذه العصور. فقد ساد االعتقاد بأن العلم بلغ قمته العليا عند أرسطوB وبأن ما قـالـه هـو الـكـلـمـة األخـيـرة فـي أي مـيـدان مـن ميادين العلم. وحدث حتالف وثيق بc معتقدات الكنيسة ا9سيحية وتعاليم أرسطو الفلسفيةB بالرغم من أن هذه التعاليم األخيرة قد ظهرت في إطار وثنيB فكان من نتيجة هذا الـتـحـالـف أن اكـتـسـبـت أراء أرسـطـو مـا يـشـبـه Bوأصبح االعتراض عليها نوعا من الـتـجـديـف والـضـالل Bالقداسة الدينية ولم يكن العلم في صميمه إال ترديدا لهذه اآلراءB أما النقد والتجديد فكان
ض صاحبه ألشد األخطار.ّيعر
117
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
أما أسلوب التفكير فكان هو اجلدل الـلـفـظـي ا9ـقـيـمB وكـان ذلـك أمـرا طبيعيا في عصر تستمد فيه عناصر ا9عرفة مـن الـكـتـب الـقـدqـةB ال مـن cالطبيعة ذاتها. فقد برع مفكرو ذلك العصر في إقامة احلـجـج والـبـراهـ اللفظية اخلالصةB وتالعبوا باالستدالالت الشكلية وا9غالطات التي تتـخـذ في ظاهرها صبغة منطقيةB ولكنـهـم لـم يـتـوصـلـوا اإلشـعـاع أي مـنـهـج فـي البحث يعc على معرفة مباشرة. فاأللفاظ كانت عندهـم حـاجـزا يـحـجـب Bواالستدالل الوحيد ا9عروف عندهم وهو قياس اجلديد على القد“ Bالواقع أي على ما هو معروف من قبلB ومن هنا فان كتبهم كانت كلها دعما 9عارف قدqةB أما الكشف اجلديد فلم يكن من ا9توقع أن يسعى إليه عصر يؤمن
بأن ا9عرفة كلها قد اكتملت في عصر من العصور ا9اضية. ولعل هذا االهتمام ا9فرط باحلجج اللفظية اخلالصةB واالعتقاد بأنك إذا استطعت أن تثبت «بالكالم البحت» شيئاB فال بد أن يكون هذا الشـيء متحققا-أقول لعل هذا أن يكون سمة من السمات ا9ميزة 9نهج الفكر في كل Bعـصـر مـتـدهـور. وكـلـنـا نـعـلـم أن اإلغـراق فـي اجلـدل الـلــفــظــي األجــوف واالستعاضة عن اإلجناز الفعلي بالبالغة اللفظية الرنانـةB واالعـتـقـاد بـان Bوتصويرها كما لو كانت قد حتققت بالفـعـل Bالتعبير الكالمي عن أمنياتنا يغني عن بذل اجلهد والكفاح من أجل حتقيق هذه األمنيات في عالم الواقع- كلنا نعلم أن هذه صفات مالزمة لفكرنا العربي في مرحلة انحطاطهB ومـا زالت آثارها في طريقة تفكيرنا حتى اليوم. ومن ا9ؤكـد أن اسـتـمـرار هـذه الصفة فينا معناه أننا لم نتمكن بعد من أن نتجاوز إلى غير رجعة مرحـلـة
العصور الوسطى-با9عنى السيئ لهذا التعبير-في تفكيرنا. Bأما من حيث مضمون الفكر العلـمـي فـي الـعـصـور الـوسـطـى األوربـيـة فيالحظ عليه بوجه عام انه لم يكن معنيا بتلك العلوم التي تركز اهتمامها على فهم العالم من اجل تغييره والسيطرة عليه. ولقد كان هذا أمرا طبيعيا في عصر كان ينظر فيه إلى احلياة الدنيا بأسرها على أنها مرحلة عارضة زائلة. ولم تكن هذه النظرة تخلو من النفاقBإذ كان من ا9عروف أن أقطاب الكنيسة األوربية كانوا يستمتعون بحياتهم إلى أقصى حدB في الوقت الذي كانوا فيه يدعون عامة الناس إلى الزهد والعزوف عن متع احلياة. وعلى أية حال فان سيادة هذه العقلية الزاهدة من شأنه أن يقلل من أهمـيـة الـعـلـوم
118
التفكير العلمي
الباحثة في الطبيعةB ور{ا ترك قدرا من االهتمام بالدراسات األدبية واللغوية اخلالصةB ولكن أعظم جهوده كانت موجهة إلى علم الالهوت.
وهكذا كانت كتابات أرسطو كافية في نـظـرهـم لـتـقـد“ تـفـسـيـر كـامـل فهم من خالل مـعـانُللطبيعة والعالم احملسوس بأسره. وكان الـعـالـم كـلـه ي
كيفية ذات أصل فلسفي بحت: كأن يقال مثال أن هذا الشيء موجود بالفعل Bثقيلة أو خفيفة Bوهذه ا9ادة حارة أو باردة Bأو أنه مادة أو صورة Bأو بالقوة دون أية محاولة لتطبيق الرياضياتB الـتـي كـانـت قـد أحـرزت فـي الـعـصـر اليوناني تقدما كبيراB على طريقة فهمنا للظواهر الطبيعية مـن اجـل فـهـم
قوانينها الكامنة. ولقد كان التحالف بc العلم القد“ وبc تعالـيـم الـكـنـيـسـة مـؤديـا إلـى تكوين صورة للعالم كله 3تزج فيها تصورات القدماء مع تفـسـيـرات رجـال الالهوت. وكان أول ما يحرص عليه هؤالء األخيرون هو إدخال الـعـنـاصـر الدينية (كما كانوا يفهمونها) في فكرة الناس عن العالم. ومن هنا لم يـكـن من غير ا9ألوف أن جتد في كتاب علمي صرف حديثا عن عناصر الطبيعة
ر الكونّوعن عالم ا9الئكة واجلن في آن واحدB وكان من الطبيعي أن يصو بصورة ترضي رغبة اإلنسان في أن يجد حوله عا9ا متعاطفا معهB متجاوبا مع رغباتهB محققا للقيم التي يتـوق إلـيـهـا. ولـم يـكـن مـن غـيـر ا9ـألـوف أن يختلف بحث اإلنسان عن حقائق األشياء برغبته في أن يراها جميلة متناسقة متجاوبة مع ذوقه ومزاجهB فكان يغير من نظرته إلى العالم بالطريقة التي حتقق له هذه الرغبةB ويخلق بc السعي إلى احلقيقة والبحث عن التناسق واالنسجامB وال يجد غضاضة في أن يؤكد أن النجوم تسـيـر فـي مـسـارات دائريةB ال ألنه رصد حركاتها وتأكد من ذلـكB بـل ألنـه يـؤمـن بـأن الـنـجـوم كائنات ذات طبيعة أثرية شبه إلهيةB ومثل هذه الكائنات التي تتصف بـكـل هذا الكمال ال بد أن تسير وفقا ألكـمـل األشـكـالB وهـو الـدائـرة. كـمـا كـان يتمسك في تفسيره للظواهر األرضية والسماوية بأعداد معينة إحـاطـتـهـا Bكالعـدد عـشـرة أو سـبـعـة Bعقول الناس بقداسة خاصة منذ اقدم العصور
بغض النظر 3اما عما تشهد به التجربة الفعلية بشأن هذه الظواهر. ومجمل القول أن العلم في العصور الوسطى األوربية قد 3سك بأضعف العناصر في التراث القد“B اليوناني والرومانيB وأضاف إليها ذلك اجلمود
119
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
والتعصب الذي كانت تتطلبه كنيسة متسلطة ال تريد معارضة أو جتديدا. ومن اجلائز انه كانت هناكB حتت هذا السطـح اخلـارجـيB تـيـارات أخـرى خفية ظلت تتراكم حتى خرج تأثيرها إلى النور في عصر النهضة األوروبية. وهذا بالفعل ما يقول به بعض مؤرخي العلمB الذين يرفضون االعتراف بأن اإلنسان األوربي ظل متجمدا طوال ما يزيـد عـن األلـف عـامB ويـؤكـدون أن عوامل التغير كانت موجودةB وكل ما في األمر أنها كانت بطيئةB تعمل فـي اخلفاءB وأن أديرة الرهبان ذاتها قد شهدت تراكما في ا9عرفة العلمية ظهر تأثيره بوضوح في تلك النهضة السريعة الـتـي حـقـقـتـهـا أوروبـا فـي مـطـلـع العصر احلديث. ور{ا كان هذا الرأي عـلـى قـدر مـن الـصـوابB إذ أن مـن الصعب أن نفسر سرعة التقدم الذي طرأ على العلم األوروبـي فـي الـقـرن السابع عشرB والذي نقـل أوروبـا مـن الـتـفـكـيـر فـي عـالـم أرسـطـو الـذي ال يتحرك إال ألنه يعشق «احملرك األول»B إلى عالم نيوتن الذي يسوده قانون طبيعي واحد هو قانون اجلاذبية الكونية-من الصعب أن نفسر ذلك إال إذا قلنا بأن عوامل أخرى قد مهدت لهB بالرغـم مـن أن تـأثـيـرهـا لـم يـكـن فـي
البداية ظاهرا. على أن هذه العوامل ا9تراكمة لم تكن مجرد تطور ذاتي داخلي للمعرفة العلمية في أوروبا خالل العصر الوسيط. فهذه ا9عرفةB مهما تطـورتB لـم تكن تبشر بنتائج ذات قيمة كبيرة. وإnا كان هؤالء العلماء في حاجـة إلـى دفعة قوية تأتيهم من مصدر خارجيB لكي تنير الطريقB وتكشف لهـم عـن أفضل السبل ا9تاحة للبحث العلمي في ذلك احلc. وقد حتقق ذلك بفضل تأثر احللم األوربي بالعلم اإلسالمي الذي كان يحتل ا9رتبة العليا في ذلك
العصر. كانت صورة العلم في العصور الوسطى اإلسالمية مختلـفـة عـن صـورة الركود واجلمود األوربي كل االختالف. ففي العالم اإلسالمي كانت هنـاك حضارة فتية نشطةB تتسم باإليجابية والتوسع واالنفتاح على العالمB وتوائم نفسها مع هذا العالم ا9تغير الذي وجدت نفسها تتعامل معه. وكان ميدان العلم من أهم ا9يادين التي حققت فيه هذه احلضارة الوليدة أعظم أمجادها. ولقد كان التقدم العلمي الذي عرفته احلضـارة اإلسـالمـيـة فـي عـصـر ازدهارها مثال رائعا من أمثلة التفاعل اخلصب بـc احلـضـارات. فـنـقـطـة
120
التفكير العلمي
Bcالبداية في هذا العلم كانت ذلك التفتح الفكري الذي ألهم خلفاء ا9سلم في العصر العباسي بوجه خـاصB وأن يـنـقـلـوا كـل مـا أتـيـح لـهـم مـن عـلـوم القدماء وفلسفاتهم في ترجمات أمينة تعد من أروع األعمال التي حتققت حتى ذلك العصرB با9قاييـس األكـادqـيـة اخلـالـصـةB وذلـك إذا أخـذنـا فـي اعتبارنا اللغة العربية لم تكن حتى ذلك احلc قد كونت لنفسها مصطلحات علمية تكفي للتعبير عن كل ما خلفـه الـقـدمـاء مـن مـعـارف. وهـكـذا عـرف ا9سلمون علوم اليونان والفرس والهنودB ولم يترددوا في استخدام كل الذخيرة الضخمة من ا9علومات العلمية التي كدستها البشرية حتى ذلك احلBc من أجل تلبية حاجات اجملتمع اإلسالمي الذي كان ينمو ويزداد تعقدا يوما بعد
يوم. ولقد أسهم في هذه احلركة العلمية النشيطة عـلـمـاء مـن أصـل عـربـي وآخرون ينتمون إلى مختلف البالد التـي أصـبـحـت تـديـن بـاإلسـالمB ولـكـن اجلميع كانوا يكتبون ويفكرون بالعربيةB وكان اجلو الذي يشيع في كتاباتهم إسالميا بحتاB وكانوا ينظرون إلى أنفسهم-مهما بعدت بالدهم في أقصـى أطراف آسيا الوسطى أو األندلس-على انهم ينتمونB قلبا وروحا إلـى تـلـك
احلضارة التي انبعثت إشعاعاتها األولى من قلب اجلزيرة العربية. ولقد رأى كثير من الكتاب الغربيc في العلم اإلسالمي مجـرد امـتـداد للعلم اليونانيB وأكدوا أن كل ما قام به ا9سلمون في مجال العلم كان يدور في ذلك اإلطار الذي حدده اليونانيون قبيل ذلك بفترة ال تقل عن ألف عام. وأراد غير هؤالء أن يكونوا أكثر أنصافاB فأكدوا أن التفكير العلمي اإلسالمي وأن ظل في إطاره العام يونانياB قد أعاد النظر في التراث العلمي اليوناني من جديدB وبحث فيه بروح تقدمية فيها قدر من االستقالل. ولكن ا9هم في كلتا احلالتc هو أن العلماء ا9سلمc-وفقا لرأي هؤالء الكتاب-لم يخرجـوا
عن فلك التفكير العلمي اليوناني. وقد يبدو ظاهريا أن لهؤالء الكتاب بعض العذر في التقريب بc العلـم اإلسالمي وتراث اليونانيc: إذن األسماء اليونانيةB مثل أرسطـو وأبـقـراط وجالينوسB كانت تتردد كثيرا في ا9ؤلفات العلمية اإلسالمية. كما أن اإلطار الفكري لهذه ا9ؤلفات كان يحتفظ بقدر غير قليل مـن مـفـهـوم الـعـلـم عـنـد اليونانيc: إذ جند عند فالسفة اإلسالم نظرة متدرجة إلى العلـومB تـعـلـى
121
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
من قدر العلم النظري البحت وتقلل من شأن العلم التطبيقيB وجتعل مكانة أي علم مرتبطة {كانة ا9وضوع الذي يبحث فيه. ولكن كتابات الفالسـفـة كانت تسير في طريق وارسة العلماء كانت تسير في طريق آخر مختلف كل االختالف: إذ أن االهتمام بالعلم التجريبيB وباستخدام البحث العلمي من أجل فهم قوانc الطبيعة احمليطة بنـاB كـان هـو الـهـدف الـرئـيـسـي مـن أعمال علماء مشهورين مثل جابر بن حيان في الكيمياءB واحلسن بن الهيثم في البصريات (علم الضوء) والبيروني في الـفـلـك والـريـاضـيـاتB والـرازي وابن سيناء وابن النفيس في الطب. ومن الصعبB إذا كان ا9رء منصفاB أن يصدق احلكم القائل بأن اإلطار الذي كان يدور فيه هؤالء العلمـاء الـكـبـار كان إطارا يونانيا صرفاB وأنهم لم يضيفوا إلى احلضارة اإلنسانية إضافات
أصيلة تنبع من طبيعة البيئة الثقافية التي عاشوا فيها. cمؤرخي العلـم الـغـربـيـ cب Bفان االعتراف يزداد اآلن Bوعلى أية حال أنفسهمB بأن العلم اإلسالمي لم يكن مجرد جسر عبر عليه العلم اليوناني لكي ينتقل إلى أوروبا احلـديـثـةB أعـنـى مـجـرد أداة تـوصـيـل بـc احلـضـارة األوربية القدqة واحلضارة األوروبية احلديثة. وكما حدث في حالة العالقة بc اليونانيBc في مبدأ ظهور علمهم وفكرهم الفلسفيB وبc احلضـارات الشرقية السابقة عليهمB حc أخذ الغربيون يتـنـبـهـون فـي اآلونـة األخـيـرة على نحو متزايد إلى أن اليونانيc مدينون للشرق القد“ بأكثر ا كانـوا يظنون من قبلB فكذلك حدث في حالة العالقة بc العلم اإلسالمي والعلم اليوناني أن بدأ مؤرخو العلم الغربيون يدركـون عـلـى نـحـو مـتـزايـد أهـمـيـة اإلضافة التي أضافها ا9سلمون إلى العـلـوم الـتـي ورثـوهـا عـن احلـضـارات السابقة عليهمB أي أنهم في احلالتc أصبحوا أكثر واقعية وأقل مبالغة في تقدير دور «ا9عجزة اليونانية»B وأميل إلى االعتراف للشعوب الشرقية بحقها في أن تفخر بالدور الذي أسهمت به من أجل دفع عجلة العلم إلى األمام. والواقع أن أعظم ما qكـن أن يـفـخـر بـه الـعـلـم اإلسـالمـيB فـي عـصـر ازدهارهB هو أنه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدا لم يكن يلقى اهتماما بc اليونانيBc وهو استخدام العلم من اجل كشـف أسـرار الـعـالـم الطبيعي و3كc اإلنسان من السيطرة عليه. فقد عرف اليونانيون الرياضيات وتفوقوا فيهاB ولكنهم لم يعرفوا كيف يستخدمونها حلل ا9شكالت الواقعية
122
التفكير العلمي
التي تواجه اإلنسان. وفي مقابل ذلك كان ا9سلمون بارعc فـي اسـتـخـدام األرقام ووضع أسس علم احلساب الذي qكـن تـطـبـيـقـه فـي حـيـاة الـنـاس اليومية. وكان اختراعهم للجبرB وتفوقهم في الهندسة التحليلية وابتكارهم حلساب ا9ثلثاتB إيذانا بعصر جديد تستخدم فيه الرياضـة لـلـتـعـبـيـر عـن قوانc العالم الطبيعيB وتطبق فيه مبادئها من أجل حل مشكالت ا9ساحة األرضيةB وحساب ا9واقيت وصناعة األجهزة اآللية. وكذلك كانت كشوفهم الفلكية مرشدا هاما للمالحc واجلغرافيBc وساعـدت عـلـى فـهـم افـضـل للعالم الذي نعيش فيه. أما بحوثهم الطبية والصيدالنية فكانت ذات داللة
.cتطبيقية ال تخطئها الع ولقد كان هذا االجتاه الذي يجمع بc النظرية والتطبيق أمرا طبيـعـيـا في حضارة قامت على أساس اجلمع بـc الـدنـيـا والـديـنB وارتـكـزت عـلـى شعار: «إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداB واعمل آلخرتك كأنك 3وت غدا». وبالفعل كان العلم اإلسالمي ينطوي على جانبي الدنيـويـة واألزلـيـة فـي آن واحدB ويستهدف خدمة احلياة اإلنسانية في هذا العالم األرضيB في إطار ترتكز أصوله على النظر في عالم السماء واألرض واستخالص العبرة من cنظامه احملكم و قوانينه األزلية. وهكذا كان العلماء يقومون ببحوثهم مؤمن بأن العلم ركن أساسي من أركان العقيدةB ولم تكن فكرة التعارض بc العلم واإلqان الديني تخطر ببال أحد منهمB بل إن كل من أثاروا هذه الفكرة لم يكونوا من العلماءB ولم تكن لديهم أدنى فكرة عن الطبيعة احلقيقية للبحث
العلمي وعن أهدافه اإلنسانية الرفيعة. ومن ا9عترف به أن العلم اإلسالمي قد احتفظ ببعض العناصر السلبية التي ترجع إلى اليونانيc: ففكرة «األمزجة» التي أكدتـهـا كـتـابـات األطـبـاء اليونانيBc ظلت قائمة في الطب اإلسالميB وسلم بها ابن سيناء في كتابه ا9شهور «القانون». كذلك كانت فكرة «العناصر األربعة» (ا9اء والهواء والنار والتراب)B ا9وروثة عن الفالسفة اليونانيc األوائلB تتردد كثيرا في كتابات العلماء اإلسالميc. وترتب على ذلك ضياع وقت وجـهـد غـيـر قـلـيـلـc فـي Bأبحاث علمية تعد عقيمة {قاييسنا احلديثة: كـالـتـنـجـيـم وقـراءة الـطـالـع وكالبحث عن «حجر الفالسفة» وحتويل ا9عادن اخلسيسة إلى ذهب. ولكن ينبغي أن نعلم أن احلكم بإدانة هذا النوع من األبحاث هو حكم صادر مـن
123
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
وجهة نظر حديثة: فنحن نصف هذه األبحاث اآلن بأنهـا غـيـر عـلـمـيـة الن التطور التالي للعلمB في عصرنا احلديثB قد جتاوزها. أما من وجهة نظر العصر نفسه فلم يكن هناك حد فاصل بc هذه األبحاث العقيمة واألبحاث العلمية األخرى ذات النتائج اإليجابية. ولذلك فمـن الـصـعـب أن نـعـد هـذا خطأ ندين من أجله العلم اإلسالمي. وحسبنا أن نذكر أن العلم األوربي ظل Bور{ا حتى القرن الثامن عشر في بعض احلاالت Bحتى القرن السابع عشر Bوأن كبار علماء العصر احلـديـث Bةqيحتفظ بآثار من هذه األخطاء القد وعلى رأسهم كبلرB كانوا qارسون التنجيمB ولم يكونوا يجدون أي تعـارض بc أبحاثهم الفلكية األصلية وقراءتهم طالع ا9لوك واألمراء من رصد النجوم. أما فكرة العناصر األربعة فقد ظلت مـعـتـرفـا بـهـا فـي أوروبـا حـتـى الـقـرن الثامن عشرB ولم تهدم إال على يد الكيميائي الفرنسي ا9شهور «الفوازييه». تلك إذن أخطاء ينبغي أال حتسب على العلم اإلسالمي. وفي مقابل ذلك فقد كانت لهذا العلم إجنازات تعلمت أوروبا منها الشيء الكثير. فقد وضحت على يد العلماء اإلسـالمـيـc أصـول ا9ـنـهـج الـتـجـريـبـيB {ـا يـقـتـضـيـه مـن مالحظات دقيقة دائبةB ومن تسجـيـل مـنـظـم لـهـذه ا9ـالحـظـاتB ثـم وضـع الفروض لتفسيرها وأجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض. وكان الطب اإلسالمي nوذجا اقتدى به األطباء األوروبـيـc فـي دقـة ا9ـالحـظـة ووصف األغراض وتشخيصها وعالجها بالعقاقير أو باجلراحة أو {مارسة العالج الطبيعيB كما كان أول أمثلة ا9ستشـفـيـاتB {ـعـنـاهـا احلـديـثB هـو «البيمارستان» اإلسالميB بل بدأ لديهم االهتمام بالطب النفسي والعالقة ا9تبادلة بc اجلسم والنفس في بعض األمراض. وما الطب إال مثل واحد من أمثلة هذه العقلية ا9تقـدمـة الـتـي أزالـت احلـد الـفـاصـل بـc الـنـظـريـة والتطبيقB وجمعت في مركب واحد بc التأمل العقلي والفعل العمليB وأعطت بذلك لإلنسانية عامةB وللحـضـارة األوربـيـة احلـديـثـة بـوجـه خـاصB درسـا
رائعا في منهج البحث العلمي األصيل. هذا العلم اإلسالميB الذي ارتكز على دعائم قوية من ا9نهج التجريبي ومن احلقائق الرياضية الدقيقةB كان واحدا من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور النهضة األوروبية احلديثة. فمنذ القرن الثاني عشر ا9يالديB أخذت ا9ؤلفات العربية الكبرى تترجم على نطاق واسع اللغة الالتينيةB لغة العلـم
124
التفكير العلمي
في أوروبا خالل العصر الوسيط. ولم يكن من ا9صادفـات أن يـنـظـر عـدد غير قليل من الباحثc األوروبيc إلى هذا القرن بـالـذات عـلـى انـه نـقـطـة البداية احلقيقية في النهضة األوروبيةB أو نقطة التحول من العصور الوسطى ا9ظلمة إلى ا9رحلة ا9مهدة لظهور العصر احلديث. ولم يكن من ا9صادفات أيضا أن تكون اجلامعات ومعاهد العلم األوروبية القريبة جغرافيا من مراكز الثقافة العربيةB في جنوب إيطاليا وصقلية وفرنسـاB هـي مـراكـز اإلشـعـاع األولى لهذه النهضة. وكما ذكرنا من قبلB فقد شاع في وقت ماB بc الكتاب الغربيBc حكم جائر مؤداه أن ا9رحلة اإلسالمية في العلم إnا كانت همزة وصل بc احلضارة اليونانية واحلضارة األوروبية احلديثةB وأن فضل العلماء ا9سلمc ينحصر في احملافظة على التراث العلمي القد“ ونقله بأمانة إلى أوروبا لتبدأ به نهضتها احلديثة. على أن هذا احلكم ال يلقى في أيامنا هذه تأييداB حتى من الكتاب األوروبيc أنفسهمB ولعله كـان أثـرا مـن آثـار نـعـرة العنصرية األوروبية ا9تعالية في القرن التاسع عشر. ذلك ألن إسهام العلم اإلسالمي كان جديدا من نواح كثيرةB وكان أهم ما فيه هو ذلك الـتـجـديـد الرائع في مناهج البحث العلمي وأساليبهB وذلك الفهم واسع األفق لـلـعـلـم على انه معرفة نظرية تستهدف أغراضا عملية تطبيقية-وهي أمور لم تكن واضحة في العلم اليوناني القد“ إال خالل فترة قصيرة من عمره هي تلك الفترة التي انتقل فيها ذلك العلم إلى اإلسكندريةB ولكن تأثير هذه الفتـرة كان ضئيالB ألن التقدم العلمي فيها كان مصحوبا بتدهور عام في احلضارة اليونانية بأسرها. وهكذا كان لـلـعـصـر اإلسـالمـي دوره الـذي ال يـنـكـر فـي
إضافة معان جديدة إلى مفهوم العلم ذاته. Bيذكر هذه احلقائق cالعربي واإلسالمي ا9عاصر ح uوال شك أن القار يشعر باألسى إذ يجد تلك النهضة العلمية التي قام بها أجداده قد توقفت منذ قرون عديدةB مع أنها لو كانت قد استكملت لكانت هـذه ا9ـنـطـقـة مـن Bالعالم رائدة في ميدان العلم احلديث. وقد يعلل ا9رء ذلك باالنحالل الداخلي االجتماعي والسياسيB الذي طرأ على العالم اإلسالمي بعد عصره الذهبي في العلم واحلضارةB وقد يعلله بأسباب خارجيةB كالغزو التركي ثم األطماع Bاألوروبية في هذه ا9نطقة احليوية. وأيا كان السبب في التدهور الـالحـق فان من ابرز مظاهر هذا التدهور أن العالم العربي قد أغلـق عـلـى نـفـسـه
125
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
األبواب في عصور انحالله وتصور أنه يستطيـع االكـتـفـاء بـذكـرى أمـجـاده ا9اضيةB ونسى ذلك الدرس العظيم الذي قدمته له احلـضـارة اإلسـالمـيـة وهي في وأج عظمتها: وأعني به أن التفاعل بc الثقافات هو الدافع األول إلى تقدم العقل البشري. فلم يخجل ا9سلمون فـي عـصـرهـم الـذهـبـي مـن استيعاب علوم الثقافات األخرى األقدم منهم عهداB بل كان في ذلك نقطة انطالق لهم إلى فهم العالم. ولم يخجل األوروبيون من ترجمة أمهات الكتب اإلسالمية وتدريسها-بوصفها كتبا مقررة-في اعظم جامعاتهم خالل مطلع العصر احلديث. واألهم من ذلكB أن نفس العقول ا9تزمتة التي تدعونا إلى االبتعاد عن الثقافات «الدخيلة» في عصرنا احلـاضـر ال جتـد فـي مـسـلـك
ر الغرب بأنـه قـد تـنـكـرّاألوروبي إزاء العلم اإلسالمي ما يـعـيـبـهـمB وال تـعـي لتراثه أو ألصولهB وانسلخ عن هويته األصليةB عندما اغترف بكلتا يديه من علوم ا9سلمc. فهي إذن تعترف بقيمة تفاعل الثقافات عندما نكون نـحـن الذين نعطيB وتنكرها حc نكون نحن اآلخذينB أن هذا التفاعل واحد في
كلتا احلالتBc وهو مصدر نفع للبشرية أينما حدث.
العصر احلديث: تضافرت عوامل متعددة أدت إلى االنتقال بأوروبا من أسلوب التفـكـك السائد في العصور الوسطى إلى أسلوب التفكير الـعـلـمـي احلـديـث. وكـان بعض هذه العوامل داخلياB يتعلق ببناء اجملتمع األوروبي ذاتهB وبعضه اآلخر خارجياB كالتأثير اإليجابي الذي مارسته احلضارة اإلسالمية على الـعـقـل األوروبي. وليس من مهمتنا في هذا الكتاب أن نتحدث عـن هـذه الـعـوامـل إجماال أو تفصيالB بل أن ما يهمنا هو حصيلتها النهائيةB وأعني بها التغيير الذي طرأ على مفهوم العلم ذاتهB أعني العـنـاصـر الـتـي أسـقـطـهـا الـعـصـر احلديث من مفهوم العلم في العصور السابقةB وتلك التي أضافها إلى هذا
ا9فهوم. ومن األمور التي تسترعي انتـبـاه الـبـاحـث فـي هـذه الـفـتـرة أن ا9ـفـهـوم احلديث للعلم لم يتشكل على أيدي العـلـمـاء وحـدهـمB بـل لـقـد اسـهـم فـيـه الفالسفة بدور عظيم األهمية. ولعل القول بأن الفلسفة مـرآة لـلـعـصـرB ال يصدق على أية فترة بقدر ما يصدق عـلـى هـذا الـعـصـر األول مـن عـصـور
126
التفكير العلمي
العلم األوروبي احلديث إذ كانت لفالسفة ذلك العصر رؤيـة واضـحـة 3ـام الوضوح 9تطلبات العلمB وكانت بصيرتهم النفاذة تدرك ما يحتاج إليه العقل
البشري من مناهج للبحث وطرق للتفكير حتى ينتقل إلى عصر جديد. ومن الغريب حقا أنه في نفس الوقت الذي كان فيه فالسفة ذلك العصر يدعون إلى قيام نوع جديد من العلمB كان العلم ذاته يخطو خطواته احلاسمة بعيدا عن الفلسفة. وقد تبدو في هذا مفارقة صارخة: إذ يخيل إلينا ألول وهلة أن حتمس الفالسفة للعلم كان ال بد أن يؤدي إلى مزيد من التحالف والتداخل بc الفلسفة والعلم. ولكن حقيقة األمر هي أن عملـيـة انـفـصـال العلم عن الفلسفة لم تكن في بدايتها عملية واعية: فقد ظهر نوع جديد من ا9عرفةB يستخدم أساليب فكرية مختلفة عن تلك التي دأبت الفلسفة على Bبرغم 3يزه الـواضـح هـذا Bولكن هذا النوع Bcاستخدامها حتى ذلك احل
إذ أن الكثير من علماء ذلك العـصـر-ومـنـهـم:<كان ال يزال يسمى «فلـسـفـة نيوتن ذاته-أطلقوا اسم «الفلسفة التجريبية» أو «الفلسفة الطبيعـيـة» عـلـى عناوين أبحاثهم الرئيسية. ولكن ا9هـم فـي األثـر أن الـتـمـيـز بـc طـريـقـتـي cا9ستقل B«وأن فئة «العلماء Bأصبح ظاهرا للعيان Bالبحث الفلسفية والعلمية عن الفالسفة في تفكيرهم استقالال تاماB أصـبـحـت فـئـة مـعـروفـةB يـزداد نفوذها يوما بعد يوم. ولم يكن الفالسفة أنفسهم يقفون حائال في وجه هذا االستقاللB بل كانوا يشجعون عليهB وينظرون إلى أنفسهم على أنهم دعـاة مخلصون للعلم. وكان ذلك وضعا جديدا للعالقة بc الفيلسوف والعالمB لم تعرفه العصور السابقة: إذ أصبح الفيلسوف ينظر إلى نفسهB ال عـلـى أنـه هو ذاته الذي يأخذ على عاتقه مهمة توسيع نطاق ا9عرفة البشرية في كافة اجملاالت ودفعها إلى األمامB بل على أنه هو الذي يضع «األساس» الفكري للعمل الذي يقوم به أشخاص آخرون مستقلون عنهB أي أنه ليس هو «خالق»
رها» فحسب.ّا9عرفة بل هو «منظ Francis Baconولقد كان الفيلسوف اإلجنليزي الكبير «فرانسس بيكـن»
اعظم دعاة هذه النظرة اجلديدة التي يستقل فيها العلم عن الفلسفة استقالال تاما. فهو يسخر من ادعاءات فالسفة العصور القدqة والـوسـطـى الـذيـن كانوا يتصورون أن باستطاعتهم حل مشكالت العالم الكبرى بالتأمل النظري وحدهB ويهاجم مفكري األبراج العاجية الذين يعتقـدون انـهـم قـادرون عـلـى
127
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
فهم الطبيعة وما وراء الطبيعة باستخدام مجموعة من االستدالالت اللفظية التي يتالعبون بها ببراعةB ويظنون أن ما توصلهم إليه هذه األالعيب اللفظية ال بد أن يكون حقيقة واقعة. وفي مقابل ذلك يدعونا بيكون إلى إجراء حوار مباشر مع الطبيعةB واستخدام حـواسـنـا وعـقـولـنـا فـي مـالحـظـة وقـائـعـهـا وتسجيلها بأمانةB وينادي بضرورة إزالة هذا احلاجز اللفظي اخلداع الذي وضعه القدماء بيننا وبc حقائق العالمB ويؤكد أن ا9عرفة الصحيحـة إnـا تكون في طرح األسئلة ا9باشرة على الطبيعةB بدال من التقوقع داخل عالم Bاأللفاظ. وهكذا حدد بيكن سمة من أهم سمات التفكير العلمي احلديـث وهي االعتماد على مالحظة الظواهر ومشاهدتها جتريبياB بدال من االكتفاء
«بالكالم» عنها. ومن السمات األخرى التي أكد بيكن أهميتها في كل تفكير عـلـمـيB أن هذا التفكير ال يسارع إلى التعميمB كما كانت تفعل الفلسفات القدqةB وال ينساق وراء الطموح الزائد الذي يصور لكل فيلسوف أنه قادر على تقـد“ إجابات عن األسئلة الكبرى ذات الطابع العامB مثل أصل العـالـم ومـصـيـره وغاياته الخ.... بل أن التفكير العلمي في رأيه أشد تواضعا من ذلك بكثير: فهو يضع لنفسه أهدافا محدودةB وينتقل بثقة من حقيقة جزئية إلى حقيقة جزئية أخرىB وال يعمم نتائج أبحـاثـه إال بـحـذر شـديـدB وبـقـدر مـا تـسـمـح احلقائق ا9وجودة فحسب. ومن مجموع هذه احلقائق اجلـزئـيـة يـعـلـو بـنـاء ا9عرفة بالتدريج على أيدي األعداد الكبيرة من العلماءB الذين يتقـاسـمـون فيما بينهمB خالل اجليل الواحدB ا9شكالت ا9طلوب حلهاB والذين يبدأ كل Bجيل جديد منهم من حيث انتهى اجليل السابق. وتلك كلها قد تبدو اليوم في عصرنا الذي أصبح فيه التخصص أساسا للعمل العلمي بديهيات مسلما بهاB ولكنها في عصر بيكن كانت شيئا جديدا بالقياس إلى أساليب الفالسفة السابقBc الذين كان كل واحد منهم يتصور أنه يحـتـكـر لـنـفـسـه احلـقـيـقـة
كاملةB ويعتقد أن ا9عرفة البشرية كلها qكن أن تتكشف لعقل واحد. Bولقد كان من الصفات الهامة التي أضـافـهـا بـيـكـن إلـى مـفـهـوم الـعـلـم قابلية كل علم للتطبيق. وتلك صفة رأيناها ماثلة من قبل في العلم اإلسالمي بوضوحB غير أن بيكن هو الذي يرجع إليه الفضل في نـشـرهـا فـي الـعـالـم الغربي على أوسع نطاق. فـعـلـى حـc أن الـعـلـم الـقـد“ كـان مـعـرفـة ألجـل
128
التفكير العلمي
ا9عرفةB جند بيكن يؤكد أن العلم الذي ال يقبل التطبيق العلمي بصورة من الصور ال يستحق أن يسمى علما. ور{ا كان هذا موقفا متطرفاB ولكنه كان ضروريا 9واجهة التطرف ا9ضاد فـي الـعـلـم الـنـظـري الـبـحـتB كـمـا عـرفـه الفالسفة اليونانيون الذين كانوا يزدرون أية معرفة تقترب من مجال الواقع ا9ادي وتدخل نطاق التطبيق. وهكذا هيأ بيكن أذهان النـاس لـقـبـول عـدد كبير من العلوم التي تتصل {وضوعات «أرضية» «مادية»B ووصل به األمر إلى الدعوة إلى بحث «التغذية» وكيفية صنع الطـعـام وحـفـظـه عـلـى أسـس علميةB وهو أمر كان خليقا بأن يلقى من اليونانيc سخرية مريرة. فهدف العلم عند بيكن هو أن يجعل اإلنسان سيدا للطبيعة ومسيطرا عليها. وإذا كان كارل ماركس هو الذي قال ألول مرة بعبارات صريحة في القرن التاسع Bعشر: «لقد اقتصر الفكر حتى اآلن على تفسير العالم علـى أنـحـاء شـتـى ولكن ا9هم هو تغييره»B فمن ا9ؤكد أن هذه العبارة تصلـح شـعـارا لـفـلـسـفـة بيكن كلهاB وذلك لسببc أولهما انه كان بدوره ناقدا شديدا لالجتاه النظري اخلالص عند الفالسفة السابقBc وثانيهما انه كان يدعو بكل حماسة إلى أن تكون ا9عرفة فلسفية كانت أم علمية-وسيلة لتغيير العالم وحتقيق سيطرة اإلنسان عليه. وكانت دعوة بيكن هذه هيB في واقع األمرB األساس الفكري الذي ارتكزت عليه حركة التقارب بc العلم والتكنولوجيا في القرون التالية. على أن بيكنB بالرغم من كل ما أضافه إلى مفهوم العلم من معان هامة كان لها أبلغ األثر في التطور التالي للمعرفة العلميةB لم يركز اهتمامـه إال على جانب واحد من جوانب العلمB وهو اجلانب التجريبي ا9بني على مشاهدة الظواهر وتسجيلها واستخالص أسبـابـهـا عـن طـريـق ا9ـالحـظـة الـدقـيـقـة والتجربة. وهذا بغير شك جانب عظيم األهميةB وخاصة إذا نظرنا إليه في ضوء الفترة التاريخية التي عاشها بيكنB والتي لم تكن تعرف قبل ذلك إال العلم ا9دون في الكتبB ولم تكن تستخلص ا9عرفة إال مـن أفـواه احلـكـمـاء Bشأنه شأن كل رائد يستكشف ميدانا جديدا Bوهكذا كان بيكن .cاألقدم متحمسا أشد التحمس لذلك التصور الذي كونه لنفسه عن العلـمB والـذي يرتكز على ا9الحظة والتجربة ا9باشرة. ولكن هذا لم يكنB كما قلناB سوى جانب واحد من جوانب العلمB إذ أن العلم يحتاج إلى الصياغـة الـريـاضـيـة الدقيقةB إلى جانب احتياجه إلى ا9الحظة والتجربةB والرياضة علم عقلي
129
ا�عالم الكبرى في طريق العلم
ال شأن له {الحظات احلواس وجتاربها. هو الذي أكد أهميةDescartesولقد كان الفيلسوف الفرنسي «ديكارت»
هذا اجلانب اآلخرB اعني اجلانب الرياضي العقليB للعمل العلميB وتطرف بدوره في هذا االجتاه حتى تصور أن مهمة العالمB في مختلف اجملاالتB ال تختلف عن مهمة الباحث في الهندسة: إذ يستنبط بدقة النتائج التي تترتب على مقدمات واضحة كل الوضوحB يضعها العقل وهو موقن بأنـهـا تـصـلـح أساسا متينا لكل معرفة تالية. وكان ا9برر الذي ارتكـز عـلـيـه ديـكـارت فـي تأكيده هذاB هو أن العلم الرياضي أدق العلومB بل هو nوذج الدقة في كل تفكير. فإذا شئنا أن تصل معارفناB في أي ميدان من ا9يادينB إلى مستوى الدقة اجلديرة باسم العلمB كان ال بد لنا أن نتبع هذا النموذج الذي اعتـاد الباحثون في الرياضيات أن يتبعوه منذ أقدم العصورB والذي 3كنوا بفضله
من أن يجعلوا علمهم مثال أعلى لليقc العقلي. Bاللذين ظهرا في مطلع العصر احلديث cوهكذا فان هذين الفيلسوف قد نبها األذهان إلى اجلانبc اللذين أصبح العلم احلديث يرتكز عـلـيـهـمـا خالل تطوراته التالية: وأعني بهما ا9الحظة األمينة للواقع من جهةB والقدرة على صياغة قوانc هذا الواقع بطريقة رياضية من جهة أخرى. ومن اجلدير بالذكر أن العلماء الكبار في ذلك العصرB وعلـى رأسـهـم الـعـالـم اإليـطـالـي
» قد توصلوا-دون أن يكـونـوا قـد اتـصـلـوا بـهـؤالءGalileoالعظيم «جـالـيـلـيـو الفالسفة اتصاال مباشرا-إلى الطبيعة احلقيقية لطريقة البحث العلمي: إذ كان جاليليوB في إثباته لقانون مثل سقوط األجسامB يجرى التجارب ويتحقق منها أوالB ثم يعبر عن النتيجة التي يتوصل إليها بقانون يتخذ شكل معادلة رياضية أو نسبة حسابيةB الخ. وهكذا جمع هؤالء العلماء بc نتائج تفكير الفيلسوفc الكبيرين في ذلك العصر بطريقة تلقائيةB و3كنوا من حتقيق االتزان بc اجلناحc اللذين ال يستطيع العلم التحليق إال بهما معا: وأعنى
بهما ا9الحظة والتجربة من جهةB والصيغة الرياضية من جهة أخرى. وأخيرا فان من العناصر الهامة التي أضيـفـت إلـى مـفـهـوم الـعـلـم مـنـذ أوائل العصر احلديثB ذلك الطابع اجلماعي للعلمB الذي أشـرنـا مـن قـبـل إلى أن بيكن كان من أول من نبهوا إليه. فعلماء العصر احلديث لم يكونـوا مؤمنc بأن العلم جهد فـرديB بـل كـانـت تـسـود عـمـلـهـم مـنـذ بـدايـتـه «روح
130
التفكير العلمي
الفريق». ومنذ أن أصبح العلم نشاطا مـسـتـقـال عـن الـفـلـسـفـةB أخـذ عـدد ا9شتغلc به يتزايد بالتدريجB ألن الباحثc عن احلقيقة أدركوا أنهم توصلوا إلى نوع آخر من ا9عرفة قابل للنمو والتوسع من جيل إلى جيلB وليس مجرد محاوالت فردية تلمع خالل حياة صاحبها ثم تـنـطـفـئ لـكـي تـبـدأ مـحـاولـة أخرى من جديد. وكان العلماء في البدايـة يـحـقـقـون أهـدافـهـم فـي تـبـادل ا9عرفة عن طريق الرسائلB ولكن سرعان ما اتضح أن الرسـائـل ا9ـتـبـادلـة أسلوب بطيء ال يسمح بنشر ا9ـعـرفـة وإخـضـاعـهـا لـنـقـد الـعـقـول األخـرى وحتليلهاB إذ لم تكن ظروف ذلك العصر تسمح للعلماء إال بتبادل رسالة أو رسالتc في العام كله. ومن جهة أخرى فقـد كـان عـدد األبـحـاث الـعـلـمـيـة يتزايد باستمرار. ومن هنا بدأ التفكير-ألول مـرة فـي تـاريـخ الـبـشـريـة-فـي إنشاء جمعيات علمية يتبادل فيها العلماء أبحاثهم وآراءهمB ويقسمون العمل
العلمي فيما بينهم وفقا خلطط مرسومة. ومن الوجهة التاريخية اخلالصةq Bكن القول أن أول جمعية علمية هي
»Academia de Cimento باسم «١٦٥٧التي أنشئت في فلورنسة بإيطاليا عام (وتعني: أكادqية التجربة العلمية). ولكن البداية احلقيقية للجمعيات العلمية
)Royal Societyبكل مقوماتها احلديثة كانت هي اجلمعية ا9لكية في لندن ( . ومنذ ذلك احلc تعاقبت اجلمعيات بسرعةB فأنشئت األكادqية١٦٦٢عام
B ثم أكادqية سان بطرسبورج الروسية عام١٦٦٦الفرنسية في باريس عام .١٧٤٤ وأكادqية برلc عام ١٧٢٩
وبفضل هذه اجلمعيات العلمية الرائدةB لم يتحقق مبدأ العمل اجلماعي والتخطيط ا9نظم في العلم فحسبB بل إن إنشاءها قد دعـم مـبـدأ رعـايـة الدولة للعلماء وإنفاقها على أبحاثهم. ومن ا9ؤكد أن العلم أفاد كـثـيـرا مـن هذا ا9بدأB ال سيما وأن نفقات البحث العلمي كانت في تزايد مستمر. كما أن الدول بدورها اكتسبت فوائد هامة من رعايتها للعلماء: إذ كانت جتد في جناح علمائها مبعثا للفخر ا9عنوي: كما كانت تكلفهم بإجراء البحوث التي تفيدها في حتقيق أهدافها االقتصادية والعسكرية. وسوف نرى فيما بعد أن هذا ا9بدأ ذاته قد اصبح في عصرنا احلاضر سالحا خطيرا ذا حدين.
131
العلم والتكنولوجيا
العلم والتكنولوجيا
في رحلة التفكير العلمي التي نتتـبـعـهـا هـاهـنـا بإيجازB عبر عصور التاريخ البشرى لن نستطيع أن uننتقل إلى العصر احلاضر إال إذا قدمنا إلى القار صفحات قليلة عن العالقة بc العلم والتكنولوجيا طوال عصور ا9عرفة البشريـة. ذلـك الن الـتـداخـل بc هذين الضربـc مـن الـنـشـاط هـو فـي أسـاسـه ظاهرة جديدةB يتميز بها عصرنا هذا بالذات عن غيره من العصورB بحيث ال نكون مبالغc إذا قلنـا أنها هي السمة األساسية ا9ميزة للعلم في مرحلته الراهنة. ومن هنا كان لزامـا أن نـلـقـى الـضـوء-فـي حملة سريعة-على معنى التكنولوجيا وصلتها بالعلم
منذ مراحله األولى حتى عصرنا احلاضر. أن لكلمة التكنولوجياB عند كثير من الناسB رنينا حديثا يجعلهم يظنون أن العالم لم يعرف التكنولوجيا إال في عصر قريبB وأن التكنولوجيا هي اخملترعات احلديثة الراقية التي غيرت معالم احلياة البشرية في العصر احلديثB وخاصة في القرن العشريـن. ولكن واقع األمر هو أن الشيء الوحيد احلديث في هذا ا9وضوع كله هو اللفظ ذاتهB أما الظاهرة نفسها فهي قدqة قدم اإلنـسـان. ومـن اخلـطـأ أن نـربـط بc التكنولوجيا وبc اخملترعات احلديثةB الن هذه
4
132
التفكير العلمي
اخملترعات ال تعدو أن تكون آخر ا9راحل في تـطـور طـويـل بـدأ مـنـذ فـجـر الوعي البشري.
وأول معنى يطرأ على ذهن اإلنسان حc يحاول تعريف التكنولوجيا هو معنى التطبيق العملي. فاحللم معرفة نظريةB والتكنولـوجـيـا تـطـبـيـق لـهـذه ا9عرفة النظرية في مجال العمـل الـبـشـرى. ولـكـنB عـلـى أي شـيء يـنـصـب التطبيق? إذا كنا نقصد أنه تطبيق للمعرفة العلمية النظريةB فان هذا بدوره معنى حديثB إذ أن التكنولوجيا-كما سنرى-لم تكن مرتكزة على العلم طوال اجلزء األكبر من تاريخها. واألصح أن نقول أنها تطبيقية {عنى أنها تنتمي إلى ا9يدان العمليB ميدان الفعل وبذل اجلهد. في شيء يرتبط باليد اكثر ا يرتبط با9خ أو الرأسB وأن كانت الصلة بc اليد والرأس قد أصبحت
وثيقة كل الوثوق في عصرنا احلاضر. وا9عنى الثاني تثيره كلمة التكنولوجيا هو أنها وسيلة تستخدم في العمل البشرى. فمنذ أقدم عصور التاريخ البشري كان اإلنسان يستـعـc بـأدوات تساعده في عملهB وهي أدوات تستحق اسم التكنولوجيا. فتهـذيـب قـطـعـة من احلجر أو ا9عدن وربطها بقطعة خشبية من جذع شجرة واستخدامـهـا فأسا لقطع األشجار أو لتقليب األرض هو نوع من التكنولوجيا. واستخدام النار في الطهي أو في التدفئة أو في صهر ا9عادن كان كشفا تـكـنـولـوجـيـا عظيم األهمية بالنسبة إلى عصرهB بل إن أهميته بالنسبة إلى العصر البدائي الذي ظهر فيهB تفوق بكثير أهمية الطـاقـة الـذريـة بـالـنـسـبـة إلـى عـصـرنـا احلاضر. واختراع العجلة لتيسير عملية نقل البضائع أو انتقال األشخاص أو محاربة األعداءB كان في عصره انقالبا تكنولـوجـيـا ال يـقـل أهـمـيـة عـن
اختراع الطائرات في أيامنا هذه. وإذن فكل ما كان اإلنسان يستعc به للقـيـام بـأعـمـالـهB بـاإلضـافـة إلـى أعضائه وقواه اجلسميةB يستحق أن يسمى تكنولوجيا. ولكن ما عالقة هذه Bلكي تساعده على إجناز أعماله Bالوسائل التي يضيفها اإلنسان إلى جسمه باجلسم البشري ذاته? أنها قطعا امتداد له-ولكن بأي معنـى 3ـد امـتـدادا للجسم? هل هي مناظرة لهذا اجلسم أم مكملة له? ال جدال في أن الوسائل التي يستعc بها اإلنسان في أداء عمله تكمل ما لديه من قدرات. فالفأس ال 3اثل اليد أو الذراع البشريةB ولكنها تكملها وتساعدها على أداء عملها
133
العلم والتكنولوجيا
{زيد من الكفاءة. والعجلة بعيدة كل البعد في شكلها وطابعها العـامB عـن أرجل اإلنسانB ولكنها حتل محل هذه األرجل في االنـتـقـال مـن مـكـان إلـى آخرB وحتقق هذا الهدف {زيد من الفعالية. والنار ال نظير لها عند اإلنسان أصالB ولكنها بدورها تعc اإلنسان على أداء أعمال يعجز عن أدائها بقواه اجلسمية وحدها. وهكذا نصل إلى عنصر آخر في معنى التكنولوجياB هو أنها الوسائل التي يستعc بها اإلنسان لتكملة ما ينقصه من القوى والقدرات. وما دمنا قد حتدثنا عن تكملة النقص في قدرات اإلنسانB فمن الواجب أن ننبه إلى أن هذا النقص يتغير في طبيعته ومداه تبعا لظروف كل عصر. ومعنى ذلك أن العامل االجتماعي له دور في حتديد مستوى التكنـولـوجـيـا ا9طلوبة. وأوضح دليل على ذلك أنه في العصور التي لم تكن فيـهـا اآلالت ا9يكانيكية ضروريةB نظرا إلى وجود قوة عمل العبيد أو األرقاء الذين كانوا يقومون بدور«اآلالت البشرية»B لم تظهر تكنولوجيا اآلالتB مع أن ا9ـعـرفـة العلمية في ذلك العصر كانت قادرة على توصيل اإلنسان إلى صنـع بـعـض أنواع اآلالت على األقل. فأرشميدسB العالم اليونـانـي ا9ـشـهـورB قـد صـنـع بعض أنواع اآلالت التي تسير بطريقة أوتوماتيكيةB ولكنه كان يعاملها على أنها«لعب» يلهو بها اإلنسانB بل كان يخجل من اإلشارة إليها في أبحاثه الن ظروف اجملتمع في العصر الذي كان يعيش فيه لم تكن تتطلب وجود آالت. وهكذا فانهB مع معرفته بطريقة إنتاج اآلالتB لم يحاول أن يستعc بها في ميدان العمل البشرى اجلاد. وفي العصر الذي احتاج فيه اجملتمع إلى اآللة في ميدان العملB ظهرت اآللة بالفعل. وإذا كان القـارu يـجـد صـعـوبـة فـي االقتناع بهذه احلقيقةB أو يجد ا9وضوع معقدا إلى درجة يصعب على العقل Bفليتذكر أن هناك مثال بسيطا نستخدمه كلنا في لغتنا العربية Bاستيعابها وأعني به:«احلاجة أم االختراع»B وهذا ا9ثل يتضمن كل ما قلناه من قبل في cعلى أن هناك ارتباطا وثيقا ب Bهذا ا9وضوع: فهو يدل في عبارة موجزة مستوى التكنولوجيا في أي عصر وبc حاجات اجملتمعB وعلى أن االختراع ال يظهر إال إذا كانت الظروف االجتماعية مهيأة لظهورهB أي انه يعبر عـن العنصر الرابع واألخير في معنى التكنولوجياB أي البعد االجتماعيB وأعنى به أن التكنولوجيا تظهر لكي تسد نقصا يشعر به اجملتمع في مرحلة معينة
من مراحل تطوره.
134
التفكير العلمي
ف التكنولوجيا بأنـهـاّوباجلمع بc هذه العناصر كلها نستـطـيـع أن نـعـر ستخدم ألغراض عملية تطبيقيةB والتي يستعcُاألدوات أو الوسائل التي ت
بها اإلنسان في عمله إلكمال قواه وقدراتهB وتلبية تلك احلاجات التي تظهر .)١(في إطار ظروفه االجتماعية ومرحلته التاريخية اخلاصة
وما دمنا قد حتدثنا عن وجود صلة وثيقة بc مستوى التكنولوجيا في أي عصر وحاجات اجملتمع في ذلك العصرB فمن واجبنا أن نتـسـاءل: هـل يعد العلم واحدا من العوامل التي حتدد حاجات اجملتمع? إن اجملـتـمـع قـد يحتاج إلى اختراع تكنولوجي معc لكي يحـل مـشـكـلـة تـتـعـلـق بـالـزراعـة أو بحرفة يدوية أو بالصناعةB ولكن هل يدخل العلم دائما ضمن العناصر التي تتحكم في حتديد هذه ا9شكلةB وفي توجيه التكنولوجيا إلى حلها? وبعبارة
أوضح: هل كان العلم مرتبطا بالتكنولوجيا في جميع عصورها? إن ابسط نظرة يلقيها ا9رء على التطور التكنولوجي لإلنسان عبر العصور اخملتلفةB تقنعه بأن االتصال الوثيق بc العلم والتكنولوجيا ظاهرة حديـثـة Bالعهد. وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن التكنولوجيا ظاهرة موغلة في القدم وأنها 3تد بقدر ما qتد تاريخ اإلنسانB فينبغي أن ندرك أنها كانت طوال اجلزء األكبر من هذا التاريخ تسير على نحو مستقل عن العلمB وتتطور دون
أن تكون معتمدة عليه. فكل ما توصل إليه اإلنسان من كشوف واختراعات تكنولوجية في العصور القدqةB قد حتقق {عزل عن العلم. ونحن نعلم أن عصور ما قبل التاريخ تقسم إلى مراحل كبرىB كالعصر احلجري والبرونزي والعصر احلـديـدي. وهذه ا9راحل تعبر في الواقع عن مستوى التكنولوجيا في كل عصر: ففـي العصر احلجري كانت أهم األدوات ا9ستخدمة 9ساعدة اإلنسان في عمله مصنوعة من احلجرB وهلم جرا.. ومن ا9ؤكد أن االنتقال من عصر إلى آخر يعبر عن تطور تكنولوجي هائلB {قاييـس الـعـصـور الـقـدqـةB إذ أن قـدرة اإلنسان على استخدام معدن كاحلديد مثال تعني تقدما كبيرا في استخدام النار ألغراض الصناعة وفي استخراج اخلام من األرض وفي تشكيل احلديد ا9صهورB الخ... ولكن هذه التطورات كلها لم تكن تدين للعلم بشيء: فالذين قاموا بها لم يكونوا علماءB ولم يكونوا قد درسوا نظريات علمية معينة ثـم طبقوها فأتاح لهم تطبيقها التوصل إلى اختراع جديدB بل كان هؤالء صناعا
135
العلم والتكنولوجيا
مهرةB توارثوا خبراتهم جيال بعد جيلB وأضافوا إليها من جتاربهم اخلاصة فتطورت صنعتهم ببطء شديدB ا جعل االنتقال من عصر إلى آخر يستغرق آالف السنc. وخالل ذلك لم يكن ا9بدأ ا9تحكم في عملهم هو الدراسةB بل كان مبدأ احملاولة واخلطأ والتجربة العشوائية في كثير من األحيانB بحيث أن احملاولة التي تصيبB التجربة التي تنجح بالعالقةB تتناقل من جيل إلى جيل. وهكذا فان كشوفا حاسمة في تاريخ البشريةB كالنار واخلزف والنسيج
.(٢)والعجلة والسفينةB ¢ حتقيقها على نحو مستقل 3اما عن العلم وينطبق ذلك أيضا عـلـى الـعـصـر الـيـونـانـي الـقـد“B الـذي طـورت فـيـه التكنولوجيا في بعض ا9يادينB ولكنها ظلت منفصلة عن العلمB بل إن هذا االنفصال قد ازداد حدة نظرا إلى ذلك الفهم اخلاص للعلمB الذي ذكرنا من قبل أن اليونانيc كانوا يتمسكون بهB وهو أن العلم جهد نظري يـسـتـهـدف إرضاء حب االستطالع لدى العقل اإلنسانيB وال يتجه إلى حتقيق أية أغراض عملية. وبا9ثل فان العصور الوسطى األوربية واإلسالميةB بل وأوائل العصر احلديثB قد شهدت كشوفا تكنولوجية هامة لـم تـكـن مـبـنـيـة عـلـى أسـاس على: فاختراع البارود الذي كان له تأثير حـاسـم فـي احلـروبB والـطـبـاعـة
بة التي كشفتّرة وا9قرّالتي غيرت مجرى العلم والثقافةB والعدسات ا9كـب لإلنسان أبعاد الكون الشاسع وتفاصيل احلياة الدقيقة-كل هـذه الـكـشـوف 3ت على أيدي صناع مهرةB ال يسترشدون في عملهم بنظرية علـمـيـةB بـل يستعينون {ا توارثوه من خبراتB و{ا يضيفونه إليها باجتهادهم وحدسهم الشخصيB و{ا يضيفونه من حاجة اجملتمع ا9لحة إلى هذه االختراعات. ولو شئنا الدقة لقلنا أن التكنولوجيا هي التي كانت تؤثر في العلم طوال هذه الفترة. فكل مرحلة هامة من مراحل الكشف كان يسبقها تقدم تكنولوجي qهد لها الطريق. وصحيح أن هذا التقدم التكنولوجي لم يكن يحدث ألسباب متعلقة بالعلمB وأن الصناع الذين حققوه لم تكن في أذهانهم أدنى فكرة عما qكن أن يترتب على عملهم من تأثـيـر عـلـمـي الحـق. ولـكـن الـعـلـمـاء كـانـوا يتأثرون-عن وعي أو بغير وعي-بالكشوف التكنولوجيةB ويتخذون منها منطلقا ألبحاثهم النظرية. والدليل على ذلك أن العلم اليوناني-كما ذكرنا من قبل- يدين بالكثير لتلك اخلبرات التكنولوجـيـة الـتـي تـراكـمـت لـدى احلـضـارات الشرقية القدqةB والتي أعطت العالم النظري حافزا قويا للتأمل والتفكير.
136
التفكير العلمي
ولوال هذا التراكم الضخم من ا9عارف العملية 9ا استطاع الـعـلـم الـيـونـانـي النظري أن يحقق إجنازاته هذه في تلك الفترة الوجيزة. ومثل هذا qكن أن يقال عن الفترة التي بدأ فيهـا ظـهـور الـعـلـم األوروبـي احلـديـث فـي عـصـر النهضة: إذ أن العصور الوسطى األوربية لم تكن فترة خاملـة مـن الـوجـهـة التكنولوجـيـةB بـل ظـهـرت فـيـهـا مـجـمـوعـة مـن االخـتـراعـات ذات األهـمـيـة احلاسمةB التي كان لها دور كبير في االنبثاق ا9ـفـاجـئ والـتـقـدم ا9ـتـالحـق
للعلم األوروبي خالل فترة وجيزة. فمن ا9ؤكد مثال أن تطوير الساعة بحيث تصبح جهازا ميكانيكيا (بدال من الساعة الرملية أو الشمسية أو ا9ائية يدل على الوقت بدقةB كان له دور كبير في علوم كثيرة يستحيل إجراء مالحظاتها أو جتاربها إال باسـتـخـدام توقيت دقيق. كذلك فان طواحc الهواء وا9اءB التي أحرزت تقدما ملحوظا في العصور الوسطىB قد ساعدت على ظهور علم ا9يكانيكا الذي كان أهم العلوم وأدقها في ا9رحلة األولى من تاريخ العلم احلديث. أما كشف العدسات فقد كان تأثيره العلمي حاسما: إذ أن التلسكوب الذي استخدمه جالـيـلـيـو كان أداة عظيمة األهمية في أبحاثه العلـمـيـة الـنـظـريـة فـي مـيـدان الـفـلـك cوالطبيعة. وبا9ثل فان ظهور ا9يكروسكوب الذي ¢ على أيدي صناع بارع في صقل العدساتB لم تكن لديهم خبرة علمية كافـيـةB قـد سـاعـد عـلـمـاء آخرين على كشف عالم األحياء الصغيرة الدقيقةB بحيث qكن القول دون مبالغة إن ظهور علم األحياء بوصفه دراسة منهج علمي راسـخ يـرجـع إلـى
هذا الكشف التكنولوجي قبل كل شيء. وإذنB فطوال اجلزء األكبر من تاريخ البشرية لم تكن التكنولوجيا تدين للعلم بشيءB بل كان العلم هو ا9دين لها بالكثيرB حتى في تلك الفترات التي كان يتصور فيها انه علم نظري خالـص مـنـبـثـق عـن الـعـقـل وحـده. وqـكـن القول أن هذا الوضع قد استمر حتى عصر الثورة الـصـنـاعـيـة فـي الـقـرن الثامن عشرB بل ظل قائما في مجاالت معينة طوال جزء كبيـر مـن الـقـرن
التاسع عشر. ولكن شيئا جديدا كان قد بدأ يظهر في هذا اجملال منذ بداية العصر احلديث في العلم األوروبيB أعني مـنـذ الـقـرن الـسـادس عـشـر أو الـسـابـع عشر. ولم يأت هذا الشيء اجلديد بنتائج واضحة في البدايةB ولكنه كـان
137
العلم والتكنولوجيا
نقطة البدء في تطور أصبح له في عصرنا احلاضر أهمية عظمى في حياة اإلنسان. هذا الشيء اجلديد هو التفكير في اسـتـخـدام الـعـلـم لـألغـراض
ترك الكشوف التكنولوجية لبراعة الـشـخـصـيـة أوُالتكنولوجيةB بحـيـث ال ت تدريبه الفعالB وإnا تعتمد على نظرية علمية مؤكدة. ولقد ذكرنا من قبل أن الفيلسوف اإلجنليزي«فرانسس بيكن» كان رائدا في هذا ا9ـيـدان. دعـا إلى نوع جديد من العلمB ال يكون هـدفـه إرضـاء الـطـمـوح الـنـظـري لـلـعـقـل البشرىB بل يكون هدفه حتقيق سيطرة اإلنسان على الطبـيـعـةB وتـسـخـيـر قواها خلدمته وإسعاد حياته. وصحيح أن دعوة بيكن هذهB التي ظهرت في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشرB لم تؤت ثمارها كاملة إال Bولكنها نقـطـة االنـطـالق نـحـو عـصـر جـديـد Bأو أكثر من وفاته cبعد قرن
ونحو فهم جديد لوظيفة العلم وعالقته بالتكنولوجيا. ولقد كانت دعوة بيكن هذه هي التي حفزت اإلجنليز على إنشاء اجلمعية ا9لكية للعلومB على النحو الذي أوضحناه من قبل. وا يثبت أن تأثير بيكن كان حاسما في هذا اجملالB أن األهداف التي وضعتها هذه اجلمعية لنفسها تكاد تكون صورة طبق األصل ا سبق أن دعا إليه بيكن في كتاباته. وكان اجلانب العلمي أو التطبيقي يحتل مكانة بارزة وسط األبحاث التي قام بها أعضاء هذه اجلمعية منذ مراحلها األولى. فقد الحظ بعض البـاحـثـc أن اجلمعية قد أجرت خالل سنواتها األربع األولى بحوثا تستهدف حل حوالي ثالثمائة مشكلةB ومن بc هذه ا9شكالت مائتان لها تطبيقات عـمـلـيـة فـي
B وهما صناعتان أساسيتان في احلياة(٣)صناعة التعدين وا9الحة البحرية االقتصادية لذلك العصر: إذ أن التعـديـن هـو أسـاس الـصـنـاعـةB وا9ـالحـة
البحرية هي وسيلة التجارة وتصريف ا9نتجات. ولكن األمر الذي ينبض تأكيده هو أن ا9سألة لم تكـن مـجـرد عـبـقـريـة شخصية من بيكن-وان كان لهذا العنصر أهميته التي ال تنكر-بل أن بـيـكـن كان يعيش في جو جديدB استطاع أن يكتشف فيه اجتاهات ا9ستقبل قبـل أن تظهر معا9ها بوضوحB وأن يتخذ من الدعوة إليها رسالة حلياته الفكرية. وكان هذا اجلو هو انهيار اإلقطاع في أوروبـاB وظـهـور مـجـتـمـع جتـارى ثـم رأسمالي له احتياجات تكنولوجية هائلة تعجز عن الوفاء بها أساليب الصناع القدqةB مهما كانت براعتهم. وهكذا كان من الضروري أن يدعو بيكن إلى
138
التفكير العلمي
إعطاء التقدم التكنولوجي دفعة قوية إلى األمام عن طريق ربطه بـالـبـحـث العلمي. ولم يكن من ا9مكن أن تظهر ثمـار هـذه الـدعـوة دفـعـة واحـدةB بـل كانت في حاجة إلى فترة 3هيدية تتراكم فيها ا9عرفة العلميةB وتقترب فيها من مجال التطبيق التكنولوجي بالتدريج. ولكن ا9رء حc يتأمل جيدا داللة دعوة بيكن هذهB الذي أطلق عليه البعضB عن حقB لقب«فيـلـسـوف الـثـورة الصناعية»B قبل ظهور هذه الثورة {ائتي عامB وكذلك اجتاه األبحاث التي كانت تتوالها اجلمعية ا9لكية في لندنB سيقتنع بأن ظهور الثورة الصناعية في إجنلترا بالذاتB وريادتها للعـالـم فـي ا9ـيـدان الـصـنـاعـي حـتـى أواسـط
القرن التاسع عشرB لم يكن على اإلطالق من قبيل ا9صادفات. وكما قلناB فقد كان ال بد من مضي فترة انتقالية منذ دعوة بيكن حتى الوقت الذي حتقق فيه التالحم الوثيق بc العلم والتكنولوجيا. وخالل هذه Bالعالم والصانع cيحتل موقعا وسطا ب Bالفترة ظهر نوع جديد من التخصص
» التي لم تكن معروفة من قبل. فـا9ـهـنـدس لـمEngineerهو مهنة«ا9هـنـدس يظهر إال في العصر احلديثB وهو يجمع في مهنته بc ا9ـعـرفـة الـنـظـريـة وبc فهم التطبيقات العملية والقدرة على تنفيذها. ور{ا كانت مهنة ا9هندس تطويرا لعمل الصناع ا9هرةB بعد أن اتضح أن البراعة الشخصية واخلبرات ا9توارثة لم تعد تكفى 9واجهة ا9تطلبات العملية للعـصـر اجلـديـدB وان مـن الضروري إدخال ا9عارف العلمية في ا9يدان التكنولـوجـي. وكـان فـي وسـع ا9هندس أن يسدى إلى البحث العلمي خدمات جليلة: إذ كان لديه من الفهم العلمي ما يتيح له أن يحول اخلطة العقلية التي يرسمها العالم في ذهنه إلى جتربة جترى في مختبرB وبذلك ساعد على تقدم العلم التجريبي مساعدة
فعالة. وعلى يد هؤالء ا9هـنـدسـc حـدثـت فـي عـصـر الـثـورة الـصـنـاعـيـة تـلـك التحوالت الكبرى التي غيرت وجه العالم احلديث: فحلت الطاقة البخارية محل الطاقة ا9ائية أو طاقة احليوانات (اخليـل مـثـال)B واسـتـخـدم الـفـحـم وقودا للمصانع على نطاق واسعB وأصبحت عمليات الغزل والنسيج تتم في مصانع ضخمةB ال في ورش فردية صغيرةB وبدأت اإلنسانـيـة جتـنـي ثـمـار
اجلمع بc العلم واخلبرة العملية التطبيقية. ومنذ ذلك احلc أخذ ذلك االجتاه إلى اجلمع بc العلم والتكنولـوجـيـا
139
العلم والتكنولوجيا
يزداد قوة بالتدريجB بعد أن ظهرت فائدته الـعـمـلـيـة بـوضـوح قـاطـع: إذ أن التطور الذي كان يستغرق مئات الـسـنـc عـلـى أيـدي صـنـاع مـهـرةB أصـبـح يستغرق سنوات قليلة عندما يتدخل فيه العلم ويحل محل اخلبرات ا9توارثة التي ال تتجدد إال ببطء شديد. واكتسب اإلنتاج في مخـتـلـف ا9ـيـاديـن قـوة دافعة هائلة بفضـل االحتـاد الـذي ازداد وثـوقـا بـc الـنـظـريـات األسـاسـيـة وتطبيقاتها العملية. بل لقد أصبح ميدانا العلم والتكنولوجيا يـسـتـخـدمـان أساليب مشتركة ولغة واحدةB وظهر نوع جديد من الـبـحـث الـعـلـمـيB أخـذ Bالعلم النظري والصناعة cويحتل موقعا وسطا ب Bيكتسب أهمية متزايدة هو«البحث التطبيقي»B الذي يأخذ على عاتقه مهمة حتويل الكشوف النظرية اجلديـدة إلـى مـشـروعـات قـابـلـة لـلـتـطـبـيـق عـمـلـيـا. ولـيـس مـعـنـى هـذا أن
ن األساس النظري للتقدمّالبحوث«األساسية»B أعني تلك البحوث التي تكو العلميB وتزود العلماء بفهم جديد لقوانc الطبيعةB لم تعد لها أهميةB إذ أن أحدا ال ينكر أن هذه البحوث هي دعامة كل تقدم علمي حـقـيـقـيB بـل كـل تقدم تكنولوجيB في أي مجتمع. ولكن ا9هم فـي األمـر أن نـسـبـة األبـحـاث
التطبيقية إلى مجموع األبحاث العلمية أخذت تزداد باطراد. ولكن األمـر الـذي يـلـفـت الـنـظـر فـي عـصـرنـا احلـالـي هـو أن الـبـحـوث األساسيةB التي لها طبيعة نظـريـة خـالـصـةB تـتـحـول فـي أقـصـر وقـت إلـى تطبيقات إنتاجية. فا9سافة الزمنية بc ظهور البحث الـنـظـري واكـتـشـاف تطبيقاته العملية قد قلت إلى أبعد حد فـي عـصـرنـا احلـالـي. وقـد أجـرى بعض العلماء مقارنة بc الفترات الزمنية التي كان يستغرقها الوصول من الكشف العلمي النظري إلى التطبيق في ميدان اإلنتاجB منذ عصـر الـثـورة
سنة (أي١١٢الصناعية حتى اليومB فتبc لهم ما يلي:«أحتاج اإلنسان إلـى ) لتطبيق ا9بدأ النظري الذي يبنى عليـه الـتـصـويـر١٨٣٩ إلـى ١٧٢٧من عام
) لكـي يـتـوصـل مـن١٨٧٦ حـتـى ١٨٢٠ سنـة (أي مـن ٥٦الفـوتـوغـرافـيB والـى ١٨٦٧ سنة (من ٣٥النظريات العلمية اخلالصة إلى اختراع التليـفـونB والـى
)١٩٤٠ إلى ١٩٢٥ سنة (مـن ١٥) لظهور االتصال الالسـلـكـيB والـى ١٩٠٢إلى ١٩٣٩ سنوات (مـن ٦) للتلـفـزيـونB و ١٩٣٤ إلى ١٩٢٢ سنة (مـن ١٢للـرادارB و
) للترانزيـسـتـور١٩٥٣B- ١٩٤٨) للقنبلة الـذريـةB وخـمـس سـنـوات (١٩٤٥حتـى .(٤)) إلنتاج الدوائر ا9تكاملة»١٩٦١- ١٩٥٩وثالث سنوات (
140
التفكير العلمي
ومن ا9ؤكد أن طول أو قصر ا9دة الزمنية التي يحتاج إليها االنتقال من األساس النظري لكشف معc إلى ظهور االخـتـراع الـفـعـلـيB يـتـوقـف عـلـى عوامل متعددة: من بينها مدى احلاجة االجتماعية إلى هذا االختراعB ومقدار الوقت واجلهد وا9ال الذي يبذل مـن أجـل الـتـوصـل إلـيـه. فـمـشـروع إنـتـاج القنبلة الذريةB مثالB كان مشروعا حيويا خالل فترة حرب قاسيةB بل كان مسألة حياة أو موتB وكان qثل سباقا رهيبا مع الزمن حتى ال يظهر هذا السالح الفتاك عند النازيc فيصبح أداة لتحقيق أحـالم دكـتـاتـور مـجـنـون مثل هتلرB ومن هنا كرست له موارد أغنى دول العالمB وأعطيت له أولـويـة مطلقة على ما عداه من ا9شروعاتB وتفرغ له أعظم علماء الـطـبـيـعـة فـي القرن العشرين. ولكن من الصحيحB رغم هذا كلهB أن الشقة تضيق تدريجيا بc العلم النظري والتكنولوجيا التطبيقية كلما اقتربنا من العصر احلاضر. بل إن ا9شكلة في أيامـنـا هـذه قـد أصـبـحـتB فـي بـعـض األحـيـانB هـي مشكلة التسرع في التطبيق التكنولوجي قبل القيام بأبحاث علمية كافـيـة. وقد ذاعت في العالمB في السنوات األخيرةB فضيحة العقاقير الطبية التي أنتجت على نطاق جتارى قبل أن 3ر مدة كافية إلجراء التجارب والبحوث التي تكشف عن أضرارها في ا9دى الطويلB وكان من نتيجة هذا التـسـرع في اإلنتاج والدة مئات من األطفال ا9شوهBc أو عدد كبير من التوائم غير Bا9رغوب فيهم. ومثل هذا ينطبق على كثير من مبيدات اآلفـات الـزراعـيـة
التي تبc وجود أضرار جانبية خطيرة لها. وعلى أية حالB فان ما يهمنا من هذا كله هو أن العصر احلالي يشهـد تداخال وثيقا بc العلم والتكنولوجياB زالت معه احلواجز الزمنية التي كانت تفصل بينهما في القرن ا9اضيB وظهرت في ظله أنواع جديدة من البحوث العلمية التي جتمع بc األسس النظرية واجلوانب التطبيقية في آن واحد. Bونتيجة هذا هي أن العلم أصبح هو األساس ا9ؤكد لكل حتول تكنولـوجـي وأن يقوم به الصانع اخملترع أصبح يقوم به اآلن عالم تطبيقي متخصص. وال شك أن التأثير الذي يسـيـر فـي االجتـاه ا9ـضـاد لـه بـدوره أهـمـيـتـه احلاسمة: فكما أصبحت-التكنولوجيا في عصرنا احلاضر متقدمة إلى حد مذهل بفضل ارتكازها على أساس من البحث العلميB فكذلك أحرز العلم قدرا كبيرا من جناحه السريع بفضل مساندة التكنولوجيا: إذ أن التكنولوجيا
141
العلم والتكنولوجيا
هي التي تعطيه أجهزة أدقB وأدوات أفضل للـبـحـثB وطـرقـا أكـثـر فـعـالـيـة الختزان ا9علومات واستعادتها بسرعة فائقة. وباالختصارB فان هذا االمتزاج والتأثير ا9تبادل بc العلم والتكنـولـوجـيـا هـو ا9ـصـدر األول لـقـوة اإلنـسـان
ا9عاصر. هذا التحالف الوثيق بc العلم والتكنولوجياB الذي رأينا أنه مصدر قوة اإلنسان ا9عاصرB كان وما يزال يثير ردود أفعال متباينة بc ا9فكرين. وعلى الرغم من أننا nيل إلى تأكيد الرأي السـابـقB وأعـنـي بـه أن الـبـشـريـة قـد Bالـعـلـم والـتـكـنـولـوجـيـا cأحرزت كسبا هائال منذ أن عرفت كيف تربط بـ و3كنت بذلك من أن تنهض بحياتها كما وكيفاB على نحو كان من ا9ستحيل تصورهB أو حتى تخيلهB في أي عصر-على الرغم من ذلك فان من واجبنا أن نعرض بإيجازB قبل أن نختتم هذا الفصلB لآلراء اخملتلفة التي يعرب فيها ا9فكرون عن تفاؤلهم أو تشاؤمهم إزاء هذه القوة الضخمة التـي اكـتـسـبـهـا
اإلنسان احلديث بعد أن عرف كيف يزاوج بc العلم والتكنولوجيا. - فهناك رأي متشائم عرضه بعض ا9فـكـريـنB وخـاصـة أولـئـك الـذيـن١
تغلب عندهم النزعة األدبيةB يذهبون فيـه إلـى إن هـذا الـتـزاوج بـc الـعـلـم والتكنولوجيا سيخلق آالت ذات قدرات تزداد تـعـاظـمـا عـلـى الـدوامB حـتـى يأتي الوقت الذي يفلت فيه زمامها من يد اإلنسانB فتنـقـلـب عـلـيـهB ور{ـا قضت عليهB أو جعلته عبدا لها. ويبالغ نفر من هؤالء ا9فكرين في تشاؤمهم فيتصورون مجيء يوم تكتسب فيه تلك اآلالت التي يخلقها اإلنسان نوعا من الوعي بذاتهاB وحc نشعر بقدرتها التي تفوق بكثـيـر قـدرة اإلنـسـان الـذي أبدعهاB تدرك أن اإلنسان كائن qكن االستغناء عنهB وحتقق هـذا الـهـدف B«ويسود عه اآللة الصماء التي حتكم العالـم بـقـوة«احلـديـد والـنـار Bبالفعل
با9عنى احلقيقي لهذا التعبير ا9شهور. - وهناك رأي آخر يتطرف في االجتاه ا9ضادB فيذهب إلى أن اآللة هي٢
التي ستحرر اإلنسان من كل أشكال العبوديةB وتأخذ بيده في طريق ا9ستقبل الذي يحلم به. وأصحاب هذا الرأي يتصورون أن تقدم التكنولوجيا هوB في Bسواء أكان ذلك هو قهر الطبيعة لإلنسان Bضمان ضد كل أنواع القهر Bذاته أم قهر اإلنسان لإلنسان. وهكذا يدعو هؤالء ا9تفائلون إلى إطالق العـنـان للتقدم التكنولوجي بال قيودB ويرون في التطـور الـذاتـيB الـتـلـقـائـيB لـآللـة
142
التفكير العلمي
مبشرا بعهد جديد يحقق لإلنسان الوفرة ويعفيه من كل جهد. ٣Bفـي تـأكـيـده أن اآلالت cالسابقـ cأما الرأي الثالث فيخالف الرأي -
مهما ارتقتB إnا هي أداة طيعة في خدمة اإلنسانB وستظـل كـذلـك عـلـى الدوام. وأصحابه يعيبون على ا9تشائمc وا9تفائـلـc ـا جتـاهـلـهـم لـدور اإلنسان في توجيه مسار التكنولوجياB وإنكارهم لذلك البـعـد االجـتـمـاعـي الذي يتحكم في طريقة استخدام اإلنسان لآللةB سـواء 9ـصـلـحـتـه أو ضـد Bقبل كل شيء Bمصلحته. فالتكنولوجيا ا9نبثقة عن العلم وا9تداخلة معه هي ناجت إنسانيB اجتماعيB ولن يصبح لها ذلك االستقالل الذاتي ا9زعـوم إال في ضوء نظرة خيالية مغرقة في التشاؤم أو التفاؤلB ال تقيم وزنا لـتـأثـيـر اجملتمع في نوع اإلجنازات العلمـيـة الـتـي حتـقـق فـيـهB وال تـدرك أن الـعـلـم والتكنولوجيا إnا هما حصيلة جهد مجتمع كامل وثمرة معارفه وأنشطـتـه كلهاB وأن نوع اجملتمع الذي يظهر فيه العلم هو الذي يحدد ما إذا كان هذا
العلم سيسير في اجتاه عدواني أم في اجتاه يستهدف إسعاد اإلنسان. وغني عن البيان أن الرأي الثالث هو الذي يعدB في نظرناB تعبيرا عـن الوضع احلقيقي للتكنولوجيا في الـعـالـم ا9ـعـاصـر. وفـي ضـوء هـذا الـرأي
يستطيع ا9رء أن ينقد الرأيc السابقc بسهولة. ولنبدأ أوال بالرأي ا9تشائم. فقد يبدو للوهلة األولى أن القائـلـc بـهـذا الرأي هم من السذج أو ضعاف النفوسB الذين يرتعـدون خـوفـا مـن تـقـدم التكنولوجيا احلديثة. ولكنB احلقيقـة عـلـى خـالف ذلـك. فـهـم فـي الـواقـع qتدون بخيالهم إلى ا9ستقبل الذي يستشفون معا9ه من خالل تلك البوادر التي بدأت تظهر في احلاضر. وهم يؤمنون بأن العقل البشري الذي انتقل Bفي مائة سنة من اآلالت احلديدية الضخمة القبيحة ذات الفعالية احملدودة Bقادر على أن يصل باآللة Bإلى العقول اإللكترونية الصغيرة عظيمة الكفاءة بعد مائة سنة أخرى مثالB إلى مستوى قد يصبح مهددا بالفعـل. وإذا كـان في تفكيرهم ضعف فهو ال ينصب على تصورهم 9ستقبل التكنولوجـيـا بـل
على تصورهم لعالقة هذه التكنولوجيا شديدة التقدم باإلنسان. ذلك ألن هؤالء ا9تشائمc ينظرون إلى التكنولوجيـا بـوصـفـهـا قـوة لـهـا استقاللها الذاتي وتطـورهـا اخلـاص الـذي يـسـيـر فـي طـريـقـه غـيـر عـابـئ Bومن هنا يشيع بينهم اخلوف من أن يأتي وقت تستولي فيه اآلالت Bباإلنسان
143
العلم والتكنولوجيا
بعد أن يزداد تطورها وتشعر بقدرتها الفائقةB على العالم وتبـيـد اإلنـسـان على أساس أنه كائن لم يعد له داعB بحيث تسود العالم أجهزة باردة جامدة ال تعرف العواطف أو ا9شاعر. أي أن وجهـة نـظـرهـم هـي أن ذلـك اجلـهـد الهائل الذي ظل اإلنسان يبذله طوال تاريخـه لـكـي يـحـقـق سـيـطـرتـه عـلـى الطبيعةB سوف يصل إلى احلد الذي ينقلب فيه على اإلنسانB بحيث يصبح اإلنسان ذاته عبدا للقوى التي أطلقها على أمل أن يستعبد بهـا الـطـبـيـعـة- وكأن الطبيعة هنا تنتقم لنفسها من قهر اإلنسان لها طوال عصره احلديث. وهذا االجتاه الفكري الذي يسير فيه هؤالء ا9تشائمونB ينطـوي كـلـه عـلـى االعتقاد أو على االفتراض الضمني القائل أن هـذه اآلالت حتـكـم نـفـسـهـا بنفسهاB وتسير تلقائيا في طريقها اخلاصB وهو اعـتـقـاد يـتـجـاهـل الـبـعـد اإلنساني في التكنولوجياB ويتأمل التطور التكنولوجي بنظرة أحادية اجلانب. وحc يبدى هؤالء ا9تشائمون جزعهم من أن يأتي اليوم الذي تستعـبـد Bفانهوهكذا فان التحليل في الواقع يعبرون Bوهو اإلنسان Bفيه اآللة مبدعها دون أن يشعرواB عن نظرة متشائمة إلى طبيعة اإلنسان نفسـه-ذلـك ألنـهـم يسقطون وحشية اإلنسان وهمجيته وعدوانيته على اآللة التي هي بطبيعتها سلبية محايدةB والتي ال تفعل إال ما نأمرها به. وقد يكـون هـذا اإلسـقـاط تعبيرا عن ضمير مثقل بالشرور والذنوبB وقد يكون محاولة-للـتـهـرب مـن مسئوليتنا عن الفوضى التي نشـيـعـهـا فـي الـعـالـم نـتـيـجـة إلخـفـاق نـظـمـنـا االجتماعية الفاسدةB بحيث نلقي بالالئمة على اآللة بدال من أن نلوم أنفسنا. وأيا كان األمرB فنحن في كل حالة نبدي فيها تشاؤما {ـسـتـقـبـل اإلنـسـان
ر على عيوب نظمنا االجتماعية باتهام العلمّوطريقة توجيهه جملتمعهB نتست والتكنولوجياB مع أنهما بريئان من كل ما ندينهما به.
احلقيقي 9وقف هؤالء ا9تشائمc ليس هو أن اإلنسان سيصـبـح عـبـدا للتكنولوجيا التي اخترعهاB بل إن التكنولوجيا ستصبح شيئا مخـيـفـا ألنـهـا
ستكون عبدا خاضعا إلنسان تسود العدوانية سلوكه. ولسنا في حاجة إلى التـوقـف طـويـال عـنـد رأي ا9ـتـفـائـلـBc إذ أن هـذا الرأيB بقدر ما يعتمد على«التطور الذاتي للتكنولوجيا» من أجل حل جميع Bليس إال الوجه اآلخر للعملة بالنسبة إلى الرأي ا9تشائم Bمشكالت اإلنسان وكل ما قلناه من قبل في نقد هذا الرأي األخير يـنـطـبـق عـلـيـهB ولـكـن مـن
144
التفكير العلمي
اجلانب ا9ضاد بطبيعة احلال. فليس من حقنا أن نغرق في التفاؤل إلى حد االعتقاد بأن اآللة قادرة على حتقيق السعادة للبشرB أو تخليصه من الشقاء وا9عاناة«بجهودها اخلاصة» أو«بتطورها التلقائي»B إذ أننا بذلك نعفي أنفسنا من مسئولية إصالح أوضاعناB ونلقـي بـهـذه ا9ـسـئـولـيـة عـلـى اآللـةB مـع أن اإلنسان وحده هو القادر على حل ا9شكالت التي أوقع نفسه فيهاB مستعينا
في ذلك-طبعا-بالتقدم التكنولوجي. ولقد خلص أحد الرواد العظام للتكنولوجيا في عصرنا احلاضرB وهو
)B مكتشف السيبـرنـطـقـيـاB احلـدودN.F.Wiener ()٥(نوربرت فوربرت فـيـنـر التي ال ينبغي أن يتعداها إqاننا بقدرات اآللة أو خوفنا من طغيانها بقوله: «أعط ما لإلنسان لإلنسانB وما للعقل اإللكتروني للعقل اإللكتروني». وكان يعني بذلك أن اإلنسان يظل لـه دوره الـهـام واألسـاسـي فـي عـصـر الـتـقـدم التكنولوجي ا9ذهلB وأن أرقى أنواع اآلالت تظل على الدوام أداة طيعة في يد صانعهاB وتتجه-إن خيرا وان شرا-في نفس الطريق الذي يريدها اإلنسان
أن تسلكه.
145
حملة عن العلم ا�عاصر
حملة عن العلم املعاصر
األساس النظري: كان العلم األوروبي عند مطلع العـمـر احلـديـث علما ميكانيكيا في احملل األولB فا9يكانيكا نفسها كانت أهم العلوم وأدقهاB وبفضلها حتققت مجموعة كبيرة من كشوف القـرنـc الـسـابـع عـشـر والـثـامـن عشر. واألهم من ذلك أن nوذج ا9عرفة ذاتـه كـان هو النموذج اآللي: أعـنـي أنـك تـسـتـطـيـع أن تـفـهـم الظواهر على أفضل نحو إذا استطعت أن تنظمها في نسق تـكـون فـيـه كـل مـنـهـا مـؤديـة إلـى األخـرى بطريقة آلية خالصة. بل إن الكون كله كان في نظر فالسفة العصر احلديث آلة ضخمة تسير في عملها بانتظام الساعة الدقيقةB وعالقة اللـه بالعالم أشبه بعالقة الصانع بصنعته: {عنى أن العالم قد صنع متقنا منذ البدايةB ويظل يسير في طريقه بعد ذلك
بنفس الدقة واالنتظام اللذين صنع بهما. وكانت أهم العوامل ا9ؤدية إلى دعم هذه النظرة اآللية إلى العلمB إمكاناتها التطبيقية الهائلـة الـتـي بلغت قمة جناحها بظـهـور اآللـة الـبـخـاريـة وبـدايـة عصر جديد من عصور اإلنتاج البشرى. وكان مـن الطبيعي أن يواكـب هـذا الـنـجـاح إqـان بـأن فـكـرة اآللية تنطبق على كـل شـيءB حـتـى عـلـى األجـسـام
5
146
التفكير العلمي
احليةB بل وعلى اإلنسان نفسه. وفي القرن الثامن عشر كأن فالسفة عصر التنوير الفرنسيون من أقوى دعاة هذا الفهم اجلديد للعلمB ومن هنا كانت حملتهم على كل أشكال التفكير الغيبي وا9يتافيزيقيB ودعوتهم إلى فهم كل الظواهر بنفس ا9نهج الذي ثبت جناحه في العلم. وظل هذا االجتاه مستمرا طوال اجلزء األكبر من القرن التاسع عشرB وكان الناطق باسمه هو الفيلسوف
الذي نادى بفلسفة ترتكز عـلـىAuguste Comteالفرنسي «أوجست كـونـت» التجربة الدقيقةB وال تعترف إال با9عرفة ا9ستمدة من ا9الحظات والتجارب العلميةB وأكد أن ا9رحلة العلمية التجريبية هي أعلى ا9ـراحـل الـتـي يـصـل إليها العقل البشرى عند نضوجهB وأنها هي التي ينبغي أن حتـل مـحـل كـل ألوان التفكير األسطوري والالهوتي وا9يتافيزيقي التي سادت في العصور
الغابرة. وقد أدى ظهور نظرية التطور على يد دارونB في أواسط القرن التاسع عشرB إلى إعطاء هذا االجتاه اآللي دفعة قوية: إذ أن هذه النظرية فسرت تطور األنواع احلية وتنوع صفاتها {ضي الزمن تفسيرا آليا بحتاB ال دخل فيل إال للعوامل الطبيعية اخلاصة بالتكيف مع البيئة. وكان معنى ذلـك أن مبدأ اآللية ال يسرى على الظواهر الطبيعية فحسبB بل ينطبق على األحياء
Claude Bernardبدورهم. وقد عبر الطبيب الفرنسي ا9شهور «كلود بـرنـار» أدق تعبير عن تلك ا9رحلة التي أعلن فيها انتصار النظرة اآللية إلى العالم انتصارا مطلقاB بتطبيقها على ظاهرة احلياةB ال على الظواهر الطـبـيـعـيـة غير احلية فحسبB وذلك في نص مشهور يقول فيه: «هناك بديهية جتريبية ينبغي التسليم بهاB هي أن شروط وجود أية ظاهرة qكن حتديدها بطريقة قاطعةB وأن هذا يسرى على مجال الكائنات احلية مثلما يسرى على األجسام اجلامدة. على أن هناك أناسا ينادون {ذهب يطلقون علـيـه اسـم الـنـزعـة Bوباسم هذا ا9ذهب يقولون بأفكار شديدة البطالن في هذا ا9وضوع Bاحليوية إذ يعتقدون أن دراسة ظواهر ا9ادة احلية ال qكن أن تكون لها أدنى صلـة بدراسة ظواهر ا9ادة غير احلية. وهم يتصورون أن للحياة تأثيرا غامـضـا خارقا للطبيعةq Bارس فاعليته بطريقة عشوائيةB متحررا من كل حتميـة. أما أولئك الذين يبذلون جهودهم من أجل تفسيـر الـظـواهـر احلـيـويـة عـن طريق عوامل كيمائية وفيزيائية محددةB فانهم يصفونهم بـأنـهـم مـاديـون..
147
حملة عن العلم ا�عاصر
»)١(وتلك كلها أفكار باطلة.. وظل هذا االجتاه العلمي اآللي فـي صـعـود خـالل الـنـصـف الـثـانـي مـن القرن التاسع عشرB بل لقد بلغ في تلك الفترة قمة جناحه عندما تالحقت النظرية والتطبيقات العملية التي غيرت وجه احلياة في العالـم: كـاخـتـراع التليفون والتلغراف والتصوير الفوتوغرافي والسينما والسيـارة والـطـائـرة. وكانت نتيجة ذلك هي سيادة نوع من اإلqان ا9تطرف بالعلمB وصل إلى حد االعتقاد بأن العلم الدقيق هو الـشـكـل الـوحـيـد الـذي يـنـبـض لـإلنـسـان أن Bوبأن احلقيقة في جميع مجاالتها Bسائر أشكال ا9عرفة cيعترف به من ب يستوي في ذلك أعماق اإلنسان الباطنة وأطراف الكون اخلارجيةB ال تتكشف إال عن طريق منهج جتريبيB وأن ا9عرفة العلمية الدقيقة بأسباب الظواهر هي وحدها القادرة على أن تأخذ بيد البـشـريـة فـي الـطـريـق ا9ـوصـل إلـى السعادة والكمال. وإذا لم تكن هذه النزعة العلمية ا9تطـرفـة قـد جتـاهـلـت أنواع ا9عرفة التي يقدمهـا إلـيـنـا الـفـن أو الـشـعـر أو األدب أو االسـتـبـصـار Bفإنها كانت تدعو إلى قيام هذه األنواع كلها على أسس جتريبية Bاألخالقي
وبنائها على وقائع تخضع للمالحظة والتحقيق التجريبي. على أنهB في نفس الوقت الذي بلغ فيه هذا االجتاه اآللي في العلم أوج النجاح في أواخر القرن التاسع عشرB بدأت الصورة تتغير بسرعةB وظهرت عوامل متعددة أدت إلى تزعزع هذا االعتقاد بأن ا9عرفة التجريبيةB ا9رتكزة على وقائع qكن مالحظتهما وحسابها بدقة كاملةB هي النمط النموذجـي لكل أنواع ا9عرفة األخرىB أو هي وحدها التي تصلح منهجا للبحث العلمي. فقد ظهرت في علم الفيزياء كشوف شـكـكـت الـعـلـمـاء فـي أن يـكـون عـالـم اجلزئيات ا9ادية الدقيقةB أعني عالم ما دون الذرةB خاضعا 9سار حـتـمـي دقيق qكن التنبؤ به مقدماB وتبc أن ا9ادة تتبدد على شكـل طـاقـةB وكـان Bالنظرية اآللية في العلم uمعنى ذلك التشكيك في مبدأ أساسي من مباد واعني به االعتقاد بأنه ال شيء يتحول إلى العدم أو يظهر من العدم. وqكن القول أن الصورة اجلديدة للعالمB كما تتضح من خالل الكشـوف الـعـلـمـيـة Bاحلاسمة في فترة االنتقال من القرن التاسع عشر إلـى الـقـرن الـعـشـريـن أصبحت بعيدة كل البعد عن فلك العالم الذي هو أشبه بآلة ضخمة تتحرك كل أجزائها وفقا لقوانc ميكانيكية بحيث qكن التنبؤ {سارها وتغيراتها
148
التفكير العلمي
بدقة كاملةB ومخالفة لالعتقاد القـد“ بـأن أسـاس الـعـالـم مـادة مـلـمـوسـة تتخذ أشكاال متباينة من خالل حركتها. فالعالم كما كشفت عنه الـفـيـزيـاء احلديثةB هو عالم من القوى والطاقات التي تتبادل التأثـيـرB وهـو فـي أدق
جزيئاته مجموعة من الشحنات التي يستحيل التنبؤ {سارها مقدما. هذه التطورات احلاسمة لم يكن معناها فقدان الثقة في العلم أو فـتـح الباب على مصراعيه أمام االجتاهات ا9عادية له. فمثل هذه النتيجةB التي Bاستخلصها البعض بالفعل في أول عهد النظـريـات الـفـيـزيـائـيـة اجلـديـدة ليست صحيحة على اإلطالق. بل أن الصحيح هو أن العلم قد اكتسب من تطوراته هذه قوة دافعة أدت به إلى ا9زيد من التقدم. وكان اكتشاف التعقيد ا9تزايد لتركيب ا9ادة ولقوانc الطبيعة بوجه عامB حافزا للعلماء كيما يتوصلوا إلى كشوف تطبيقية أعقد من كل ما عرفته البشرية حتى ذلك احلc. وإذا كنا نفخر في عصرنا احلاضر باكتشاف الطاقة الذرية واحلقول اإللكترونية وارتياد الفضاءB فمن ا9ؤكد أن هذه الكشوف كان من ا9ستحيل إجنازها في الوقت الذي كانت تسود فيه النظرة اآللية ا9ـبـاشـرة إلـى الـعـالـم. وهـي لـم تصبح كنة إال منذ اللحظة التي اكتشفنا فيها التعقد ا9تزايد لـلـطـبـيـعـة والطائرات ا9تبادلة 9كوناتهاB فكان هذا االكـتـشـاف هـو األسـاس الـنـظـري الذي مهد لظهور مخترعات ونواجت علمية 3اثل في تعقدها قوانc الطبيعة
التي بنيت عليها.
الوضع احلالي للعلم: Bفي القرن العشرين حدثت ثورة كمية وكيفية هائلة في اجملال العلـمـي {عنى أن نطاق العلم قد اتسع إلى حد هائلB كما أن إجنازاته قد اكتسبت صفات جديدة وأصبحت أهميتها تفوق بكثير كل ما كان احللم يحققه في أي عصر سابق. بل أن هذا التغير جعل العلم هو احلقيقـة األسـاسـيـة فـي عالم اليومB وهو احملور الذي تدور حوله كل ا9ظاهر األخرى حلياة البشر. ولو نظرنا إلى األمر من الزاوية الكمية اخلالصةB لتبc لنا أن معدل nو العلم قد تسارع بصورة مذهلة خالل القرن العشرينB إذ تقول اإلحصاءات أن كمية ا9عرفة البشرية تتضاعفB في وقتنا احلاليB خالل فـتـرة تـتـراوح بc عشر سنوات وخمس عشرة سنةB وهو ما كـان يـسـتـغـرق فـي الـعـصـور
149
حملة عن العلم ا�عاصر
ا9اضية مئات السنc. وسيظل هذا في ازدياد مستمرB بحيث أن اإلنـسـان سيحتاج من اجل مضاعفة معرفته بالعلم عند نهاية هذا القرن إلى فترة ال تزيد عن خمس سنوات. وبطبيعة احلال فان تعبير «مضاعفة كمية ا9عرفة البشرية» قد يبدو تعبيرا مضلالB ألن في ا9عرفة البشرية أمـورا ال تـقـاس بالكمB فضال عن أن بحثا واحدا قد يكون أعظم أهمية في تقرير مـصـيـر العلم من عشرات األبحاث. ولكـن مـن ا9ـمـكـنB مـع ذلـكB حتـديـد مـسـتـوى ا9عرفة في ميدان العلوم الطبيعيةB بصورة مجملةB عن طريق عدد األبحاث
التي جترى فيه. كذلك فان عدد العلماء يتزايد {عدل مذهل: فأشد اإلحصاءات حتفظا تقول أن عدد العلماء الذين يعيشون اآلن يساوى ثالثة أرباع مجموع العلماء الذين عاشوا على هذه األرض منذ بدء التاريخ البشرىB وهناك إحصاءات
ال-أن الزيادة في عدد العلماءّتقول أن العددين متساويان. ولو افترضنا-تخي قد استمرت بنفس معدلها احلالي فسيكون معنى ذلك أن كل رجل وامرأة وطفل ال بد أن يصبح عا9ا في أواسط القرن ا9ـقـبـل. وكـذلـك يـقـدر هـواة اإلحصاءات انه لو استمرت زيادة اإلنتاج في البحوث العلمية بنفس معدلها احلاليB فان وزن اجملالت العلمية ا9وجودة في العالم سيصبحB بـعـد مـائـة سنةB اثقل من الكرة األرضية ذاتهاB ولو استمر اإلنفاق على األبحاث العلمية في الدول ا9تقدمةB يتزايد {عدله احلاليB فان هذه الـدول سـتـنـفـقB بـعـد فترة ال تزيد عن خمسc سنةB كل دخـلـهـا الـقـومـي عـلـى الـبـحـث الـعـلـمـي والتكنولوجياB دون أن يتبقى منه شيء للتعليم أو الصحة أو الغذاء أو اجليش. هذه كلها بطبيعة احلال إحصاءات فرضيةB ألن حياة البشرية ستصبح مستحيلة لو أصبح كل رجل وامرأة وطفل فيها عا9اB ولم يعد هناك صناع
ترك ا9طبوعات العلمية لـتـتـراكـمُأو زراع أو موظفون. ومن ا9ستـحـيـل أن ت حتى تسد علينا منافذ احلياةB أو أن ننفق على البحث العلمي وحده ونترك سائر القطاعات احليوية بغير إنفاق. فكل ما تدل عليه هذه اإلحصاءات هو أن معدل النمو في العلم يتزايد في القرن العشرين بسرعة مـخـيـفـةB وأنـه Bوتخفيف حدتها في ا9ـسـتـقـبـل Bسيكون من احملتم وضع حد لهذه الزيادة حتى تصبح حياة اإلنسان كنةB وأن كان هذا ال يـعـنـى بـأي حـال إيـقـاف تقدم العلمB ألن العدد احلالي من العلماءB حتى لو استمر دون زيادةB كاف
150
التفكير العلمي
إلحداث تغيرات هائلة في العلمB السيـمـا وأن الـظـروف الـتـي يـعـمـل فـيـهـا العلماء واألدوات التي يستخدمونهاB سوف يرتفع مستواها وتتضاعف قدراتها
على الدوام. Bومن جهة أخرى فهذه اإلحصاءات تنطبق على البالد ا9تقدمة وحدها cإلى أي حد ستظل الهوة بينـنـا وبـ uوهي وحدها كافية لكي يدرك القار العالم ا9تقدم تتسع باستمرارB إذا لم يتفق موقفنا من الـعـلـم ومـن الـبـحـث العلمي تغييرا جذريا. ففي الوقت الذي أصبحت فيه البالد ا9تقدمة تشعر بخوف حقيقي من جراء النمو السريع للبحث العلمـيB وتـفـكـر فـي وسـائـل إيقاف هذا التسارع ا9ذهلB نعاني نحن من نوع عكـسـي مـن اخلـوف عـلـى مستقبلنا في عالم يقرر مصيره العلم الـذي ال نـبـدي بـه اهـتـمـامـا كـبـيـرا. وأبسط ما qكننا أن نالحظهB في هذا الصددB هو أن الـنـجـاح فـي الـعـلـم (كما هو في ميدان ا9ال) يولد مزيدا من النجاحB وأن االتساع ا9تزايد فـي قاعدة البحث العلمي وازدياد جذورها تعمقاB يعطى اجليل الـقـادم فـرصـا أعظم 9ضاعفة اإلجنازات العلميةB ا يؤدى في النهاية إلى تقدم يستحيل أن يتنبأ العقل بأبعاده. أما في حالة البالد ا9تخلفة علميا فان الفشل يؤدى Bإلى مزيد من الفشل: الن العلماء الذين يشعرون بخيـبـة األمـل واإلحـبـاط والذين يفتقرون إلى وسائل الـبـحـث اجلـاد إمـكـانـاتـهB وqـشـون فـي جـو ال يشجع عليهB سيتركون من ورائهم جيال أكثر إحباطا واقل مقدرةB وسيصبح
هذا اجليل األضعف هو ا9سئول يوما ماB وهلم جرا. فإذا حاولنا أن نقدم عرضا ألهم إجنـازات هـذا الـعـلـم ا9ـعـاصـرB لـكـي نتبc منها ا9المح ا9ميزة له من العلم في العصور ا9اضيةB فإن مهمتنا تبدو في هذا الصدد شديدة الصعوبة ذلك الن هذه اإلجنازات تبلغ من الـكـثـرة والتشعب حدا يجعل من العسير تقد“ عرض يتسم بأي قدر من الشمـول لهاB كما يجعل من الصعب االختيار بينها إذا كان الهدف هو عرض nاذج منها. وعلى أية حالB فسوف نكتفي بالكالم عن مجـمـوعـة مـن اإلجنـازات التي يكاد يكون هناك إجماع في الرأي على أهمـيـتـهـا الـعـظـمـى فـي حـيـاة اإلنسان ا9عاصرB مع تأكيد حقيقة أساسية هي أن هناك إجنازات أخرى ال
تقل عنها أهمية في نظر الكثيرين. أول هذه اإلجنازات هو كشف إمكانات الطاقة الذرية. ولقد كان اكتشاف
151
حملة عن العلم ا�عاصر
الطاقة الكامنة في الذرة حصيلة مجموعة كبيرة من التطورات األساسـيـة cإلى معـادلـتـه ا9ـشـهـورة بـ «cمن أهمها اهتداء «أينشت Bفي علم الفيزياء ا9ادة والطاقة. ولسنا نود أن نتحدث اآلن عن األهمية النظرية لهذا الكشف cما كان يعتقد انـه «مـادة صـلـبـة» وبـ cالكبير الذي أزال احلد الفاصل ب الطاقة التي هي مجرد قوة غير ملموسةB ولكـن مـا يـهـمـنـا هـو أن مـعـادلـة Bظلت حقيقة «نظرية» في حاجة إلى التحقيق العلمي والتجريـبـي cأينشت وكانت الظروف العا9يةB اخلارجة عن نطاق العلمB هي وحدها التي هيأت الفرصة لهذا التحقيق العمليB وهي التي جعلت أول وأهم تطبـيـقـات هـذه
ا9عادلة يحدث في ا9يدان العسكري. فقد كان من ا9عروفB قبل احلرب العا9ية الثانيةB أن العلماء األ9ان قد قطعوا شوطا بعيد في محاولة استغالل ا9عرفة النظرية ا9تعلقة بالتركيب الداخلي للذرةB وكان من احلقائق ا9سلم بها أن هذه احملاوالت سوف تسير أوال وقبل كل شيء في االجتاه العسكري. وكان هناك خوف حقيقي من أن يكتسب هؤالء العلماءB في عهد هتلرB القدرة على االستغالل احلربي لتلك الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرةB وتضاعف هذا اخلوف باقتراب نذر حرب عا9ية جديدةB وبا9سلك العدواني ا9غرور الذي كان هتلر يسلكه مع الدول احمليطة به في الفترة السابقة على تـلـك احلـرب. وكـان أول مـن تنبه إلى هذا اخلطر مجموعة من العلماء معظمهم ن هاجروا إلى الواليات ا9تحدة فرارا من االضطهاد في العهد النازي. وهكذا اجتمعت كلمة هؤالء Bعلى أن يكتبوا إلى الرئيس روزفلـت Bنفسه cوعلى رأسهم أينشت Bالعلماء رئيس الواليات ا9تحدة في ذلك احلBc داعـc إيـاه إلـى أن يـخـصـص لـهـم األموال واالستعدادات الالزمةB حتى يتسنى لهم الوصول إلى هذا السالح اجلديد قبل أن يتوصل إليه حاكم طاغ qكـن أن يـسـيـطـر بـه عـلـى الـعـالـم
ويفرض عليه قيمه وأفكاره ا9عادية لإلنسان. Bفي هذا ا9شروع cوبالفعل قدمت الدولة إلى مجموعة العلماء ا9شتغل
كل ما يحتاجون إليهManhattan Projectالذي عرف باسم «مشروع مانهاتان» من مساعدات ووسائل للبحثB واستطاع العلماء األمريكيون أن يجروا في
في صحراء نيفاداB أول جتربة ذرية في التاريخB ولم 3ض إال مدة١٩٤٥عام قصيرة حتى وضع السالح الرهيب اجلديد موضع التطبيق الفعليB فألقيت
152
التفكير العلمي
B وأعقبتها١٩٤٥ أغسطس ٨أول قنبلة ذرية على هيروشيما في اليابان في بعد أيام قالئل القنبلة الثانية على جنازاكىB ا عجل باالستسالم النهائي
لليابانB آخر دولة ظلت في احلرب. وسوف نتحدث فيما بعد عن الداللة اإلنسانية للسالح الذرى بوجه عام ولقنبلتي هيروشيما وجنازاكي-وهما القنبلتان الذريتان الوحـيـدتـان الـلـتـان استخدمتا في حرب حقيقيةB حتى اليوم-بوجه خاصB ولكن ما يهمـنـا فـي هذا الصدد هو اإلشارة إلى أن جناح «مشروع مانهاتان» كان معـنـاه دخـول اإلنسانية عصرا جديدا هو ما اصبح يعرف بعد ذلك باسم العصر الذرى. وصحيح أن اإلنسانية قد أعلنت عن دخولها هذا العصر بطريقة تدعو إلى
يصم اآلذان وكرة هائلة مـن الـنـار تـصـهـر حـرارتـهـاّاألسى مـن خـالل دوى احلديدB وصراخ عشرات األلوف من األطفال والنساء والضحايا الذيـن ال يعرفون 9اذا يحدث ذلك كلهB ومن ا9هم في األمر أن العلم اإلنساني وصل بهذا االنفجار إلى نقطة حتول حاسمة في تاريخهB وأن إحدى قمم ا9عرفة
لغت من خالل احلضيض الذي تردت إليه اإلنسانية في أبشعُالبشرية قد ب وأسرع حادثة قتل جماعي في التاريخ.
ومنذ ذلك احلc أصبحت الذرة من أبرز ا9عالم ا9ميزة لعصرناB فتطورت األسلحة في ا9يدان العسكريB من القنابل الذرية إلى القنابل الهيدروجينية التي هي أشد فتكا بكثيرB ووصلت هذه القنابل اآلن إلى درجة من القـدرة التدميرية اصبح العلماء معها يصنفون قنبلة هيروشيما بأنها «لعبة أطفال». ولم تعد هذه القنابل اآلن سالحا عسكريا فحـسـبB بـل أصـبـحـت سـالحـا cوح Bلم تعد حتتكرها دولة واحدة cوذلك ح Bاستراتيجيا في احملل األول تطورت وسائل نقلها وأصبحت قادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم. وهكذا نشأ ميزان الرعب النووي بc الدولتc الكبيرتBc الواليات ا9تحدة واالحتاد السوفيتيB وترتبت على ذلك ا9ناورات السياسية والعسكرية التي شهدتها فترة ما بعد احلرب العا9ية الثانيةB وكل محاوالت الردع واالحتواء
واألحالف العسكريةB ثم التعايش السلمي والوفاق... وفي اجلانب اآلخر كان العلماء يشتغلون بجد من أجل كشف الوسـائـل التي qكن بها تسخير هذه الطاقة الهائلة اجلديدة لـألغـراض الـسـلـمـيـة. وبالرغم من كـل مـا ¢ إحـرازه فـي هـذا ا9ـيـدان مـن تـقـدمB فـان احلـقـيـقـة
153
حملة عن العلم ا�عاصر
ا9ؤسفة التي ينبغي االعتراف بهاB والتي تنطوي على إدانة خطيرة لإلنسان ا9عاصرB هي أن القدرة على استخدام الذرة في اجملاالت السلمية ما زالت Bفي مستوى أقل بكثير من القدرة على استخدامها في األغراض العسكرية أي أن اإلنسان ما زال يثبت أنه اقدر على استخدام عقله وعـبـقـريـتـهB مـن أجل ا9وتB منه على استخدامه من أجل احلياة. ومع ذلك فال بد أن نسجل أن عدادا من اإلجنازات الهامة قد حتققـت فـي هـذا ا9ـيـدان: إذ أن الـذرة استخدمت في العالج الطبي بنجاح غيـر قـلـيـلB وخـاصـة فـي حـالـة بـعـض Bكما أمكن بفضلها إجناز مشروعات هندسية كبـرى Bاألمراض ا9ستعصية كشق الترع أو حفر األنفاق أو هدم عوائق صخرية ضخمةB واالهم من ذلك Bأن شوطا كبيرا قد قطع في طريق استخدام الطاقة الذرية كمصدر للوقود
وما زالت األبحاث جارية لكي تستطلع كل إمكانات هذه الطاقة الهائلة. وفي نفس الوقت الذي دوى فيه صوت االنفجار الذرى في هيروشيمـا Bيعلن بأبحاثه uكان هناك عالم هاد Bلكي يعلن على ا9أل بداية عصر الذرة
Cyberneticsفي تواضع شديدB قيام علم جديد أطلق عليه اسم «السيبرنطيقا» وكان ظهور هذا العلم اجلديد هو بدوره واحدا من ا9عالم البارزة لعصـرنـا احلاضرB بل قد يثبت على ا9دى الطويل أن تأثيره في مستقبل اإلنسانـيـة أهم {راحل من تأثير االنشطار النووي. هذا العـالـم هـو «نـوربـرت فـيـنـر»
Norbert Wienerالـذي كـانـت أبـحـاثـه هـي األسـاس األول الخـتـراع الـعــقــول .(٢)اإللكترونية.
كانت فكرة هذا العالم هي تطبيق ما يحدث في اإلنسانB بوصفه جهازا حيا متكامالB على اآلالت من أجل بلوغ مرحلة جديدة في تطورها مختلفة عن كل ما استخدمت فيه اآلالت من قبل. وعلى هـذا األسـاس فـقـد درس الوظائف التي يقوم بها اجلهاز العصبي لإلنسانB والـتـي يـتـمـكـن اإلنـسـان بواسطتها من أن يصحح مسار أفعاله ويعيد توجيهها وفقا 9ا يواجهـه مـن مواقفB وأن يأمر نفسه ويطيعها ويختبر نتائج سلوكه ويعدلها. وحc أمكن تطبيق نتائج هذه الدراسات في صنع جيـل جـديـد مـن اآلالتB كـانـت تـلـك آالت من نوع لم يألفه اإلنسان من قبل: فهي ليست تلك اآلالت التي حتتاج إلى إشراف دائم لإلنسانB وال تعمل إال وفقا ألوامرهB وال تسير إال في خط واحد يرسمه لها مقدماB بل أنها كانت آالت تصحح مسارها بنفسهاB وتتبادل
154
التفكير العلمي
مع نفسها األوامر وتنفيذ األوامرB وتقوم بأعمال إنتاجية أعقد وأكمل بكثير ـا كـانـت تـقـوم بـه األجـيـال الـسـابـقـة مـن اآلالتB سـواء مـنـهـا الـبـخـاريـة والكهربائية. وهكذا كانت فكرة تلـك اآلالت تـتـضـمـن فـي داخـلـهـا «عـقـال» حاسبا يراقب عملها ويعدله ويصححهB ويعيد توجيه سيرها وفقا 9ا يجريه
من حسابات. Bوقد جنحت هذه اآلالت في إحداث حتول هائل في ميدان اإلنتاج ا9ادي إذ أن كفاءتها كانت أعلى بكثير من كل أنواع اآلالت السابقةB فضال عن أنها توفر نسبة كبيرة من األيدي العاملةB أي كانت حتقيقا فعليـا حلـلـم بـشـري قد“B هو حلم اآللة التي تقوم بكل أعمال اإلنسان وتعفيه من مشقة العمل.
.Automationوهذا بالفعل ما حدث إلى حد بعيدB في عصر اآللية الذاتية ولكن اإلجناز األكبر لـهـذا ا9ـبـدأ الـهـام الـذي قـامـت عـلـيـه هـذه اآلالت اجلديدة كان تطبيقها في ميدان العمل الـعـقـلـيB بـاخـتـراع نـوع جـديـد مـن اآلالتB هو «العقول اإلليكترونية»B وكان ذلك شيـئـا جـديـدا كـل اجلـدة فـي التاريخ البشرى: إذ أن كل ما كان يستعc به اإلنسان قبل ذلك من وسائـل Bابتداء من الفأس ودواب احلمل حتى اآللة البخارية والكهربائـيـة Bوأدوات Bكانت توفر على اإلنسان طاقته «اجلسمية» فتقوم بدال منه بالعمل ا9رهق أو تنقله بطريقة أسرعB أو تنتج له سلعة بوفرةB أما ا9يدان العقلي فقد كان اإلنسان وحده هو الذي يتحمل أعباءه ويؤمن بأن شيئا لن يستطيع أن qد إليه يد ا9ساعدة فـي هـذا ا9ـيـدان بـالـذات. ومـن هـنـا فـان ظـهـور الـعـقـول اإللكترونية يعد مرحلة جديدة في حياة اإلنسان العقليةB وخطوة جبارة في طريق التقدم العلميB فضال عن أنه فتح آفاقا هائلة أمام ا9عرفة البشرية
في مختلف ميادينها. والواقع أن هذا الكشف اجلديد قد أتى في وقته ا9ناسب 3امـا. ذلـك ألن العصر احلاضر هوB باعتراف الكثيرينB عصر «االنفجار ا9ـعـرفـي» أو «انفجار ا9علومات» فكمية ا9علومات في أي ميدان من ميادين البحثB مهما كان مقدار تخصصهB تتسع إلى حد يستحيل على العقل البشرىB مهما كان Bعلى الباحث cأن يستوعبه. وفي البالد ا9تقدمة علميا يتع Bمدى قوة ذاكرته قبل أن يشرع في عمل على جديدB أن يكون ملما بأحدث ما ¢ التوصل إليه في ميدانه حتى يفيد من جهود اآلخرينB ويبدأ من حيث انتهواB وحـتـى ال
155
حملة عن العلم ا�عاصر
يكرر عمال سبق لغيره القيام به في مكان ما. ولكن وسائل االطالع العاديةB كالبحث عن أحدث الكتب واجملالت العلمية في ا9كتباتB ال جتدي في هذا العصر الذي تتدفق فيه األبحاث اجلديـدة ويتزايد عددها بال انقطاع. وهنا تأتي العقول اإللكترونية لتقوم بدور «الذاكرة الصناعية». فهي حتفظ ا9علومات ا9تعلقة بالكتب وا9قاالت الهامة في كل موضوع فرعيB وتزود الباحث على الفور بقائمة كـامـلـة مـن ا9ـراجـع الـتـي يتعc عليه قراءتها في ا9يدان الذي اختارهB أو تقدم إليه ا9علومات ا9طلوبة مباشرة وتعـفـيـه مـن جـهـود شـاقـة تـدوم «سـنـوات» دون أن تـصـل أبـدا إلـى
ا9ستوى ا9طلوب. وبطبيعة احلال فقد تناولنا دور العقول إلكترونية في مسـاعـدة الـعـقـل البشري بوصفه nوذجا 9ا تؤديه التكنولوجيا اجلديدة عن خدمات أساسية في ميدان العلم. ومن ا9عـروف إن الـدور الـذي تـقـوم بـه هـذه الـعـقـول فـي ا9يدان العلمي أوسع من ذلكB فهي ليست «ذاكرة صناعية» فحسبB بل إنها تؤدي عمليات ذهنية يعجز عنها العقل البشريB أو ال يؤديها إن استطاعB إال في سنوات عديدة. فهي تقوم بأدق العمليات احلسابية وأعقدهـا بـسـرعـة هائلةB وهي عظيمة الكفاءة في اجملاالت التي تتحدد فيها العوامل وتتنـوع إلى الذي يقف أمامه العقل اإلنساني عاجزا. فحc تتعـدد ا9ـتـغـيـرات فـي موقف معBc كما هي احلال في احلسابات ا9تعلقة بتوجيه سفينة فضائية إلى كوكب بعيدB يكون في استطاعة العقل اإللكتروني أن يحسب بـسـهـولـة اجتاه ا9سار الصحيح من خالل عمل حساب مجموعة من العوامل شديدة التعقيدB مثل سرعة السفينة وسرعة دوران األرض واجلاذبية وحركة الكوكب وجاذبيتهB إلى آخر ذلك من العوامل التي يستحيل على العقل البـشـري أن
يجمعها كلها في عملية واحدة. واألمر الذي ينبغي أن نشير إليه أخيرا فيما يتعلق بالدور الذي تقوم به العقول اإللكترونية في العصر احلاضرB هو أن هذه العقول إذا كـانـت هـي ذاتها نتاجا لتفكير وتطبيق علمي رفيعB فإنها من جانبها تعمل عـلـى زيـادة ارتفاع مستويات التفكير العلمي في البالد الـتـي تـسـتـخـدمـهـا عـلـى نـطـاق واسع. ذلك ألنهاB إذا كانت تعفي العالم كما قلنا من عمليات شاقة تتـعـلـق بجمع ا9واد العلمية ألبحاثه وتعريفه بجهود اآلخرينB وإذا كانت تقوم بدال
156
التفكير العلمي
Bالعوامل التي تزداد تعددا وتعقيدا كلما ارتقى البحث العلمي cمنه بالربط ب نهّفإنها تتيح للعالم بذلك أن يتوغل في أنحائه إلى مستويات اعمـقB و3ـك
من أن يستكشفه أبعادا للطبيعة كان من ا9ستحيل أن يصل إليها في ا9رحلة التي كان يكتفي فيها باستخدام تفكيره العقلي اخلاص. ومن هنا فان التفكير العلمي ذاته يزداد دقة وتعمقاB وتظل احلركة ا9تبادلة مستمرة بc الـعـقـل البشرى والعقل اإللكتروني: فالعقل البشري اخترع العقل اإللكتروني نتيجة لبلوغه مستوى عاليا من التقدمB والعقل اإللكتروني يعود فيـسـاعـد الـعـقـل البشري على إحراز ا9زيد من التقدمB وهذا التقدم اجلديد يؤدى إلى تطوير العقول اإللكترونية بحيث تؤدى وظائف أوسع وأعقدB وهذه العقول اإللكترونية ا9طورة ترتفع بعقول العلماء إلى مستويات جديدةB وهكذا تستمر احلركـة احللزونية في صعودهاB فاحتة بذلك آفاقا لم تكن البشرية حتلـم بـهـا فـي وقت من األوقات. ومن هنا فقد أصبح عدد العقول اإللكترونية ا9ستخدمة في بلد ماB مؤشرا هاماB ال لتقدمه الصناعي والتـكـنـولـوجـي فـحـسـبB بـل
لتقدمه النظري أيضاB والرتفاع مستوى التفكير العلمي بc باحثيه. ونستطيع أن نستطرد قليال في وظيفة «الذاكرة الصناعية» التي تـقـوم بها العقول اإللكترونيةB ألن لهذا ا9وضوع أهمية خاصة في عا9نا العـربـي Bعلى وجه التحديد. فالعقل البشري ال يستخدم قدراته على الوجه األكمل إذا ما نظرنا إليه في ضوء أساليب البحث التقليدية التي ال تزال سائدة في بالدنا. وحسبنا أن نتأمل طريقة عمل أي باحث لندرك أن اجلزء األكبر من وقته وجهده يضيع في أعمال روتينية لةB ليس فيها خلق أو إبداعB كالبحث Bوجمع قوائم ا9راجع Bعن ا9ادة العلمية الالزمة وسط ركام ا9ؤلفات الهائل وترتيب ا9ادة ا9عطاةB وكتابة ا9لخصات وعمل احلساباتB واستـذكـار قـدر كبير من ا9علومات واستيعابها. وهذه كـلـهـا أعـمـال ال حتـتـاج إلـى إبـداع أو ابتكارB وqكن القول أن تبديد طاقة العقل فيها هو أشـبـه {ـا كـان يـفـعـلـه اإلنسان في العصور السابقةB حc كان يبدد اجلزء األكبر من طاقته اجلسمية في العمل اليدوي قبل اختراع اآلالتB كما أنه أشبه بالطاقة التي يـبـددهـا العدد األكبر من النساءB حتى في وقتنا الراهنB في القيام باألعمال ا9نزلية ا9ملة ا9تكررة.. وكما أن اإلنسان الذي كان يستخدم طاقة جسمه في العمل Bاليدوي لم يكن يتبقى له فضل من الطاقة يستخـدمـه فـي أي غـرض أهـم
157
حملة عن العلم ا�عاصر
وكما أن ا9رأة التي تقضي معظم ساعات يومها في أداء األعمال ا9ـنـزلـيـة والروتينية ال تستطيع أن تبدى اهتـمـامـا بـأيـة قـضـيـة فـكـريـة جـادةB أو أن تتذوق الفن الرفيع أو أن 3ارس عمال عقليا يحتاج إلى تعمق-كذلك يؤدي انشغال عقل العالم باألعمال اآللية إلى تبديد قدر كبير من طاقته الذهنية التي يحتاج إليها من أجل كشف فكرة جديدة أو ابتكار تطبيق غير معروف. وهذا بعينه هو ما تفعله العقول اإللكترونية إذ تنقل العقل البشري من مرحلة استخدامه «البدائي» في األعمال الروتينـيـةB إلـى مـرحـلـة االنـتـفـاع بقدراته إلى أقصى حد في اخللق واإلبداع. وحc تفعل العقول اإللكترونية هذا فهي إnا تؤكد مرة أخرى ذلك التضادB الذي لم نعترف به في بالدنا
لألسف الشديدB بc ملكة الذاكرة وملكة اإلبداع الذهني. فما زال عدد غير قليل من علمائنا يتصور أن العلم هو االستيعابB وما Bوتـشـعـب مـعـارفـه Bزال منهم من يتفاخر في مجـالـسـه بـاتـسـاع مـعـلـومـاتـه ويستعرض على ا9أل قوة ذاكرته فيبهر احلاضرين بتلك الكمية الهائلة من ا9علومات التي يضمها ذهنهB ويثبت لهم أنه «موسوعة متحركة» قادرة على استعادة واستظهار قدر غير عادي من احلوادث والوقائع. ولكن هذا كله ال يعدو أن يكون عملية استعراضيـة جـوفـاءB بـل أن مـلء الـذهـن بـا9ـعـلـومـات ا9كدسة كثيرا ما يكون على حساب قـدرة هـذا الـذهـن عـلـى اإلبـداع-وكـأن التكدس واحلشو الذي امتأل به الذهن qنعه من احلركة الطليقةB ويخـلـق لديه نزوعا إلى ترديد ما سبق له أن قرأه أو سمعهB وهو نزوع مضاد لكـل إبداع. فالذهن ا9زدحم با9علوماتB ا9نشغل دائمـا {ـا يـأتـيـه مـن ا9ـصـادر األخرىB ال تعود لديه قدرة أو طاقة على كشف اجلـديـدB بـل يـجـد مـتـعـتـه الكبرى في «افراغ» محتوياته أمام الناس في كل مناسبةB وهو عمل قد يبهر البعضB ولكنه ال يدل على أصالة أو ابتكار. وهكذا يبدو أن هناك تناسـبـا عكسيا بc استخدام ا9رء لذاكـرتـه واسـتـخـدامـه 9ـلـكـاتـه اخلـالقـة. وهـذا التناسب العكسي يسيرB في عصر العقول اإللكترونية التي تتولى عن اإلنسان
أعمال الذاكرة اآلليةB في صالح ملكات اإلبداع بغير حدود. Bومن ا9ستحيل أن نصحح هذا الوضع في بالدنا إال إذا بدأنا منذ البداية أعني أن نعيد بناء نظمنا التعليميةB التي تعتمد اآلن اعتمادا يكاد يكون تاما على تنمية احلفظ واستيعاب ا9علومات. فنحن ال نحتاج إلى هذه ا9لكةB في
158
التفكير العلمي
عصر العقول اإللكترونيةB إال احتياجا ضئيال. وأهـداف نـظـمـنـا الـتـربـويـة يجب أن تتحول حتوال جذرياB من تعهد ملكة الذاكرة وتنـمـيـتـهـا وحـشـوهـا با9عارفB إلى رعاية ا9لكات االبتكارية واإلبداعيـة والـقـدرة عـلـى مـواجـهـة ا9واقف اجلديدة غير ا9توقعة بذكاء وحسن تصرف. وهذا حتول سـيـكـون علينا أن نواجههB عاجال أو آجالB ما دمنا نعيش في عصر العقول اإللكترونية. أما اإلجناز الثالث الذي نود أن نقول كلمة موجزة عنهB ف هذا احلديث عن إجنازات العلم ا9عاصرB فهو غزو الفضاء. ومن ا9ؤكد أن هذا اإلجناز كان وال يزالB وثيق االرتباط باإلجنازين السابقc: إذ أن العقول اإللكترونية قد لعبت دورا عظيم األهمية في صناعة الـصـواريـخ الـفـضـائـيـة وحـسـاب مساراتها وتوجيهها. أما الطاقة واستخدامها في ميدان الـتـسـلـحB فـكـانـت Bبدورها من العوامل الفعالة ا9ؤدية إلى إعطاء قوة دافعة لبرامج غزو الفضاء إذ أن من األهداف الرئيسية لظهور هذه البرامج وتطويرهاB في فترة احلرب الباردةB أن تكون ا9ركبات الفضائية أدوات حلل األسلحة الذرية إلـى قـلـب
البالد ا9عادية. ولكنB لنعد في قصة غزو الفضاء إلى الوراء قليـال. فـمـن ا9ـعـروف أن األ9ان منذ فترة ما قبل احلرب العا9ية الثانيةB كانوا يسيرون بخطى واسعة في األبحاث ا9تعلقة بتكنولوجيا الدفع الصاروخيB وأنهم وجهوا هذه األبحاث في اجتاهات عسكرية أساساB و3كنوا خالل احلرب ذاتها مـن اسـتـخـدام
) وكان ا9شرف على هـذه األبـحـاث هـو عـالـم الـصـواريـخ٢(ف V٢صـاروخ الذي أصبح له بعد ذلك شأن هام في برنامجVon Braunا9شهور فون براون الفضاء األمريكي.
ومن ا9ؤسف أن البداية احلقيقة لهذا اإلجناز التكنولوجي الهام كـانـت بداية حربيةB كما أن أهم تطوراته الالحقة كانت متعلقة باألغراض العسكرية. فقد أدرك االحتاد السوفيتي أهمية هذا الكشف اجلديدB وسار في أبحاثه بطريقة-مستقلة وكانت لديـه دوافـع قـويـة لـإلسـراع فـي هـذه األبـحـاث: إذ كانت االستراتيجية األمريكية في فترة احلرب الباردةB تعتمد على تطويـق االحتاد السوفيتي بسلسلة من القواعد العسكرية القريبة من حدودهB والتي جتعل األراضي السوفيتية كلها في متناول الطائرات األمريكيةB بينما األرض األمريكية بعيدة 3اما عن كل أسلحته ا9عروفة حتى ذلك احلc. ومن هنا
159
حملة عن العلم ا�عاصر
فقد كان من أهم أهداف برنامج الصواريخ السوفيتيةB التخلص من عملية Bواالهتداء إلى وسيلة توصل أن التهديد أو الرد على التهديد Bالتطويق هذه
إلى قلب األراضي األمريكيةB من وراء ظهر القواعد التي تطوقه. وهكذا كان االحتاد السوفيتي هو الذي افتتح عصر السفن الفـضـائـيـة التي تطلقها صواريخ قوية من قواعد أرضيةB لتدور حول األرض بسرعة لم تألفها البشرية من قبلB أو لتستكشف الفضاء البعـيـد عـن األرض بـفـضـل السرعة التي تتيح لها اإلفالت من اجلـاذبـيـة األرضـيـة. ولـقـد كـان إطـالق
جزءا من١٩٥٧ أكتوبر ٤» في ١القمر الصناعي السوفيتي األولB «سيوتنيك برنامج علمي دولي كانت بالد كثيرة تعد أنفسها لإلسـهـام فـيـه مـنـذ وقـت
.١٩٥٧طويلB هو برنامج «السنة اجليوفيزيقية الدولية» التي اختير لها عام وكان إطالق القمر الصناعي هذا بالفعل أبرز أحداث هذا البرنامج العلمي. ولكن ا9غزى العسكري لهذا احلدث الهام لم يغب عن أحدB إذ كان معناه أن قوة دفع هائلة جديدة قد اكتشفتB وان في استطاعة الصاروخ الذي يدفع القمر الصناعي في مدار حول األرضB أن يحمل سالحـا نـوويـا ويـعـبـر بـه القارات ليصيب أي مكان على سطح األرضB ا كان يعني ضرورة إدخال
تغيير حاسم على استراتيجية الدول الكبرى. ولقد كانت الواليات ا9تحدة هي ثالثـة الـدول فـي تـرتـيـب الـدخـول فـي عصر الصواريخ. وكان للعلماء النازيBc الذين آثروا أن يستأنفوا نشاطهـم في الواليات ا9تحدةB ومنهم فون براون نفسهB دور عظيم األهمية في تعويض التخلف الذي كان يبدوB في أول سنوات عصر الفضاءB أن الواليات ا9تحدة
ضعB منذ عهد الرئيس كبـنـديB بـرنـامـج طـمـوحُتعانى منـه. وسـرعـان مـا و B وبالفعل نفذ هذا البرنامج١٩٦٩هدفه إنزال أول إنسان على القمر في عام
بدقةB وأسفر عن هذا اإلجناز الرائع الذي يراه البعـض أعـظـم اإلجنـازات الـعـلـمـيـة فـي الـقـرن الـعـشـريـنB وهـو سـيـر رائـد الـفـضـاء األمـريـكـي «نـيـل
أرمستروجن» على القمر في نفس ا9وعد احملدد في ذلك البرنامج. وخالل ذلك كله كانت أهـداف بـرامـج الـفـضـاء تـتـفـاوت بـc األغـراض العلميةB كاستكشاف األرضية أو التنبؤ باألحوال اجلويةB واألغراض اإلعالمية كأقمار االتصاالت التليفزيونيةB واألغراض العسكريةB كأقمار التـجـسـس. ولكن األمر ا9ؤكد هو أن نقطة البداية في برامج الدولتc الكبرتc كـانـت
160
التفكير العلمي
عسكريةB وأن كانت األهداف العلمية قد أخذت تكتسب أهمية متزايدة. بل لقد بدا في وقت من األوقات أن هناك اندماجا بc هذه األهداف كلهاB إذ أن العودة بعينات من صخور القمرB أو إجراء جتارب على سطح ا9ريخB هي حقا أغراض علمية في احملل األولB ولكنها تـعـطـى الـدولـة الـتـي حتـقـقـهـا مكانة وهيبةB وتنبئ بارتفاع مستواها التكنولـوجـي إلـى احلـد الـذي يـخـدم
أغراضها االستراتيجية خدمة كبرى. ومع ذلك فاألمر ا9ؤكد هو أن هذا اإلجناز التكنولوجي العظـيـمB الـذي بدأ مستهدفا أغراضا عسكرية في احملل األولB ستكون له في ا9ـسـتـقـبـل cمستقبل البشرية وب cبل أن البعض يربط ب Bنتائج علمية بالغة األهمية غزو الفضاءB إذ أن أرضنا هذه بدأت تضيق {ن عليهاB وقد ال يـكـون مـن محض ا9صادفات أن يبدأ عصـر الـفـضـاء فـي نـفـس الـوقـت الـذي أخـذت البشرية حتس فيه باخلطر من نفاد موارد األرضB وباقتراب الوقت الـذي يتعc فيه على اإلنسان أن يتخذ قرارات حاسمة بشأن التزايـد الـسـكـانـي Bاخمليف. فمن اجلائز أن يكون غزو الفضاء هو احلل األمثل لهذه ا9شكالت ومن اجلائز أن يكون اتفاق التوقيت هذا مثال آخر من أمثـلـة تـلـك الـقـدرة العجيبة التي يستطيع بها العقل اإلنساني أن يهتدي إلى حل 9شكالته في
اللحظة ا9ناسبة. وعلى أية حال فان من يعتقد أن في هذا إسرافا في اخليالB علـيـه أن يتذكر أننا ما زلنا في ا9راحل األولى لعصر استكشاف الفضاء. فعمر هذا العصرB بكل إجنازاتهB لم يصل-حتى كتابة هذه السطور-إلى عشرين عاما بعد. والفترة التي انقضت منذ «سبوتنيك» السوفيـتـي الـذي لـم يـكـن وزنـه يزيد عن ثالثc رطال حتى إرسال رجلـc إلـى الـقـمـرB ومـعـهـمـا ثـالـث فـي السفينة األمB التي تزن عدة أطنانB لم تزد عن اثنى عشر عاما. فإذا كـان هذا التطور الهائل قد حتقق في تلك الفترة الوجيزةB فهل يستطيع أحد أن يتخيل ما qكن أن يتم إجنازه بعد مائة عامB أو بـعـد خـمـسـمـائـة عـامB مـع مالحظة الزيادة ا9طردة في معدل التقدم? وهل يكون من اخليال ا9سرف أن نتخيل مستعمرات بشرية في كواكب بعيدةB وسفن فضاء تستكشف أبعد أطراف اجملموعة الشمسيةB ومحـاوالت لـلـخـروج مـن هـذه اجملـمـوعـة إلـى النجوم البعيدةB بل محاوالت للخروج من «اجملرة» التـي نـنـتـمـي إلـيـهـا إلـى
161
حملة عن العلم ا�عاصر
مجرات أخرى? وبطبيعة احلال فان ا9سافـات الـهـائـلـة الـتـي يـنـبـغـي عـبـورهـا فـي هـذه احملاوالت تكاد جتعل من ا9ستحيل عليناB في ضوء معرفـتـنـا احلـالـيـةB أن نتصور كيف يستطيع اإلنسان أن يقضي مئات السنc في سفينة فضائيـة تسير به نحو جنم يبعد عنا مسافة تقدر بالسنc الضوئية. ولكن من ا9ؤكد أن سرعات السفن الفضائية ستزداد دواماB بل أن البعض ال يستبعد مجيء يوم تقترب فيه هذه السفن من سرعة الضوء. وحتى لو حتقق هذا فستظل هناك مشكالت ال حصر لهاB متعلقة بكميات الغذاء والهواء الالزمة لـهـذه الرحالت التي تدوم قروناB ومتعلقة بعمر اإلنسان الذي ال يتجاوز حتى اآلن
القرن الواحد على أحسن الفروض. ولكن لنذكر مرة أخرى ما حققه عصـر الـفـضـاء خـالل عـشـريـن عـامـا Bولنتصور أن البشرية لن حتاول االنتحار عن طريق حرب عا9ية ثالثة Bفقط وأنها ستظل تتقدم {عدل يزداد سرعـة بـاطـراد طـوال قـرن آخـرB أو عـدة قرون أخرىB فهل ستكون هذه األحـالم عـنـدئـذ بـعـيـدة عـن الـتـحـقـيـق? إن الكالم عن الصعود إلى القمـر كـان يـعـدB مـنـذ ربـع قـرن فـقـطB ضـربـا مـن اجلنونB أو من اخليال الشعري (واألمران كما نعلم متقاربان) فهل نستكثر على إنسان القمر احلادي والعشرين أو الثاني والعشرين أن يصل إلى آفاق
الكون البعيدة? Bفي هذا العرض العاجل اخترنا ثالثة أمثلة إلجنازات الـعـلـم ا9ـعـاصـر هي الطاقة النووية والعقول اإللكترونية: وغزو الفضاء. ومن ا9ستحيـل أن يقتصر ا9رء على أمثلة كهذه إذا شاء أن يقدم صورة شاملة 9ا حققه العلم في العصر احلاضرB بحيث أن أي اختيار ال بد أن يغفل إجنازات عظيـمـة األهمية. ولكن الواقع أننا لم نختر هذه األمثلة إال ألنها هي األشـهـر عـلـى مستوى ا9علومات العامةB وكم من كشوف أخرى صامتـةB أو ال حتـيـط بـهـا ضجة كبيرةB كان لها في حياة اإلنسـان تـأثـيـر ال يـقـل عـن تـأثـيـر الـنـمـاذج
السابقة. وعلى أية حال فان هذه األمثلة تكفى للكشف عن الطبيعة الثورية للعلم ا9عاصر الذي أحدث حتوال حقيقيا في حياة البشرB وأصبح هو احلقـيـقـة األساسية في العالم الذي نعيش فيه. وحسبنا أن نقارن بc أسلوب احلياة
162
التفكير العلمي
في مثل هذه األيام منذ مائة عامB وبc أسلوب حياتنا احلاليB لكي نقتـنـع بأننا لن نفهم عا9نا هذا إال في ضوء التقدم العلمي الذي نعيش فيه ونتمتع بإجنازاته دون أن نشعر. ذلك ألن العلمB الذي لم يعد ظاهرة هامشية على اإلطالقB يكتسب أبعادا اجتماعية تزداد أهميتها يـومـا بـعـد يـومB وفـي كـل حلظة يزداد اإلنسان اقتناعا بأن مصيرهB سواء أكان يسير نحو األفضل أو نحو األسوأB مرتبط بالعلم. فما هي هذه األبعاد االجتماعيةB وما تأثيرها
الفعلي وا9مكن على اإلنسان?
163
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
األبعاد االجتماعية للعلم املعاصر
العلم واجملتمع: ليس العلم ظاهرة منعزلةB تنمو بقدرتها الذاتية وتسير بقوة دفعها اخلاصة وتخضع 9نطقها الداخلي البحتB بل أن تفاعل العلم مع اجملتمـع حـقـيـقـة ال ينكرها أحد. فحتى أشد مؤرخي العـلـم مـيـال إلـى التفسير «الفردي» لتطور العلمB ال يستـطـيـعـون أن ينكروا وجود تأثير متبادل بc العـلـم وبـc أوضـاع اجملتمع الذي يظهر فيهB حتى ليكـاد يـصـح الـقـول بأن كل مجتمع ينال من العلـم بـقـدر مـا يـريـد. وال شـك أن الـعـرض ا9ـوجـز الـذي قـدمــنــاه مــن قــبــل للمراحل الرئيسية لتطور العلمB وللنمو التدريـجـي 9عناه ومفهومهB يتضمن أدلة وشواهد متعددة على cحالة العلم في أي عصر وب cاالرتباط الوثيق ب Bأهم العناصر في احلياة االجتماعية لذلك العصر
ن العلم جزءا من كلB ويكون وجها واحداّبحيث يكو حلياة متكاملة يحياها اجملتمع.
فالتاريخ يقدم أمثلـة كـثـيـرة تـثـبـت أن اجملـتـمـع يحدد-بقدر معقول من الدقة-نوع العلم الذي يحتاج إليه. وهذا ال يتنافى على اإلطالق مع تأكيد أهمية
6
164
التفكير العلمي
العبقرية الفردية للعالمB ودوره األساسـي فـي الـكـشـف الـعـلـمـي. فـال أحـد يزعم أن العالم مجرد «أداة» يستعc بهـا اجملـتـمـع لـتـلـبـيـة حـاجـاتـهB أو أن Bكن أن تتم على أيدي أناس لم تتوافر لهم عبقرية كبيرةq الكشوف العلمية ما دامت تظهر في اجملتمع ا9ناسب وفي الوقت ا9ناسب. بل إن هذه أحكام Bوتصوره كما لو كان وسيلة في أيدي قوة Bتبخس العالم الكبير حقه Bباطلة غيبية تتحكم فيه حتكما تاما-حتى لو كان ا9رء يطلق على هذه القوة الغيبية
اسما يبدو في ظاهره علمياB هو «حاجة اجملتمع». وحقيقة األمر هي أن الكشف العلمي يحتاج إلى تضافر العاملc معـا: حاجة اجتماعيةB وعبقرية ذهنية. وكل ما في األمر أنه عندما تتوافر احلاجة االجتماعية ال يكون من الصعب ظهور العبقرية الـذهـنـيـة. ذلـك الن أفـراد البشريةB الذين يعدون با9اليBc ال يخلون في كل عصر من عباقرةB ولكـن ا9هم أن يأتي العبقري في وقتهB وان يلبي حـاجـات عـمـره. ومـن ا9ـؤكـد أن هناك حاالت ظهر فيها عباقرة في غـيـر أوانـهـمB أعـنـي فـي وقـت لـم يـكـن اجملتمع فيه مهيأ لقبول كشوفهمB فكانت النتيجة أن 9عت عبقريتهم فجأة ثم انطفأت فجأة كالشهاب البارقB دون أن يـتـركـوا وراءهـم تـأثـيـرا بـاقـيـا. وهذه ظاهرة ضربنا لها من قبل مثال واضحا: هو تلك اآلالت التي اخترعها Bالعالم اليوناني ا9شهور «أرشميدس» ولكنه خجل من إظهـارهـا عـلـى ا9ـأل ونظر إليها كما لو كانت «لعبا» للتسلية. ولو كان هذا العبـقـري يـعـيـش فـي عصرنا احلديث ألدرك على التو أهمية هذا التنظيم ا9يكانيـكـي لـعـنـاصـر الطبيعة في ميدان التطبيق العمليB ولتوصل إلى ضرورة اسـتـخـدام مـبـدأ اآللية من أجل توفير جهد اإلنسان ووقته. ولكنه كان يعيش في عصر توجد فيه «آالت آدمية»-هم العبيد-فما الداعي إلى الـتـفـكـيـر فـي آالت طـبـيـعـيـة
مادية? وفي ا9يدان النظري البحتB نستطيع أن نضرب مثال آخر ينتـمـي إلـى Bوهو حالة ابن خلدون. فهذا العالم العبقري قد توصل Bصميم عا9نا العربي في «مقدمته» ا9شهورةB إلى ا9قومات الرئيسية للدراسة العلمية للمجتـمـع البشرىB أي لعلم االجتماع (الذي أسماه «علم العمران»). وكثيـر مـن آرائـه قد ترددت فيما بعدB بطريقة تكاد تتشابه حتى في التفاصيلB عند أولئك الذين اعتبرهم األوروبيون روادا لعلم االجتماع. ولكن الكشف الرائع الذي
165
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
توصل إليه ابن خلدون لم يجد مجتمعا يستجيب له: فلم يظهر في مجتمعه من ينبه إلى أهميتهB ولم يتابع آراءه وتعاليمه تالميذ يكملون رسالـتـهB ولـم تستمر حركة العلم اجلديد الذي توصل إليه في عسيرتـهـاB بـل تـوقـف كـل شيءB وظهرت عبقريته كما لو كانت شعلة ساطعة انطـفـأت بـسـرعـةB ولـم يتنبه إليه الناس إال عند «إعادة اكتشافه» بعد عصـره بـقـرون عـديـدة. كـل ذلك ألن الفترة التي ظهر فيها ابن خلدونB والتي أعقبت ظهورهB كانت فترة بداية االنهيار في احلضارة اإلسالميةB وبداية عهد الغزوات األجنبية ومـا
ترتب عليها من انحالل داخلي فيها. وما هذه إال أمثلة نود أن نثبت بها أن الكشوف العلمية ا9ستقرة في أي عصر هي حصيلة التفاعل بc عاملc: بيئة اجتماعية مهيأة لهاB وعبقرية cفردية تظهر في الوقت ا9ناسب. والفارق الوحيد في تأثير هذين العامل يـرجـع إلـى أن أحـدهـمـا جـمـاعـي واآلخـر فـردى. فـحـc تـتـوافــر احلــاجــة االجتماعية ال يكون من الصعب على اجملتمع أن يفرز-من بc ا9اليـc مـن أفراده-العبقرية القادرة على تلبية هذه احلاجةB أما حc تتوافر العبـقـريـة الفردية وحدهاB دون أن تتهيأ الظروف االجتماعية ا9واتيةB فان التاريخ قد يطويها في زوايا النسيانB أو قد يقول عنها-إذا أراد إنصافها-أنها عبقرية
ظهرت في غير أوانها.
الوضع االجتماعي للعلم املعاصر: في ضوء التمهيد السابقB يستطيع القارu أن يسـتـنـتـج أن الـبـحـث فـي الوضع االجتماعي للعلم ا9عاصر ينبض أن يسير في كال االجتاهc. فليس يكفي أن نشير إلى أهمية العلم في مجتمعنا احلاليB وإnا ينبغي أن نؤكد في الوقت ذاته أهمية اجملتـمـع احلـالـيB {ـا فـيـه مـن سـمـات ـيـزةB فـي
حتديد معالم العلم ا9عاصر وإعطائه طابعه الذي اصبح مألوفا لدينا. أن العلم قد اكتسبB منذ أوائل القرن العشرينB أهمية تفوق أهمية أي Bعـن حـق Bإجناز آخر طوال تاريخ البشرية. فصحيح أن اإلنسـانـيـة تـفـخـر بفلسفاتها وآدابها وفنونهاB وتعترف {ا تدين به لهذه اإلجنازات من فضل في تشكيل عقل اإلنسان وروحهB ولكن ا9كانة التي اكتسبها العلم في هـذا القرنB والتأثير الذي استطاع أن qارسه في حياة البشر (بغض النظر عن
166
التفكير العلمي
B(فهذه مسألة سنعرض لـهـا فـيـمـا بـعـد Bكون هذا التأثير إيجابيا أم سلبيا يجعل العلم بغير شك هو احلقيقة الكبرى في عصرنا احلاضرB ومن ثم في كل العصور. وال يعني هذا أننا ال نفخر {ذاهبنا الفكرية أو أعمالنا األدبية والفنيةB ولكنه يعني أن فخرنا بالعلم أعظمB وأن التغير الذي أدخله العـلـم
على حياتنا أقوى من أي تغير حلقها بفضل أي إجناز آخر. واألهم من ذلكB بالنسبة إلى مكانة العلم في العصر احلاضرB أن العلم هو اإلجناز الذي qكننا أن نسميه «مصيريا» بحق في هذا العصر. فألول مرة في تاريخ جتربة اإلنسان الطويلة على هذه األرضB يدرك أن العلم هو الذي سيحدد مصيره سلبا أو إيجابا: إذ تعيش البشرية في خوف دائم من أن تدمر حياتها وحضارتها حرب نووية أو بيولوجية تعتـمـد اعـتـمـادا كـلـيـا على العلم. وتعمل الدول لهذه احلقيقة ألف حـسـاب فـي اسـتـراتـيـجـيـاتـهـا وسياساته األساسيةB وفي طريقة إنفاقها 9واردها. ومـن جـهـة أخـرى فـان األمل األكبر لدى ا لبشرية في مستقبل أفضلB وفي حل مشكالتها الغذائية والصحية ا9ستعصيةB بل في استمرار قدرتها على البقاء والنماءB هو اآلن
معقود على العلم. وقد انعكس ذلك بوضوح في اتساع نطاق االهتمام بالعلم إلى حد هائل. ففي القرن ا9اضي كان العلم من شأن «ا9تخـصـصـc» وحـدهـمB ولـم تـكـن مشكالته تناقش إال في اجملامع العلمية وفي ا9ؤسسات ا9تخـصـصـة. أمـا اليوم فقد أصبح اجلميع يتابعون تطور العلم باهـتـمـامB وأصـبـحـت أخـبـاره حتتل مكان الصدارة في وسائل اإلعـالم اجلـمـاهـيـري. فـكـيـف نـعـلـل هـذه الظاهرة التي تبدو فيها مفارقة صارخة: أعني االتساع الهـائـل فـي نـطـاق ًاالهتمام بالعلمB في نفس الوقـت الـذي أصـبـح فـيـه الـعـلـم يـزداد غـمـوضـا وتعقيدا على الدوامB وابتعدت فيه لغته الرمزية ا9تخصصة عن إفهام العقول العادية ابتعادا تاما? ال شك أن التعليل الوحيد لذلك هو الطابع ا9ـصـيـري للعلم ا9عاصر: فمهما كانت صعوبة هذا العلمB فإننا جمـيـعـا نـتـسـاءل: هـل Bكن جتنب كارثة حرب عا9ية ثالثة? ونحن نعلم أن هذا السؤال ا9صيريq Bو{ستقبل أجيالنـا اجلـديـدة Bالذي يرتبط ارتباطا وثيقا {ستقبل كل منا يعتمد على مجموعة من العواملB من أهمها العلم. كذلك نعلم أن مشكالت احلياة اليومية وهمومهاB أعنى مشكالت كـالـغـذاء واإلسـكـان وا9ـواصـالت
167
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
والطاقة والبيئةB سيتوقف حلها إلى حد بعيد على الطريقة التي يوجه بها اإلنسان أبحاثه العلمية في ا9رحلة ا9قبلة.
فلنتأمل إذن بعضا من هذه ا9شكالتB حتى تتكون لدينا صورة متكاملة عن ذلك الوضع الفريد للعلم في مجتمعنا ا9عاصر:
مشكلة الغذاء والسكان: ليس ا9رء في حاجى إلى أرقام أو جداول إحصائية لكي يقرر أن العالم يعانيB منذ اآلنB من أزمة مستحكمة في الغذاء. ففي الـعـالـم أغـلـبـيـة مـن السكان ال حتصل من الغذاء على احلد األدنى الالزم لكـي يـحـيـا اإلنـسـان حياة سليمةB و فيه أقلية متخمة يعاني كثير من أفرادها من ا9لل واألمراض الناجتة عن اإلفراط في ا9أكل. وإذا كان النقـص فـي كـمـيـة الـطـعـام الـتـي حتصل عليها األغلبية الفقيرة خطراB فان النقص في نوعيته أخطر. فالغذاء الالزم لبناء اجلسم ال يتوافر إال بنسب ضئيلة لدى شعوب كاملةB وهو يهدد األجيال اجلديدة في مناطق شاسعة من األرض بنمو جسمي وعقلي غـيـر
مكتمل. ومن ا9ؤكد أن هناك ارتباطا وثيقا بc مشكلتي الغذاء والسكان: فاالزدياد cعلى ح Bالرهيب في عدد السكان يؤدي إلى تضاعف الطلب على الغذاء أن موارد العالم من الغذاء محدودة. وبطبيعة احلال فان أحدا ال يردد اليوم آراء «مالثوس» الذي دق ناقوس اخلطر في القرن التاسع عشرB مؤكـدا أن العالم مهدد {جاعة ألن السكان يتضاعفون بسرعة تـفـوق بـكـثـيـر سـرعـة زيادة ا9وارد الغذائية. ففي الوقت الذي ردد فيه «مالثوس» هذا الكالمB كان سكان العالم ما زالوا قليلBc وكانت هناك موارد هائلة لم تستغل بعـد فـي العالمB ولم يكن هناك بالفعل ما يبرر تشاؤمه ا9فـرط. ولـكـن نـذر اخلـطـر أصبحت أوضح في عصرنا احلاضرB الذي تضاعف فيه عدد سكان العالم أكثر من مرة بالنسبة إلى القرن ا9اضي. واألخطر من ذلك أن الفترة التي يتضاعف فيها هذا العدد تقل باستمرار: ففي نهاية هذا القرن يتوقع العلماء أن حتمل هذه األرض ضعف عدد من يعيشون فيها الـيـوم. وبـعـد عـشـريـن عاما من القرن اجلديد سيتضاعف العدد مرة أخرى. فهل ستكفـي مـوارد
األرض من الغذاءB إلعاشة هذه األعداد ا9هولة?
168
التفكير العلمي
ولعل ا يزيد من قوة االرتباط بc مشكلة الغذاء ومشكلة السكانB أن البالد التي تعاني من نقص واضح في التغذيةB هي تلـك الـتـي يـزداد عـدد سكانها {عدالت سريعةB على حc أن البالد التي تتمتع {ستوى جيد في الغذاء هي عادة بالد تقل نسبة الـزيـادة فـي سـكـانـهـاB ور{ـا اسـتـقـر عـدد سكانها عند مستوى معc منذ مدة طويلة. فاالزدحام الـسـكـانـيB وارتـفـاع
نسبة ا9واليدB مرتبة ارتباطا وثيقا بسوء التغذية. ولكنB هل يعني ذلك أن البشرية ستقف عاجزة عن إيجاد حلB وستنتظر اجملاعة احملتومة دون أن حترك ساكنا? وهل اخملرج الوحيد من هذه األزمة ا9رتقبةB والتي ظهرت بوادرها بوضوح منذ اآلنB هو أن تتوقف الزيادة في سكان العالمB وخاصة في البالد الفقيرة? ال شك أن هذا احلل ال يتناول إال جانبا واحدا من جوانب ا9وضوعB وهو يفترض أن عددا كبيرا من األوضاع اجلائرة في العالم لن يطرأ عليه أي تغييرB وال qكن ا9ساس بـهB ومـن ثـم
يلجأ إلى تغيير وضع واحد فقطB هو عدد السكان. ومن سمات هذا احلل انه يلقى اللوم كله على البالد التي تعانى من أزمة الطعام. فهو يبرu جميع ا9ذنبBc ويرمى بكل ثقل اإلدانة على الضحية. إن معناه ببساطةB هو أن هذه البالد مسئولة عن اجملاعة التي تعانى منهاB ألن فيها من السكان عددا زائداB وأنها هي أيضا ا9سئولة عن احلل وذلك بأن تخفض عدد هؤالء السكـان إلـى احلـد الـذي تـصـبـح فـيـه مـواردهـا كـافـيـة
إلطعامهم. على أن هذا احلل يغفل عددا هائال من العناصر األخرى التي تـنـتـمـي إلى صميم هذا ا9وضوعB والتي يرجع الكثير منها إلى عوامل خارجة 3اما Bأن هناك بالفعل بالدا غنيـة Bمثال Bعن إرادة البالد الفقيرة. فهو يتجاهل كالواليات ا9تحدةB تدفع للمزارعc إعانات طائلة من ميزانيـتـهـا الـسـنـويـة كيال يزرعوا حقولهـمB ألن زراعـة هـذه احلـقـول وإنـتـاج كـمـيـات وفـيـرة مـن احملاصيل يؤدى إلى انخفاض السعر العا9ي لهذا احملصولB ولذلك ينبغـي أن يظل إنتاجه في حدود معينة ال يتعداهاB بغض النظـر عـن وجـود أنـاس جائعc في مناطق أخرى من العالم. وهو يغفـل أن زيـادة الـسـكـان تـرتـبـط بعوامل من بينها األمية والتخلف االقتصادي واالجتماعيB وأن هذه العوامل ترجع أساسا إلى خضوع كثير من البالد الفقيرة لـدول اسـتـعـمـاريـة كـانـت
169
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
حريصة على استمرار تخلفها حتى تضمن استسالمها لهاB وأن ذيول هذه السياسة ظلت باقية حتى بعد تخلـص هـذه الـدول مـن قـبـضـة االسـتـعـمـار
ا9باشر. ولكن قد يكون األهم من ذلكB من وجهة النظر التي نركز عليها في هذا الكتابB هو أن هذا احلل الذي يحصر ا9شكلة في حدود العالقة بc ا9وارد الغذائية وعدد السكانB يتجاهل اإلمكانات الهائلة للعلـم فـي إيـجـاد حـلـول افضل لهذه ا9شكلة ا9عقدة. فلدى العلمB في هذا اجملالB قدرات هائلة لم يستغل معظمها بعد: كالبحـث فـي وسـائـل اسـتـزراع ا9ـنـاطـق الـصـحـراويـة الشاسعةB وإسقاط ا9طر الصناعيB واستخالص ا9واد ذات القيمة الغذائية احلالية من طحالب البحار واحمليطاتB وهى مورد ال ينفدB وحتويل مخلفات بعض الصناعات إلى مواد غذائيةB فضال عن أن األرض الصاحلة للزراعة في العالم أوسع بكثير من األرض ا9زروعة بالفعلB كما أن إمكانات مضاعفة
غلة األراضي الزراعية بأساليب علمية حديثة قائمة على الدوام. Bفان العلم لم يقل بعد كلمته النهائية في هـذه ا9ـشـكـلـة Bوبعبارة أخرى ولم يعلن يأسه من حل مشكلة الغذاء بأساليبه اخلاصة حتى نفكر نحن في Bحلها عن طريق اإلقالل من عدد السكان. وكل ما في األمر أن العلم يقف في أغلب األحيان: مكتوف األيدي الن طاقاته وموارده موجهة نحو حتقيق أهداف أخرى بعيدة كل البعد عن هذا الهدف اإلنسـانـي. فـفـي ظـل مـنـاخ عا9ي يسوده العداء ا9تبادل بc الدولB وتكتسب فيه كل دولة نفـوذهـا عـن طريق القوة الغاشمةB ال qكن أن تتهيأ الـظـروف الـتـي جتـعـل اجملـتـمـعـات cتخصص طاقاتها العلمية من اجل البحث عن موارد غذائية جديدة للمالي اجلائعة. بل إن الغذاء نفسه يتحول إلى سالح في هـذا اجلـو الـذي يـسـود العالقات الدولية في أيامنا هذهB وقد يكون أحيانا معادال في تأثيره ألشد األسلحة فتكا. فمن ا9رغوب فيهB بالنسبة إلى بعض الدول القويةB أن يظل هذا التفاوت بc اجلوع والشبعB وبc الندرة والوفرة في الغذاءB قائماB ألنه يتيح للدول التي 3لك من الغذاء ما يفيض عن حاجتها أن تضغط بسـالح التجويع على الدول التي ال 3لك من الغذاء إال القليلB حتى تضمن خضوعها وتأمن من 3ردها. وفي مثل هـذا اجلـو ال يـكـون هـنـاكB أصـالB اسـتـعـداد حلشد الطاقات العلمية في حملة مركزة تستهدف القضاء على اجلوعB من
170
التفكير العلمي
نوع تلك احلملة التي أدت في سنوات قالئل إلى صعود إنسان إلـى سـطـح القمر.
وعلى ذلكB فليس في وسع أحد أن يجزم بأن مـشـكـلـة الـغـذاء تـرتـبـط {شكلة السكان وحدهاB وأن كمية الغذاء وعدد السكان يتناسبان تـنـاسـبـا عكسياB أو qثالن كفتى ميزان ال qكن أن ترجـح إحـداهـمـا إال إذا خـفـت Bثل إال جانبا واحدا من جوانب ا9شكلةq األخرى. فواقع األمر هو أن هذا ال cمن أهمهـا نـوع الـعـالقـات الـسـائـدة بـ Bوان للمشكلة جوانب أخرى كثيرة الدولB وطريقة توجيه ا9وارد العلمية وإمكان أو عدم إمكان إيجاد أسلـوب
إنساني في التعامل بc اجلماعات البشرية. ومع كل هذاB فإنني لست من ا9ؤمنc بسياسة ترك التزايـد الـسـكـانـي يتضاعف دون ضوابط. وإذا كنت فيما سبق قد حرصت على تأكيد وجود عوامل أخرى تـؤثـر فـي أزمـة الـغـذاءB إلـى جـانـب عـامـل الـسـكـانB وان مـن اخلطأ الفادح أن نتصور وجود عالقة ثنائية ال تشـتـرك فـيـهـا أيـة أطـراف Bكمية الغذاء وعدد السكان-إذا كنت قد حرصت على هذا التأكيد cب Bأخرى Bاني بأن تضاعف أعداد السكان دون ضوابطqفان حرصي هذا ال ينفي إ
وخاصة في البالد الفقيرة وا9تخلفةB هو أمر ينبغي تالفيه. ولهذا الرأي أسباب ومبررات متعددةB قد ال يكون بعضها متصال {شكلة الغذاء على اإلطالق. فمن الواجب احلد من التزايد السريـع لـلـسـكـان فـي هذه البالدB ألسباب تتعلق أساسا {ستوى اخلدمات الصحية والتعلـيـمـيـة واالجتماعية التي qكن أن تقدم إلى األجيال اجلديدة في اجملتمعات النامية. ور{ا كان األهمB حتى من هذا كلهB األسباب النفسية والتربوية الـعـائـلـيـة: فمن الصعب على األسرة التي تعيش في الربع األخير من القرن العشرين أن تبدى عناية كافية بعدد كبير من األبناءB وأن توجههم نفـسـيـا وتـؤهـلـهـم حلياة ناجحة في ا9ستقبل-وبطبيعة احلال فان هذه الصعوبة تتضاعف إذا كان ا9ستوى االقتصادي لهذه األسرة هابطاB ولكنـى أعـتـقـد انـه حـتـى فـي ا9ستويات االقتصادية ا9رتفعة يندر أن يجد أبناء األسر كبيرة العدد نفس الرعاية النفسية واالهتمام الشخصي واإلرشاد التربوي الذي يـجـده أبـنـاء
األسر ذات األعداد القليلة. بل إن اإلجناب أصبح في ظل العلم احلديث أمرا qكن التحكم فيه دون
171
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
عناء. ومن هنا لم يكن هناك مبرر علـى اإلطـالق لـكـي نـتـرك احلـبـل عـلـى الغارب في مسائل اإلجنابB وكأن هذا شيء يستحيل التدخل فيهB ثم جنهد أنفسنا بعد ذلك في محاولة احلد من األضرار ا9ترتبة على تزايد الـنـسـل الذي كان qكن ضبطه بجهود أقل بكثيـر مـن تـلـك الـتـي نـبـذلـهـا مـن أجـل
تالفي نتائجه. ولقد الحظت في جميع ا9ناقشات التي تدورB سواء في بالدنا العربية وفي خارجهاB أن كل من يناقش هذا ا9وضوع يسلم تسليما تاما باستحالة فرض قيود إجبارية على أعداد األبناءB حتى لـو كـان ـن يـؤمـنـون إqـانـا قاطعا بأن زيادة السكان هي وحدها سبب نقص التغذية وسوء اخلـدمـات وهبوط مستوى ا9عيشة في البالد ا9تخلفة. واحلجج الـتـي تـقـال فـي هـذا الصدد هي أن هناك أسبابا نفسية أو اجتمـاعـيـة-ور{ـا ديـنـيـة فـي بـعـض اجملتمعات-عميقة اجلذورB 3نع من إجبار الناسB بقوة القانون مثالB على التوقف في النسل عند حدود معيـنـة. وأنـا أسـلـم بـأن الـوضـع احلـالـي هـو كذلك بالفعلB ولكني أعتقد أن هذا الوضع يستحيل أن يستـمـر الـسـكـانـي ماال نهايةB وان ا9ستقبل سيشهد تغييرا جذريا في موقفنا من هذه ا9شكلة. ذلك ألننا لو استقرأنا تاريخ اجملتمعات البشرية لوجدنا أن اإلنسان ظل يفرض على نفسه مزيدا من القيود لكي ينال مـزيـدا مـن احلـريـات. وهـذا تعبير يبدو متناقضا: إذ كيف تفرض القيود من أجل ضمان احلريات ولكن من السهل أن يفهم القارu ما أعنى إذا ما فسره في ضوء مثال مألوف في حياتنا اليوميةB وهو إشارات ا9رور: فنحن نفرض على أنفـسـنـا أن نـتـقـيـد بإشارات ا9رورB لكي ننال بذلك مزيدا من احلرية في حركة ا9رورB والدليل على ذلك أن تعطل إحدى اإلشاراتB الذي يبدو في الظاهر وكأنـه يـعـطـى السائق أو السائر «حرية» السير كما يشاءB يؤدى في واقع األمر إلى إلغـاء هذه احلرية {ا يسببه من تكدس وفوضـى فـي ا9ـرور. وهـكـذا احلـال فـي أمور البشر جميعا: إذ ننتقل من حالة «احلرية» العشوائية أو ا9تخبطة التي كانت تسود في البداية إلى نوع من التنظيم أو التقييد الذي يحقق لنا مزيدا
من احلرية. وخالل تاريخ اإلنسان الطويلB كانت هناك أمور يعتقد أنهـا يـنـبـغـي أال 3سسB ومع ذلك فقد تناولها التنظيم والضبط في الوقت ا9ناسب. فليس
172
التفكير العلمي
في استطاعة اإلنسانB مثالB أن يسير عاريا في الطريق حتى ولو كان يشعر براحة كبيرة في هذا العملB ألنه يـؤذى مـشـاعـر اآلخـريـن بـهـذا الـسـلـوك. وليس في استطاعته أن يقول للناس أي شيء يريد قولهB ألنـه قـد يـحـاكـم بتهمة القذف العلنيB وليس في استطاعته أن يربح إلى غير حدB ألنه-حتى في الدول الرأسمالية-خاضع للضرائبB وقس على ذلك آالف األمثلة التي تثبت أن مفهوم احلرية القد“B {عنى االنطالق بغير قيـودB يـخـلـي مـكـانـه على نحو متزايد 9فهوم آخر هو التنظيم والتقييد الذي يؤدى إلى مزيد من
احلرية احلقيقية. وفي اعتقادي أن إجناب األطفال سيصبح يوما ما داخال في نطاق هذه Bالفئة من األفعال التي ينبغي أن تخضع للتقييد والتنظيم الذي يسـتـهـدف في نهاية األمرB صالح البشرية كلهاB وصالح األجيال اجلديدة بوجه خاص. وسيأتي اليوم الذي ينظر فيه اجملتمـع الـبـشـرى إلـى مـسـألـة إجنـاب كـائـن جديد على أنها مسؤوليـة يـجـب أن 3ـارس بـحـسـابB وفـي إطـار ضـوابـط وضمانات معينةB ألنها تلقى عبئا على مـجـتـمـع كـامـلB وألن هـذا اجملـتـمـع سيصبح بالفعل مسئوال عن هذا الكائن تثقيفه وتعليمه ورعـايـتـهB ومـن ثـم فال بد أن تكون للمجتمع كلمة تقال في هذا ا9وضوع. أما الـعـقـبـات الـتـي qكن أن تظهر في حالة تعليق مثل هذا التنظيمB كاحـتـمـال إجنـاب الـعـدد ا9قرر من جنس واحد فقطB أو كاإلجناب من عدة زوجاتB أو وفاة األبناء في كارثة مفاجئة إلى آخر هذه احلاالت احملتملةB فما هي فـي الـواقـع إال
استثناءات qكن معاجلتها بسهولة في إطار التنظيم الشامل. ولعل القارu يدهش إذ يجد أنني اتخذت في البداية موقف ا9هاجم 9ن يرون في حتديد النسل الوسيلة الوحيدة لتخفيف أزمة الطعام في الـعـالـم الفقيرB ثم اتخذت في النهاية موقف ا9دافع عن مبدأ حتديد النسل حتـى بقوة القانونB ولكنى ال أرى أي تعارض بc هذا وذاكB إذ أن العالمB حتى لو وصل إلى مرحلة التنظيم العلمي لعالقاته االجتماعية والسياسـيـة بـحـيـث يكرس من موارده ما يكفى حلل مشكلة الطعام عن طريق البحـث الـعـلـمـي ا9ركزB سيجد أن من مصلحته إيقاف تكاثر السكان عند حدود معينةB بـل سيأتي وقت يكون لزاما عليه فيه أن يفعل ذلكB بحيث يلغى هذه «احلرية» ا9زعومة في مسألة 3س اجملتمع ككلB ويفرض من الضوابط على النسل
173
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
ما فرضه من قبل على شتى مظاهر حيـاة اإلنـسـان. فـنـحـن قـد أصـبـحـنـا «كائنات اجتماعية»B منضبطةB مندرجة في تنظيمات وخاضعة لقوانـc ال حصر لهاB وفي كل يوم يتسع نطاق التنظيم االجتماعي ألمور كانت من قبل تترك للسلوك التلقائي العفويB فلماذا يشذ إجناب كائنات جديدة عن هذا االجتاه العام للسلوك البشريB مع أنه من أخطر مظاهر السلوك البشـرى في عواقبه ونتائجهB وهو قد اصبح في الوقت نفسه-بفضل العلم احلديث-
من أسهلها تنظيما?
مشكلة البيئة: قبل الستينات من هذا القرن كان الكالم عن «مشكلة البيئة» ال يتعـدى جدران عدد محدود من اجملامع العلمية شديدة التخصص. وفي الستينات ذاتهاB وخالل فترة وجيزةB أصبحت هذه ا9شكلة واحدة من أكثر ا9شكالت Bوفي الهيئات الدولية الكبرى Bتداوال على ألسنة الناس وفي أجهزة اإلعالم وأنشئت لها معاهد متخصصةB وكراسي أستاذية في اجلامعـاتB وظـهـرت لها مجالت خاصةB ومئات الكتب بشتى اللغاتB بل لقد أنشئت لها وكالة أو هيئة دولية متخصصة منبثقة عن هيئة األ ا9تحدة. فما الـذي أدى إلـى هذا االنتقال السريع من التجاهل التام 9شكلة البيئة إلى الوعي الزائد بها? من ا9ؤكد أن ا9شكلة ذاتها كانت موجودة قبل ظهور هذا الوعي ا9فاجئ بوقت طويل. ذلك أن التقدم العلمي والتكنولوجي كان ال بد أن يترك أثاره العميقة على بيئة اإلنسان. ومنذ بداية العصر الصناعي أصبح تدخل اإلنسان في البيئة حقيقة أساسية من حقائق هذا العصرB الن لفظ «الصناعة» ذاته يعنى تغيير عناصر البيئة بجهد اإلنسان. كانت ا9شكلة موجودة بالفعل منذ وقت طويلB ولكن التنبيه إلى خطورتهاB والى أبعادهـا ا9ـتـعـددةB هـو الـذي
تأخر في الظهور. أما هذا الظهور ا9تأخر للوعي {شكلة الـبـيـئـة فـر{ـا كـان راجـعـا إلـى مجموعة من العواملB أهمها التوسع الهائل في التصنيع والزيادة الضخمة في اإلنتاج بعد احلرب العا9ية الثـانـيـةB وهـو تـوسـع وصـل إلـى حـد إدخـال تغيرات أساسية في البيئة الطبيعية التي أخضعت 9تطلبات الصناعة إلـى Bحد قضى على كثير من معا9ها األصلية. ولكن لعل العامل األهم من ذلك
174
التفكير العلمي
في ظهور مشكلة البيئة على ا9سرح الدولي بصورة مباغتةB هو ظهور وعي جديدB في غمرة هـذا الـسـبـاق احملـمـوم عـلـى اإلنـتـاج الـضـخـم بـc الـدول الصناعية الكبرىB بضرورة احلفاظ على توازن البـيـئـة الـتـي يـعـيـش فـيـهـا اإلنسان وغيره من األحياء. فقد أدرك الكثيرون في اجملتمعات الصناعيـة أن تالعب اإلنسان ببيئته قد زاد عن حدهB وأن اجلري الالهث وراء التصنيع أدى إلى نسيان الطبيعة األمB بل أدى إلى تلويثها {ختلف النواجت ا9تخلفة
عن عمليات التصنيع. ولقد كانت مشكلة تلوث البيئةB نتيجة لنفايات ا9ـصـانـعB هـي ا9ـشـكـلـة الصارخةB التي أثارت االهتمام العا9ي {وضوع البيئـة. ذلـك ألن ا9ـصـانـع تطرد من مداخنها الضخمة كميات هائلة من الغازات التي تلوث جو مدن بأكملهاB وتعرض حياة اإلنسانB وخاصة األطفال الذين ال يستنشقون هواء نقياB ألخطار جسيمة. وفضال عن ذلك فان األنهار تتلوث {ا يلقى فيها من مخلفات ا9صانعB وتهدد احلياة ا9ائية فيهـا بـاخلـطـرB فـضـال عـن أخـطـار تلويث مياه الشرب. بل إن البحار ذاتهاB بكل مساحاتها الشاسعةB تتعـرض بدورها للتلوث بسبب مخلفات ا9صانع القريبة منهاB والسفن الـتـي تـسـيـر
فيهاB وا9وانئ ا9طلة عليها. وهكذا يبدو أن هذا الوعي القوى {شكلة الـبـيـئـة قـد ظـهـر فـي بـدايـة األمر بوصفه رد فعل على التوسع الضخم في اإلنتاج الصناعيB والتسابق بc الدول وبc الشركات ا9نتجة في إغراق األسواق بسلع جديدةB دون أي تفكير في األعراض اجلانبية التي تصاب بها البيئة الطبيعية نتيجـة لـهـذه ا9نافسة الرهيبة على اإلنتاج. وكان الهدف األساسي لتلك احلملة العا9ية الداعية إلى حماية البيئةB هو أوال جتنب األخطار ا9باشرة لـلـتـلـوثB الـتـي أصبحت أخطارا ملموسة في البالد ا9تقدمةB وهو ثـانـيـا حتـقـيـق نـوع مـن التوازن بc مطالب اإلنسان ومطـالـب الـطـبـيـعـة: فـاإلنـسـان يـريـد حتـويـر الطبيعية لكي تالئم أغراض اإلنتاج الصناعيB والطبيعـة تـريـد أن حتـفـظ وتصان. وكان على ا9هتمc بشئون البيئة أن يحاولوا االهتداء إلى الوسائل الكفيلة بالتوفيق بc هذين ا9طلبBc بعد أن أفرط اإلنسـان فـي االهـتـمـام
با9طلب األول إلى حد يهدد بضياع ا9عالم األصلية للطبيعة. بل إن التقدم في تكنولوجيا الزراعة ذاتهاB التي هي ألصق بالبيئة الطبيعية
175
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
من الصناعة بطبيعة احلالB قد أدى إلى مشكالت بيئية خطرة: فاستخدام مبيدات اآلفات على نطاق واسع أدى إلى تلوث ا9زروعات وتعرض مستهلكيها ألخطار التسممB فضال عن أن إلقاء مياه الصـرف فـي األنـهـار والـتـرع قـد
لوثها بدورهاB وهدد كل أشكال احلياة ا9ائية باخلطر. وال يقتصر هذا اخلطر على الـتـلـوث وحـدهB بـل أن هـنـاك خـطـرا آخـر يتمثل فيما يسمى «باختالل التوازن البيئي». فعناصر الطبيعة اخملتلفة قد تعايشت على مدى مئات األلوف من السنc بحيث يعتمد بعضها على بعض في توازن دقيق. وتدخل اإلنسان للقضاء على أحد هذه العناصر qكن أن يؤدى إلى نتائج غير متوقعة في عناصر أخرى تبدو بعيدة عنهB وذلـك الن التوازن بينها قد اختل. وكلنا نذكر إلى أي حـد أعـجـب الـنـاس فـي الـعـالـم بأسره بتجربة الصc الرائدة حc قضتB في أيام قالئلB على العصافيـر التي كانت تتكاثر با9اليBc وكانت تهدد محاصيل احلبوب تهديدا خطـيـرا يؤثر في ثروة األمة الزراعية. ولكن هذا القضاء ا9برم على العصافير قـد تبBc بعد سنوات قالئلB أنه احلق الضرر بالتربة الزراعيةB ألن العصافير كانت تأكل ديدانها التي تفرز سموماB فلما اختفت العصافير تكاثرت هذه ديدان إلى حد كان له تأثيره الضار على خصوبة التربة. وهكذا فان تدخل
نه البيئة الطبيعية قد أدى في نهايـةّاإلنسان في التوازن الدقيق الذي تكـو األمر إلى ضرر غير متوقع.
وعلى أية حالB فسواء نظرنا إلى ا9شكلة من زاوية التلوثB أم من زاوية اإلخالل بالتوازن الطبيعيB فإنها في معظم حاالتهـا تـعـد نـتـيـجـة مـبـاشـرة للتقدم العلمي والتكنولوجي السريـع فـي عـصـرنـا احلـاضـرB وهـى تـدعـونـا بإحلاح إلى محاولة احلد من بعض األضرار اجلانـبـيـة الـتـي يـجـلـبـهـا هـذا التقدم معهB ال سيما بعد أن استفحلت هذه األضرار اجلانـبـيـة فـي اآلونـة األخيرة بصورة تدعو إلى القلق. ولكن ظهور الوعي با9شكلةB وانعقاد عشرات ا9ؤ3رات والندوات ا9تعلقة بهاB ونشر مئات األبحاث عنهاB أدى إلى اتساع Bنطاق االهتمام {وضوع البيئة إلى حد يفوق بكثير مسألة مكافحة التلوث فظهرت أبعاد اجتماعية وجمالية للمشكلةB تناولت بالتحليل بيئة اإلنـسـان
احلديث بوجه عامB بغض النظر عن أضرار التصنيع واسع النطاق. ذلك ألن التفكير ا9تعمق في مشكالت البيئـة يـبـc أن هـذه ا9ـشـكـالت
176
التفكير العلمي
يصعب حلها من جذورها ما دام الهدف من النشاط االقتصادي هو التنافس على الربح. ففي ظل هدف كهذا تكون احللول جزئية فقطB وال يؤخذ بهـا إال بقدر ما qكن إدماجها في إطار اقتصاد السوقB أما إذا تـعـارضـت مـع هذا االقتصاد فإنها تهمل. و9ا كان هذا االقتـصـاد مـيـاال بـطـبـيـعـتـه إلـقـاء التوسع والوصول إلقاء احلدود القصوى ا9مكنة لإلنتاج فان احللول اجلذرية 9شكالت البيئة فيه تكاد تكون مستحيلة. وهكذا يرتبط موضوع البيئة بنوع القيم االجتماعية واالقتصادية السائدةB ويتضح أن إيجاد حل حقيقي يحفظ لإلنسان توازن بيئتهB يحتاج إلقاء تغيير أساسي في قيم اجملتمـعB ال تـعـود فيه مرتكزة على التنافس بل على التعاون والتعايشB أي أن ا9سألة ترتد في واقع األمر إلى نوع األنظمة التي يختارها اإلنسان جملتمعه. ومن هنا اعتقد البعض-عن حق في رأيي-إن مشكالت البيئة ال جتد حلولها احلقـيـقـيـة إال
على مستوى عا9ي شامل. Bإلى حد بعيد Bاإلنسان والبيئة كان موازيا cوالواقع أن مسار العالقة ب للعالقة بc اإلنسان وناجت عمله. فقد تصـور اإلنـسـان فـي وقـت مـا أن مـا ينتجه يفلت زمامه من يدهB ويخضع لقوى مجهولة تسير في طريقها اخلاص دون أن يستطيع أحد أن يوقفه أو يعيد توجيهـه. وكـان يـنـظـر إلـى الـتـلـوث الناجم عن هذا التقدم على أنه الضريبة احلتميـة الـتـي يـنـبـغـي أ يـدفـعـهـا اإلنسان كلمـا ازداد سـيـطـرة عـلـى الـطـبـيـعـة. أي أن ثـمـن الـتـقـدم الـعـلـمـي والتكنولوجي هو إفساد البيئة الطبيعية التي يستظـل بـهـا اإلنـسـان. ولـكـن التفكير بدأ يتجه في السنوات األخيرة اجتاها مخالفا: هو أن قدرة اإلنسان على فهم قوانc الطبيعة واستغاللها لصاحله ال يـنـبـغـي عـلـى اإلطـالق أن تؤدي إلى تشويه اإلنسان لبيئته الطبيعية. فالعلم والتكنولوجيا هماB قبل كل شيءB وسائل اصطنعها اإلنسان لكي يبنى لنفسه حياة أفضلB ومن ثم كان
من الضروري توظيفها من أجل صيانة البيئة الطبيعيةB ال تلويثها. وqكن القول أن الوعي العا9ي {شكالت البيئة قد ظهر متأخراB ولكنه nا بسرعة هائلةB بحيث أصبح اإلنسانB بعد مضي سنوات قالئلB حريصا على دراسة تأثير أي نشاط يقوم به في بيئته الطبـيـعـيـةB وأخـذ يـضـع مـن القوانBc ويتخذ من االحتياطاتB ما يعتقد انه كفيل بصيانة هذه البيئة من أخطار التدخل الزائد في توازنها الطبيعي. ولكن ال qكن القول أننا اقتربنا
177
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
من ا9رحلة التي نستطيع فيها التوفيق بc حتقيق التقدم االقتصادي واسع النطاقB واحملافظة على نقاء الطبيعة وضمان سعادة متكاملة لإلنسان في
عالم يتطلع إلى اإلنتاج الوفير. ولكنB ما موقف ا9نطقة التي نعيش فيها من مشكالت البيئة? من الواضح أن هذه ا9شكالت قد ظهرت أصال في بالد صناعية متقدمـةB واالهـتـمـام الذي أبدى بهاB والضجة التي أثرت حولهاB واالجتاه ا9فاجئ إلى دراستها علميا وتطبيقياB إnا كان في هذه البالد. و9ـا كـانـت بـالدنـا فـي عـمـومـهـا مفتقرة إلى التصنيع الثقيل على نطاق واسعB فيبدو أن مشكالت البيئة ال 3سها مساسا مباشرا. كذلك فان عملية استهالك ا9وارد الطـبـيـعـيـة إلـى حد االستنفاد لم حتدث بعد في معظم بالد الـعـالـم الـثـالـثB ومـن ثـم فـان
اخلوف من أخطار النفايات الصناعية ليس له حتى اآلن ما يبرره. ومع ذلك فان هذا ال يعنى على اإلطالق أن تقف بالدنا مكتوفة األيدي حتى يجيء الوقت الذي تداهمـهـا فـيـه أخـطـار الـتـلـوث أو انـعـدام الـتـوازن البيئي. فمن الواجب أن نفيد من جتربة البالد األخرى التـي سـبـقـتـنـا فـي مجال التصنيع وفي التكنولوجيا الزراعية ا9تقدمـة. ولـنـتـذكـر أن مـن أهـم عوامل التلوث البيئي ازدحام ا9دنB وأن حركة االنتقال إلى حياة ا9دن تسير في بالد العالم الثالث بسرعة وبغير تخطيطB ا يساعد على ظهور كثير
من ا9شكالت ا9تعلقة بالبيئة. وهنا ينبغي علينا أن نعود إلى الكالم عن جانب آخر من جوانب مشكلة البيئة اصبح في اآلونة األخيرة يشغل قدرا كبيرا من اهتمام ا9شتغلc بهذا ا9وضوعB وأعني به اجلانب اجلمالي للبيئة. فليست ا9شكلة الوحيدة ا9تعلقة بعالقة اإلنسان ببيئته الطبيعية هي ا9شكلة ا9ادية الناجمة من تدخله الزائد في الطبيعة وسوء استخدامه لطاقاتها ومواردهاB بل إن البيـئـة اجلـمـالـيـة بدورها ينبغي أن تكون موضوعا الهتمامنا وعنايتنا. فالطفـل الـذي يـنـشـأ في بيئة تتسم بالقبحB وال يرى حوله مظهرا من مظاهر اجلمال أو الذوق أو التناسق واالنسجامB يكون قد افتقد عنصرا هاما من عنـاصـر إنـسـانـيـتـه. وفي وسعنا أن نقول أن هذا القبح qكن أن ينتج عن الثراء ا9فرطB أو عن الفقر ا9دقع. ففي البالد ذات االقتصاد ا9تقدم واإلنتاج الوفيرB يكون السعي إلى الضخامة في البناء متعارضاB في أحيان كثيرةB مع البحث عن اجلمال:
178
التفكير العلمي
وعند حدوث هذا التعارض فان الطرف الذي يضحي بهB في الغـالـبB هـو اجلمال. وهكذا فان كثيرا من ا9دن الصناعية الكبرىB الـتـي تـنـتـج ثـروات اقتصادية هائلة ويتعامل أهلها بأموال طائلةB تفتقر إلى اجلمال الذي قـد جنده بدرجة تفوقها بكثير في بلدة صغيرة بسيطة البناء متواضعة ا9وارد. ولكن القبح يوجد أيضا على الطرف اآلخر في السلم االقتصاديB وهو أمر طبيعي 3اما. ففي البالد الفقيرة ال يكون هناك مجال لالهتمام باجلمال وحيث تسود األزمات االقتصادية ويتكدس الناس في بيوت متهالكة وتضيق األرض {ن عليهاB ال تتوقع من أحد أن يحرص على وجود 9سات جماليـة في البيئةB أو على ترك مساحات خضراء واسعة لتنقية الهواء وتنقية النفوس
معاB ما دامت لقمة العيش هي الشغل الشاغل للجميع. هذا العامل اجلمالي qثل العنصر األهم من عناصر مشكلة البيئة في بالد العالم الثالث. ومن حسن حظ كثـيـر مـن هـذه الـدول أن لـديـهـا تـراثـا حضاريا عريقا ما زالت آثاره قائمة في أرجائها عـلـى نـطـاق واسـع. وهـذه اآلثارB فضال عن الطابع التقليدي العريق للعمران في هذه البالدq Bكن أن تكون عنصرا أساسيا في احملافظة على اجلانب اجلمالي للبيئةB وما يستتبعه ذلك من إعالء للجوانب ا9عنوية في حيـاة اإلنـسـان. ومـن هـنـا كـان حـرص الكثيرين على صيانة اآلثار العريقة في البالد الـفـقـيـرةB لـكـي يـكـون فـيـهـا تعويض عما تعجز هذه البالد عن حتقيقه {واردها االقتصادية احملدودة. غير أن ضرورات التنمية وإدخال األساليب التكنولوجـيـة احلـديـثـة فـي احلياة كثيرا ما تتعارض مع احلرص على الطابع اجلمالي التقليدي للبيئة في البالد النامية. بل انه ليبدو في بعض األحيان أن أصوات أولئك «الزوار األجانب» الذين ينصحون أهل هذه البالد باحملافظة على الطابع التقليدي لبيئتهمB وبعدم االنسياق وراء إغراءات احلياة العصريةB هي في حقيقتـهـا دعوة (مقصودة أو صادرة عن نية حسنة) إلى أن تظل هذه البالط «متحفا» أثريا يستمتع به ا9تفرجون وحدهم. وهكذا تبدو هذه النظرة «ا9تحفية» إلى البيئة: في بعض األحيانB عائقا في وجه تطور اجملتمع نحو األخذ بأساليب التقدم احلديثة. وعلى أية حال فان التحدي احلقيقي أمام بالدنا النامية- فيما يتعلق با9شكلة التي نتحدث عنها ها هنا-هو في الوصول إلى الصيغة ا9الئمة التي توفق بc احملافظة على الهوية األصيلة للبيئة من جهةB واللحاق
179
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
{وكب التقدم العلمي والتكنولوجي من جهة أخرى.
مشكلة املوارد الطبيعية: لهذه ا9شكلة وجه نعرفه في بالدنا العربية حق ا9عرفةB هو الوجه ا9تعلق بأزمة الطاقة. فمصادر الطاقةB وعلى رأسها البترولB أصبحت في وقتـنـا Bالراهن موضوعا من أهم ا9وضوعـات الـتـي تـبـحـثـهـا ا9ـؤ3ـرات الـعـلـمـيـة والتجمعات السياسيةB والتي تتغير بسببها االستراتيجيات وتتشكل األحالف وتنشب النزاعات وحتاك ا9ؤامرات. وا9شكلة التي يواجهها العالـمB والـتـي Bهي أن مصادر الطاقة التقليديـة Bأصبح على وعي تام بها في أيامنا هذه وخاصة البترولB محدودةB وأن التقدم التكنولوجي يدفع العالم رغما عـنـه إلى التوسع في استهالكهاB ومن ثم فانه سيواجه في وقت غير بعيد {وقف يجد فيه بتروله قد نفدB فيعجز عن استغالل كافة موارده الطبيعية األخرى. على أن األمر ا9ـؤكـد هـو أن الـعـلـم ال يـقـف مـكـتـوف األيـدي أمـام هـذا Bاالحتمال اخمليف: فالبحث ال يتوقف حلظة واحدة عن مصادر بديلة للطاقة وعلى رأسها الطاقة الذريةB التي قطعت الدول ا9تقدمة شوطا بـعـيـدا فـي استخدامهاB وكذلك الطاقة الشمسيةB التي اسـتـغـلـت بـدورهـا ولـكـن عـلـى Bكما أن ثمة تفكيرا جادا في استغالل طاقة احلرارة األرضية Bنطاق أضيق وطاقة ا9د واجلزر على نطاق عا9ي واسع. ولكن ا9شكلة في هذه الطاقات البديلة هي أنها لم تصبح بعد اقتصادية إلى احلد الذي يبرر استخدامهـا على نطاق واسع. وكل اآلمال تتركزB بطبيعة احلالB على خـفـض تـكـالـيـف إنتاجها إلى حدود معقولة بحيث تصبح بديال عن الطاقة البترولية حينما
تنفد. ولكن البترولB والطاقة بـوجـه عـامB لـيـسـت إال وجـهـا واحـدا مـن أوجـه مشكلة ا9وارد الطبيعية التي تواجه العالم اليوم. فهذا العالم يستهلك موارده األخرىB من احلديد والنحاس والقصدير الخB {عدل متزايـدB لـكـي يـلـبـي أغراض الصناعة التي تتوسع بال انقطاعB ومطالب االستهالك التي اعتادها اإلنسان حتى أصبحت جزءا ال يتجزأ من حياته. وإذا كـانـت بـعـض ا9ـوارد الطبيعية قابلة للتجديدB كاألخشاب مثالB الـتـي qـكـن أن تـتـجـدد بـظـهـور أشجار جديدةB فان ا9وارد ا9عدنية التي تستهلك ال qكن تعويضهاB ومن ثم
180
التفكير العلمي
فان رصيد العالم منها يتضاءل يوما بعد يوم. وقد دق عدد كبير من الباحثc ناقوس اخلطرB معلنا أن ا9وارد احلالية من ا9عادن الهامة التي تقوم عليها الصناعات الرئيسيةB ومن ثم تقوم عليها احلضارة العصرية بأسرهاB البد أن تنتهي في وقت قصير إذا سارت الزيادة في معدالت االستهالك سيرتها احلالية. فبعض ا9عادن ال يقدر للمخـزون منه أن يدوم أكثر من ربع قرنB وبعضها قد يدوم أكثر من ذلكB ولكن األمر ا9ؤكد هو أنه إذا انقضى على البشرية قرن آخر ظلت فيه صناعاتها تستهلك ا9وارد الطبيعية على النمط السائد اآلنB فان معظم ا9وارد األساسية سيكون
عندئذ قد نفد. وفي مقابل ذلك يذهب بعض ا9تفائلc إلى أن الصورة ليست قا3ة إلى Bفي حالة من السلبية Bهذا احلد. فمن احملال أن يظل العقل اإلنساني ينتظر نقصان رصيده من موارد الطبيعة يوما بعد يومB حتى ينتهي األمر بالبشرية إلى العودة مرة أخرى إلى الكهوف بعد أن تنضب آخر ذرة من معادنها ومن طاقاتها. والرأي الذي يدافع عنه هؤالء هو أن التقـدم الـعـلـمـي كـفـيـل بـأن يكشف لإلنسان آفاقا جديدة ال تخطر له اآلن على بال. فإذا توصل اإلنسان إلى الوسائل الفعالة السـتـخـراج الـثـروات الـطـبـيـعـيـة الـكـامـنـة فـي أعـمـاق احمليطاتB فمن ا9ؤكد انه سيهتدي فـيـهـا إلـى احـتـيـاطـي مـن ا9ـوارد يـبـلـغ أضعاف ما قدره ا9تشـائـمـون. وإذا اسـتـطـاع أن يـتـوغـل فـي بـاطـن األرض ذاتها-التي qكن القول أن كل كشوفنا تكمن على السطح األعلى من قشرتها اخلارجية-فسوف يجد على األرجح موارد معدنية هائلة مدفونة في األعماق البعيدة لألرض. وإذا أصبح االتصال بـc الـكـواكـب والـنـجـوم الـواقـعـة فـي Bوأمكن حتقيقه بطريقة منتظمة Bالفضاء القريب من األرض حقيقة واقعة فسوف يستخلص اإلنسان من هذه العوالم اجلديدة موارد تعوضه عن كـل
ما يفقده على سطح األرض. Bالذي يعتمد على إجنازات علمية بعيدة ا9دى Bومع ذلك فان هذا الرد ال يبدو كافيا في نظر الكثيرينB الذين يرون أن ا9شكلة ستواجه العالم في وقت اقرب من ذلك الذي تتحقق فيه آمال هؤالء ا9تفائلc. فهناك احتمال قوي في أن يواجه اإلنسان بنقص أساسي في موارده الطبيعـيـة «قـبـل» أن يكون العلم قد 3كن من التوصل إلى بدائل أو كشف مصادر جـديـدة لـهـا.
181
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
وعندئذ يكون لزاما علينا أن نفكر: منذ اآلنB فيـمـا يـنـبـغـي عـمـلـه قـبـل أن يتحقق هذا االحتمال اخمليف.
Bبخطورة هذه ا9شكلة cواألمر الذي يركز عليه كثير من ا9فكرين الواع هو أن األجيال احلاضرة ينبغي أن تفكر في مصير األجـيـال الـقـادمـةB وال تترك لها العالم فقيرا في ا9واردB لكي حتل هي مشكالتها بنفسهـا. وهـنـا تتدخل مشكلة أساسية من مشكالت القيم: فهل ينبغي عليناB نحـن الـذيـن نعيش في اجليل احلاضرB أن نراعي حقوق جيلنا هذا وحدهB أم أن اجليل الناشئB واألجيال التي لم تولد بعدB لها بدورها حقوق ينبغي مراعاتها عند
الواقع أن اإلجابة عن هـذا الـسـؤال)١(استهالك موارد العالم الطـبـيـعـيـة? ليست يسيرة إلى احلد الذي تبدو عليه للوهلة األولى.
فمن الواضحB في نظر الكثيرينB أن األجيال البشرية ينبغي أن تتخلـى عن أنانيتهاB وعن رغبتها في ضمان أعلى مستوى كن 9عيشتهاB وعليها أن تفكر في مصير األجيال التي ستعقبهاB فال تبدد مـوارد الـطـبـيـعـة إلـى
احلد الذي ال يترك لهذه األجيال الالحقة ما تستطيع أن تستهلكه. ل االستهالك في الدول الغنية يـزداد بـدرجـة تـنـذرّومن ا9ؤكد أن مـعـد
بخطر حقيقي في ا9ستقبلB إذ يصل هذا االستهالك أحيانا إلى حد التبديد السفيه. وهنا يكون من الطبيعي أن يثور الضمير اإلنساني على هذا التبديد غير ا9سئولB الذي ال يحدث من اجل إشباع ضرورات حيـويـةB بـل يـحـدث إلرضاء رغبات أنانية ونزوات استهالكية مجنونة ال يلبى معظمها حاجـات أصيلة لدى اإلنسان. فإذا كان هذا االستهالك الزائد عن احلاجة يتم على حساب الضرورات األساسية التي ستحتاج إليها األجيال ا9قبلةB أليس من حق ا9رء أن يعترض ويطالب بالتريث والتفكير في اآلخـريـنB ال سـيـمـا إذا
كان هؤالء اآلخرون هم أبناؤنا وأحفادنا? على أن أنصار الرأي ا9ضاد يسوقون حججا تبدو في نظـر الـكـثـيـريـن معقولة: فمن الواجبB في نظرهمB أن نترك األجيال ا9قبلة تواجه مشكالتها Bبقدر ما يستطيع Bبنفسها. ولو افترضنا أن اجليل احلالي قد قلل استهالكه مراعاة 9طالب األجيال القادمةB فان هذا لن يكون حـال لـلـمـشـكـلـةB وذلـك لسببc: األول أن ا9ستهلكc احلقيقيc في هذا العالم هم قلة مـن الـدول التي تشكل نسبة ضئيلة من مجموع سكان العالمB أما األغلبـيـة الـسـاحـقـة
182
التفكير العلمي
فتعيش على مستوى الكفاف. ولو اختفت األنانية من العالمB وساده تنظيم عاقل يراعى مصالح الغيرB فسوف يكون أول ما ينبغي على هذا التنـظـيـم عمله هو رفع ا9ستوى االستهالكي لألغلبية البائسة من شعوب العالم إلى مستوى معقول. وعندئذ سنواجه ا9شكلة بنفس حدتها احلاليةB ور{ا {زيد من احلدة: إذ أن رفع مستوى ألوف ا9اليc من فقراء العالم إلى حد معقول cسيؤدى إلى استهالك 9وارد العـالـم {ـعـدل قـد يـفـوق ا9ـعـدل الـسـائـد بـ الدول الغنية ا9بذرة في الوقت الراهن. وأما السبب الثاني فهو أنناB مهما قنرنا على أنفسنا اآلنB أو حتى بعد جيل أو جيلBc فسوف نضطر عاجال أو آجالB إلى مواجهة ا9شكلة بكل حدتها يوما ماB إذ أن ترشيد االستهالك حتى لو حتقق على نـطـاق عـا9ـيB لـن qـنـع مـن حـدوث أزمـات فـي ا9ـوارد
.cوكل ما سيؤدي إليه هو إرجاء ا9شكلة إلى ح Bالطبيعية في ا9ستقبل والشك أن هذه احلجة الثانية qكن أن يرد عليها بـأن أرجـاء ا9ـشـكـلـة Bغير مألوفة Bيعني إعالء فرصة أطول للعلم كما يتوصل إلى حلول جديدة 9شكلة ا9وارد الطبيعيةB بدال من أن يضطر العالم إلى مواجهة هذه ا9شكلة قبل أن يكون العلم قد أعد نفسه حللهـاB كـمـا أن ضـمـان مـسـتـوى مـعـقـول للغالبية الفقرة من سكان األرض قد يساعد سكان هذه ا9ناطق علـى بـذل ا9زيد من اجلهد من اجل استخراج كل ما هو كامن في أقاليمهم من ثروات. ولكن الذي يهمنا من هذه ا9قابلة بc اآلراء ا9تعارضة في مشكلة ا9وارد Bالطبيعية هو أوال أن ا9شكلة ليست بالبساطة التي تبدو عليها للوهلة األولى Bبل أنها من التعقيد بحيث تستدعي قدرا غير قليل من التـفـكـيـر ا9ـتـعـمـق الذي يوازن بc احلجج والردود عليهاB ويدرك أن للموضوع أبعادا متعددة. ويهمنا ثانيا في هذا ا9وضوع أن نؤكد ارتباطه {شكالت أخالقيةB كمشكلة أنانية األجيالB و{شكالت اجتماعيةB كمـشـكـلـة الـتـقـريـب بـc مـسـتـويـات اجملتمعات البشرية. ولكن ر{ا كانت أهم ا9شكالت العقلية الـتـي يـثـيـرهـا هذا ا9وضوع هي تلك ا9شكلة األساسية ا9تعلقة بالقيمB وأعني بـهـا قـيـمـة
احلياة االستهالكية التي تعيشها اجملتمعات الصناعية احلديثة. ذلك ألن اجملتمعات ا9تقدمة أصبحتB في عصرنا احلاضرB تنظر إلى التوسع في االستهالك كما لو كان غاية في ذاتهB وتعده قيمة أساسية مـن قيم احلياةB ينبغي أن تؤخذ على ما هي عليه دون مناقشة. بل إن اإلنسان
183
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
احلديث أصبح ينظر إلى أي نظام اجتماعي على أنه جهاز ضخم وظيفتـه األولى واألساسية هي توفير مطالبه االستهالكيةB وأصبح يحكم عليه-إيجابا
أو سلبا-في ضوء قدرته أو عدم قدرته على حتقيق هذه ا9طالب. ولقد أصبح هذا األسلوب من التفكير متغلغال فينا إلى حد أننا لم نعد قادرين على مناقشتهB بل أصبحنا نعده جزءا من طبيعة األشياءB ونـظـامـا من أنظمة الكون. ولكن حقيقة األمر أن هذا كله اجتاه حديثB ينتمي إلـى قيم اجملتمع الصناعي الغربيB وهي القيم التي استطاعت-بفضل تفوق هذا اجملتمع-أن تنتشر وتعم أجزاء كبيرة من العالم ا9عاصر. والـدلـيـل عـلـى أن هذا االجتاه االستهالكي ينتمي إلى اإلنسان احلديث وحدهB هو أن العصور ا9اضية كانت تفكر في األمر بطريقة مغايرة 3اما. فعند اليونانيc القدماء كان الفكر الفلسفي واألخالقيB وخاصة عند سقراط وأفالطون وأرسطـو Bيتجه إلى تعويد اإلنسان السيطرة على رغباته والتحكم فيـهـا Bcوالرواقي ولم يقل أحد عندئذ أن وظيفة النظام االجتماعـي هـي أن يـوفـر لـإلنـسـان أكبر قدر من أدوات االستهالك. وفي العصور الوسطى كانت معظم الرغبات االستهالكيةB التي هي محور حياتنا احلاضرةB تعـد رغـبـات شـريـرةB وكـان هدف النظام االجتماعي والفكري هو إخماد صـوت هـذه الـرغـبـاتB وكـان اإلنسان األمثل هو ذلك الذي يعزف عن حتقيق مطالب الترف والرفاهية. ولست أود أن يفهم القارu ا أقوله أنني أدعـو إلـى الـزهـد أو أحـمـل على احلياة احلديثة ألنها متـرفـةB إذ أن األمـر ا9ـؤكـد هـو أن دعـاة الـزهـد ا9تطرف كانوا يكبتون كثيرا من الرغبات اإلنسانـيـة ا9ـشـروعـةB ويـقـمـعـون مطالب حيوية لإلنسانB وقد أثبتت األيام أن كثيرا من دعاة الكبت والقمع هؤالء يعيشون حياة مضادة 3اما لتلك التي يدعون الناس إليها. ومن جهة cأخرى فان اإلنسان قد أحرز في العصر احلديث تقدما ال شـك فـيـه حـ استطاع أن يتحرر من هذا الكبتB واقتنع بأن إرضاء رغباته الطـبـيـعـيـة ال
يتعc أن يكون في ذاته أمرا شريرا. ولكن ما أود أن أثبتهB من هذه ا9قارنةB هو أن النمـط احلـالـي لـلـحـيـاة االستهالكية ليس أمرا مسلما بهB كما نتصور اآلنB وأن اإلنسان كان يعيش في عصور أخرى في ظل قيم مضادة لتلك التي يسلم بها اآلنB حتى لو لم يكن قد 3سك دائما بهذه القيم. فإذا أدركنا هذه احلقيقةB أمكننا أن نتأمل
184
التفكير العلمي
بنظرة نقدية طبيعة احلياة االستهالكية التي يتصور اإلنسان احلديث أنها أقصى أمنياته.
وحc نقوم بهذا النقد: سـتـظـهـر بـوضـوح أمـامـنـا عـيـوب هـذا الـتـطـلـع االستهالكي اخمليف الذي يتملك اإلنسان في اجملتمعات ا9تقدمةB ويحلم به اإلنسان في اجملتمعات غير ا9تقـدمـة. وحـقـيـقـة األمـر هـي أن ا9ـشـكـلـة ال تكمنB على وجه الدقةB في االستهالك أو عدم االستهـالكB بـل إن أسـاس ا9وضوع كله هو «نوع» االستهالك. فنحن قد تطرفنا في االجتاه ا9ضاد 9ا كان يدعو إليه أجدادنا من زهد وعزوف عن ا9طالب ا9اديةB حتى أصبحنا Bبشبكة محكمة من الوسائل اإلعالمية التي تدعونا بذكاء شديـد cمحاط إلى استهالك أشياء تافهة. وهكذا يجد ا9رءB أينما ذهبB إعالنات ضخمة تدعو إلى صنوف من ا9أكوالت أو ا9شروباتB وتغريـه {ـظـهـرهـا احلـسـي الفجB وتصور الشفاه الظامئة وهي تتلهف على الزجاجة ا9ثلجةB أو األسنان الشرهة وهي تنقض على قطعة اللحمB حتى ليشعر ا9رء بأن الزمن قد دار دورة كاملةB منذ عهد الترفع على احملسوسات حتى عهد اإلغراق السوقي
فيها. Bكاجلنس Bولنقل مثل هذا عن أساليب استثارة الرغبات احلسية األخرى التي أصبحت حتفل بها إعالنات األفالم وا9الهيB وتزين أغلفة اجملالت... إنها بدورها مظهر لقيم معينةB قد يكون لها جانب إيجابي هو أن اإلنسان لم يعد مكبوتاB ولكن لها جوانب سلـبـيـة واضـحـةB هـو أنـهـا جتـعـل لـلـحـيـاة اإلنسانية أهدافا حسية مباشرةB وتسيء إلى الرغبات اإلنسانية الطبيعية ذاتهاB إذ جتعلها موضوعا للمتاجرة والربحB وتنزع عنها طابع اخلصوصية-
احلالي هو أساسي فيها-لتحيلها إلى سلعة عامة يتداولها اجلميع. واألعجب من ذلك أن السعي احملموم إلى االستغالل التجاري للرغبات اإلنسانية قد دفع هؤالء ا9ستغلc إلـى خـلـق «رغـبـات صـنـاعـيـة»B ال تـلـبـى حاجات طبيعية لدى اإلنسـانB ولـكـن اإلحلـاح ا9ـسـتـمـر عـلـيـهـاB بـالـدعـايـة واإلعالنB يقنع الناس على نحو متزايد بأنها رغبات أساسية. وهكذا يخلق لدى اإلنسانB في اجملتمعات ا9تقدمة أو في اجملتمعات الثرية (وهما ليسا دائما شيئا واحدا)B إحساس بضرورة تغييـر طـراز سـيـارتـه أو ثـالجـتـهB أو مالبسه أو حتى ساعته كلما جد في هذا ا9يدان جديدB ال ألن ما لديه قد
185
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
استهلكB بل الن عقله قد تشكل بالطريقة التي يـريـدهـا ا9ـنـتـجـونB والـتـي تضمن لهم اكبر قدر من الربح. وكم من ا9اليc تنفق سنويا من أجل تلبية هذه الرغبات ا9صطنعة التي هيB في أغلب األحيانB رغبات غير ضرورية.
فإذا: كاختراع فرشـاةًبل أن بعضها قد يجلبB على ا9دى الـطـويـلB ضـررا أسنان تتحرك بالكهرباء بدال من حركة اليدB أو أجهزة آلية لتغيير سـرعـة السيارة بدال من جهاز التغيير اليدويB أو جهاز للتحكم عن بعد في ضبط التليفزيون حتى ال يقوم اإلنسان من مكانه... وكلهـا مـخـتـرعـات تـبـدو فـي
د اإلنسان اخلمول الزائدB وحترمهّظاهرها مريحةB ولكنها في حقيقتها تعو من ارسة أقل قدر من اجلهد اجلسمي الذي هو في اشـد احلـاجـة إلـى
بذله كيال يتعرض ألمراض الترف «واحلضارة». ور{ا قيلB دفاعا عن nط احلياة االستهالكية هذاB إن عصرنا يستطيع أن qلك ترف االستهالك ألنه عصر إنتـاج فـائـضB عـلـى حـc أن فـلـسـفـة الزهد كانت تشيع في عصور احلرمان واإلنتاج الشحيح. ولكن هذه حجـة هزيلةB إذ أن عصرنا بدوره مليء {ظاهر احلـرمـانB الـتـي تـصـل إلـى حـد اجملاعة في بعض البالد الفقيرةB والى حـد سـوء الـتـغـذيـة ونـقـص ا9ـلـبـس وا9سكن بc النسبة الغالبة من البشر. بل إن الدول الفنية ذاتها ال تخلو من احلرمانB وان كانت تسعى جاهدة إلى التستر عليه. وهكـذا فـإنـنـا إذا كـنـا nلك إنتاجا فائضا-وهو أمر ال ينطبق علـى اجلـمـيـع-فـمـن ا9ـؤكـد أنـنـا لـم نحسن استخدامهB وأن األنظمة االجتماعية التي يعيش اإلنسـان احلـديـث في ظلها لم تصل بعدB في معظم األحيانB إلى مسـتـوى الـعـدالـةB ومـن ثـم
فإنها تدعو إلى الترف الزائد في إطار من احلرمان. ويستطيع ا9رء أن يذهب إلى أبعد من القول بأن اإلغراق في االستهالك ال يلبي حاجات أساسية لدى إنسانB وأنه مظهر من مظاهر الظلم واالفتقار إلى عدالة التوزيع في العالم ا9عاصر. ذلك الن االسـتـهـالك الـزائـد يـشـوه بالفعل كيان اإلنسان وفكرهB وينتهي با9رء إلى السطحية واالبتذال. فعبادة االستهالك قد أدتB في هذا العصرB إلى تـكـويـن nـط مـن الـبـشـر الـذيـن يتصورون أن قيمة ا9رء إnا تقاس {ا qـلـكB و{ـا يـحـيـط بـه نـفـسـه مـن مقتنيات. ويبدو أن القوة السطحية التي نكتسبها من تلك األجهزة ا9عقدة التي تزودنا بها التكنولوجيا احلديثةB تخدعنا فتوهمنا بأننا أصبحنا بالفعل
186
التفكير العلمي
«أقوى» و«أفضل» ا كنا عليه من قبلB مع أن كل ما نقتنيه إnا هو قشرة Bخارجية ال جتعلنا أفضل «من الداخل» على اإلطالق. ولقد ميز الفالسفة منذ وقت طويلB بc ما يكونه ا9رء وما qـلـكـهB ويـبـدو أن مـروجـي الـسـلـع االستهالكية ال يهدفون إال إلى نشر عبادة «التـمـلـك»B وذلـك عـلـى حـسـاب
الكيان احلقيقي لإلنسان. ومثل هذه األوهام ليست فردية فحسبB بل إن هناك شعوبا ومجتمعات تقع كلها-باستثناء قلة من ا9فكرين فيها-فريسة االعتقاد الباطل بأن القيم العليا للحياة إnا تنحصر في توافر وسائل الترف ومظاهر الرخاء. ولـكـن حقيقة األمر أن هناك قيما أعلى من هذه بكثيرB هي قيم الثقافة وا9عرفة وحتقيق الذات. فإذا كان علينا أن نفـاضـل بـc مـجـتـمـعـBc يـحـرص األول منهما على أن يوف ألكبر عدد من أفراده السيارات الفاخرة وأحدث األجهزة اإللكترونية التي جتعل احلياة اليومية أيسر وأمتعB عـلـى حـc أن اجملـتـمـع Bاآلخر يحرص على أن يوفر ألكبر عدد من أفراده تعليما ذا مسـتـوى عـال وثقافة رفيعةB وينشر بينهم تذوق الفنون واآلداب عـلـى أوسـع نـطـاقB فـأي هذين اجملتمعc ينبغـي أن يـعـد مـحـقـقـا آلمـال اإلنـسـان? ال جـدال فـي أن اجلمع بc األمرين هو احلالة ا9ثلىB ولكنه ال يبدو كنا في ظروف العالم الراهنةB ومن هنا فان ا9رء ال qلك إال أن يفاضل بc هذا وذاك. وqـكـن القولB بنظرة واقعيةB أن عددا كبيرا من الناس يفضلون النوع األولB ولكن هذا إnا يرجع إلى تأصل قيم الرخاء ا9ادي في النفوس. ومن ا9ؤكد أن ما كان يدعو إليه مصلحو البشرية وقادتها الروحيونB منذ أقدم العصور حتى اليومB إnا هو أن يكون لإلنسان هدف أسمى من ذلك الرخاء ا9ادي الذي
يعده الكثيرون في عا9نا هذاB أقصى أمانيهم. Bمن وجهة النظر ا9ثالية Bحتى اآلن Bوإذا كنا قد نظرنا إلى هذا ا9وضوع اعني من حيث ما ينبغي أن يكونB فان هناك عوامل أخرى واقعية ينبغي أن تؤخذ بعc االعتبارB وتؤدي إلى هذه النتيجة نفـسـهـاB وأعـنـي بـهـا ضـرورة احلد من االجتاه االستهالكي ا9تطرف الذي تسير فيه بـعـض اجملـتـمـعـات ا9تقدمة صناعياB وتقود نحوه كثيرا من دول العالم األخرى التي تتخذ منها قدوة لها. فقد دأب اإلنسان الغربيB منذ مطلع العصر احلـديـثB عـلـى أن يتخذ من «السيطرة على الطبيعة» هدفا لكـل نـشـاط يـقـوم بـه فـي مـيـدان
187
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
العلم وا9عرفة بوجه عام. ولقد كان لهذا الهدفB كما رأينا من قبلB ما يبرره في الظروف التي ظهر فيهاB إذ أنه كان شعار عصر جديد يريد أن يـفـهـم العالم ويتحكم في الطبيعة عن طريق معرفة قوانينها. بل إن كبار الفالسفة الذين دار تفكيرهم حول محور هذا الشعارB مثل «بيكن»B و «ديكارت»B في أوائل القرن السابع عشرB كانت تدفعهم نزعة إنسانية قويةB هي الرغبة في استعادة لكة اإلنسان على األرضB وحتريره مـن عـبـوديـة الـعـمـل الـشـاق الذي يضنى جسمه ويضعف نفسه وال يدع له فرصة لكي qارس أفضل ما لديه من ملكات. كانت تلك هي نقطة البدايةB وهي الدافع الذي حفز الرواد األوائل إلى ا9ناداة بشعار «السيطرة على الطبيعة» عن طريق العلمB واتخاذ
ا9عرفة سبيال إلى اكتساب القوة ا9قدرة. ولكن استمرار التقدم العلمي والتكنولوجيB ووصوله إلى مستويات هائلة في اآلونة األخيرةB أصبح يهدد نفس ا9ثل العليا التي كان ينادى بها هؤالء الرواد. فمنذ وقت ليس بالقريب كنا نسـتـمـع إلـى أصـوات حتـذرنـا مـن أن وسائلنا التي نستخدمها في السيطرة على الطبيعةB قد سيطرت هي ذاتها علينا وخلقت لدينا نوعا جديدا من العبودية. وبالفعل أكد الكثيرون أن اآللة قد خيبت اآلمال التي عقدت عليهاB وجعلت اإلنسان عبدا إلنسان آخر (هو الذي qلك اآللة) أو لآللة نفسها. كما أن نفس القوة اجلديدة التي خلقت Bونـشـرت الـظـلـم Bوولدت القـبـح Bقد خلقت البؤس والفاقة Bالثراء والوفرة وقسمت العالم إلى دول مترفة ودول محرومةB وكررت هذا التقـسـيـم ذاتـه
في كل مجتمع على حدة. وفي عمرنا الراهن أدى التطرف في تطبيق شعار «السيطرة على الطبيعة» Bإلى انتشار رغبات جامحة في االستهالك الـذي يـصـل إلـى حـد الـتـبـديـد والى سعي إلى النمو مقصود لذاتهB والوقوع في جنون التوسع واالنتشار في جميع اجملاالت. واخذ يظهر للكثيرين بوضوح أن هـذا الـنـمـو اجلـنـونـي لـو Bأو إلى استنفاد موارده احملدودة Bاستمر بهذا ا9عدل ألدى إلى دمار العالم التي ال qكن جتديد الكثير منها أو تعـويـضـه. وهـكـذا بـدأ عـدد كـبـيـر مـن ا9فكرينB في الدول ا9تقدمةB يرفعون أصواتهم محذرين من استمرار االندفاع اجلنوني نحو االستهالكB ال سيما وأن الكثير ا نـسـتـهـلـكـه ال يـزيـد مـن قدرنا أو يثرى إنسانيتنا. وبدأ هؤالء ا9فكرون يشـكـكـون فـي جـدوى فـكـرة
188
التفكير العلمي
«السيطرة على الطبيعة» با9عنى الذي اسـتـخـدمـت بـه مـنـذ أوائـل الـعـصـر احلديثB ويدعون إلى االستعاضة عنها بفكر «التعاون مع الطبيعة».
وا9وقف الذي يدافع عنه هؤالء ا9فكرون هو أن الـعـالقـة بـc اإلنـسـان والطبيعة ينبغي أال تظل عالقة قهر وسيطرةB ومحاولة مـن اإلنـسـان لـكـي يستنفد أكبر قدر من مواردها ويستغلها إلرضاء رغباتهB بل عليه أن يساير الطبيعة ويتعاون معها حتى ال يقضـي عـلـى مـواردهـا وعـلـى نـفـسـه أيـضـا. وحc يسود شعار «التعاون مع الطبيعة»B يكون معنى ذلك حرص اإلنـسـان على عدم اإلخالل بالتوازن الطبيعي والبيئيB وتصرفه بحكـمـة ورشـد فـي مواردهB وخاصة تلك التي تستهلك مرة واحدة وال تتجدد. وهذا يقتضي من اإلنسان احلديث مراجعة شاملة ألهدافه في احلياةB يحدد فيها نوع الغايات
التي ينبغي أن يسعى إليها ويضع على أساسها خطط ا9ستقبل. والشك أن من هذه الغاياتB تغليب الكيف على الكمB {عنى أن يحرص اإلنسان على «نوع» أرفع من احلياةB بدال من حرصه احلالـي عـلـى اجلـمـع والتكديس وزيادة «مقدار» ما qلك من أدوات االستهالك. وفي استطاعـة اإلنسانB إذا فكر في األمر بتعمقB أن يهتدي إلى وسائل تـعـيـنـه عـلـى رفـع ا9ستوى «الكيفي» حلياته دون حاجة إلى تبديد أو تبذير 9وارد الطبيعة. بل انه سيدرك حينئذ أن جريه احلالي وراء «الكم» ورغبته العارمة في «االقتناء» تؤديB في كثير مـن األحـيـانB إلـى أن تـزيـد حـيـاتـه خـواء وفـراغـاB وتـهـبـط
{ستواها «النوعي». ومن الغايات األخرى التي ينبغي أن يستهدفها اإلنسانB في تخطـيـطـه للمستقبلB رعاية مصالح األجيال التي سوف ترثه على هـذه األرضB وهـو أمر ال يستطيع اإلنسان احلالي أن يدعى انه يشغل أقل قدر من اهتمامه. ولقد أشار بعض ا9فكرينB في هذا الصددB إلى مثال بسيط ومألوفB هو «السيارة اخلاصة». ففي العالم ا9تقدم صناعياB وفي كثير من الدول الغنية Bوعند قطاعات غير قليلة من سكان الدول الفقيرة Bغير ا9تقدمة صناعيا تسود اآلن فكرة استخدام «السيارة اخلاصة» وسيلة للتنقل. ولكنB هل فكر أحد في كمية ا9وارد التي تتبدد في هذه الوسيلة? هل فكر أحد في كميـة احلديد والصلب والبترول وعدد غير قليل من ا9وارد األخرى التي تستهلكها سيارة خاصة واحدة يستخدمها شخص واحد أو أسرة صغيرة لكي تـلـقـى
189
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
Bبعد سنوات قليلة وسط أكوام من احلطام? وهل يحتـمـل عـالـم ا9ـسـتـقـبـل الذي سيتضاعف عدد سكانه عدة مراتB مثـل هـذا الـتـرفB وهـل سـتـظـل موارده قادرة على تلبية هذه الرغبة االستهالكية ا9كلفة? وكم ستكون نسبة القادرين على استخدامهاB بالقياس إلى اجملموع الكلي للسكانB وهل qكن أن يستمر العالم يسير على أساس هذا التفاوت الصارخ بc أفراد البشر? وماذا سيتبقى لألجيال التي ستعيش من بعدنا إذا أصر الناس على تبديد مواردهم في هذه الكتل الضخمة من احلديد والبترول وا9طاط ا9تحرك? لهذه األسباب كلها أكد بعض ا9فكرين أن «عصر السيارة اخلاصة» يجب أن ينتهيB إذا أراد اإلنسان أن يكون رشيدا في تعامله مع الطبيعة. وما هذا إال مثل من أمثلة التغيير الذي يجب أن ندخله على عاداتنـا االسـتـهـالكـيـة إذا
أردنا أن نترك لألجيال القادمة عا9ا qكنها أن تعيش فيه. وأيا كان األمرB فمن ا9ؤكد أن في العالم اآلن اجتاهات كثيرة حتتاج إلى تغيير أو مراجعة جذرية. و9ا كانت كثـيـر مـن الـعـادات االسـتـهـالكـيـة الـتـي ينبغي تغييرها مرتبطة برغبات يصعب على اإلنسانB بعد اعتياده عليهاB أن يتخلص منهاB فان األمر سيحتاج إلى مراجعة كاملة لنظم التعليم والتوجيه في اجملتمع البشرىB ور{ا احتاج-كما يؤكد الكثيرون-إلى التفكير جديا في إقامة نوع من احلكومة العا9ية التي تشرف على شئون العالم وفي ذهـنـهـا مصالح اجلميعB ال مصالح فئات أو دول معينة فحسب. وبغير هذا قد يكون
حتقيق هدف «التعاون مع الطبيعة» أمرا عسير ا9نال.
مشكلة الوراثة والتحكم في صفات اإلنسان: على الرغم من أن التقدم في الفيزياء والكيمياءB وفي األبحاث التطبيقية التي جنمت عنهاB يبدو أنه أبرز السمات للعلم ا9عاصرB ألنه قد أدى بالفعل إلى تغير وجه احلياة على هذه األرضB فان كثيرا من الـعـلـمـاء يـؤكـدون أن اخطر التطورات في عصرنا احلاضر هي تلك التي حتدث في علم يتقدم بال ضجيج أو دعاية أو أخبار تنشر على الصفحات األولـى لـلـجـرائـدB هـو علم احلياة (البيولوجيا). ويؤكد هؤالء العلماء أنه إذا كان عصرنا هذا قـد شهد تغيرات حاسمة في احلياة بفضل الفيزياء والكيمياءB فقد بدأت تظهر فيه بوادر تدل على أن العلم الذي سيحدث تغييرات جذرية في العالم خالل
190
التفكير العلمي
القرن ا9قبلB ور{ا قبل ذلكB هو علم احلياة. Bقد أحرزت Bالتي ترتبط ارتباطا أساسيا بعلم احلياة Bإن العلوم الطبية Bتقدما هائال منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشـر Bكما هو معروف وأدى هذا التقدم إلى زيادة كبيرة في متوسط عمر اإلنسانB على مسـتـوى العالم كلهB وفي الدول ا9تقدمة بوجه خاصB كما أدى إلى انخفـاض هـائـل في نسبة الوفيات بc ا9واليد. وهكذا ازدادت فرص احلياة أمام اإلنـسـان على طرفي العمرB أي في أوله وفي آخره. ومن ا9ؤكد أن هذا التـقـدم قـد واجه اإلنسان {شكالت كبرىB إذ أن زيادة متوسط العمر قد أبرزت بصورة حادة مشكلة الشيخوخة وموقف اجملتمع منهاB حيـث يـعـجـز هـذا اجملـتـمـع حتى اآلن عن إيجاد حل حاسم لهذه ا9شكلةB وال سيما في الدول ا9تقدمة. ففي هذه الدول يزداد بصورة مطردة عدد ا9سنc الذين يظلون طويال على قيد احلياةB وفيها أيضا يعجز نظام األسرة عن استيعاب هؤالء ا9سنBc إذ أن األبناءB الذين يعيشون في مجتمع تسوده االعتبارات العلمية ويبحث كل فرد فيه عن مصلحته اخلاصةB يضيقون ذرعا بـوالـديـهـمB وال يـجـد هـؤالء مفرا من االلتجاء إلى حلول لم يثبت جناحها حتى اآلنB كبيوت الكبار مثال. كذلك فان االنخفاض الكبير في نسبة الوفيـات بـc ا9ـوالـيـد قـد أدى إلـى تضاعف نسبة الزيادة السكانية في العالمB وخاصة في الدول الفقيرة التي Bكان ارتفاع نسبة الوفيات فيها من قبل يحدث توازنا مع زيادة النسل. ولكن بالرغم عن هذه ا9شكالتB فمن ا9ؤكد أن التقدم في العلوم الطبية كان من أعظم اإلجنازات اإلنسانية التي حققها العلم احلديث خالل القرن ا9اضي. ومن ناحية أخرى فقد كانت العلوم البيولوجية أحد األسس الهامة التي
ني عليها اختراع العقول اإللكترونية. فالسيبرنطيقاB كما ذكرنا من قـبـلBُب كانت منذ بدايتها تطبيقا للمبادu البيولوجية ولألسس التي يعمل بها اجلهاز العصبي على اآلالت. و9ا كانت الثورة اإللكـتـرونـيـة هـي إحـدى الـدعـامـات الرئيسية التي يرتكز عليها عصرنا احلاضرB ففي وسعنا أن جند في هذا مثاال إلجناز آخر ضخم حققته العلوم البيولوجية في النـصـف الـثـانـي مـن
القرن العشرين. ولكنB بالرغم من أهمية كل هذه اإلجنازاتB فليسـت هـي مـا قـصـدنـاه Bفي نظر الكثيريـن Bقلنا أن االنقالب الذي حدث في علم احلياة يعد cح
191
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
أهم من أي حدث علمي آخر عرفه اإلنسان في هذا القرنB وأنه يحمل في طياته بذور تغيرات مذهلة بالنسبة إلى ا9ستقبل. وإnا الذي نعنيه هو تلك Bالكشوف التي 3ـت فـي الـسـنـوات األخـيـرة فـي مـيـدان الـوراثـة الـبـشـريـة واحملاوالت التي ال يكف علماء البيولوجيا عن بذلها من أجل الكـشـف عـن
أسرار ا9خ البشرى. فمنذ عدد قليل من السـنـواتB تـوصـل عـلـمـاء الـبـيـولـوجـيـا إلـى كـشـف خصائص اخلاليا الوراثية «اجلينات» ومعرفة تركيبها الكيميائيB واهتدوا إلى أول اخليط الذي يؤدى إلى كشف شفرة الوراثة. وعلـى الـرغـم مـن أن هذا الكشف لم يعرفB خارج نطاق الدوائر العلـمـيـة ا9ـتـخـصـصـةB إال فـي نطاق ضيق في بداية األمرB فقد كان من السهل إدراك النتائج الهائلة التي Bا جعل الكثيرين يعدونه نقطة بداية لعصر جديد Bكن أن يسفر عنهاq قد ال تتضح معا9ه كلها في الوقت الراهنB ولكن من ا9ؤكد أنها ستظهر في
وقت ليس بالبعيد. ذلك الن معنى هذا الكشف هو أن العلم بدأ يسير في الطـريـق ا9ـؤدي إلى معرفة العوامل الوراثية بدقةB ومن ثم معرفة سر من أهم أسرار احلياة. ولو سار العلم في هذا الطريق شوطا بعيداB الستطاع أن يتحكم بـطـريـقـة Bبحيث يغير من خصائص اجلينات تغييرا متعمدا Bإرادية في الوراثة البشرية فتكون النتيجة تغيير صفات ا9واليد اجلدد. وعلى حc أن اإلنسان قد ظل حتى اآلن يقبل خصائص األجيال اجلديدة من ذريته على ما هي عليهB فان التطور البيولوجي الذي نتحدث عنه قد وضع العلم في أول الطريق ا9ؤدي إلى توسيع نطاق سيطرة اإلنسان بحيث 3تد إلى إدخال تغييرات أساسية على مواليده اجلدد. وكما أن الـصـنـاعـة قـد مـدت سـلـطـان اإلنـسـان عـلـى إنتاجه االقتصادي بحيث لم يـعـد مـقـتـصـرا عـلـى مـا جتـود بـه األرض فـي
ر مواد الطبيعة ويشكلها وفقا إلرادتـهBّالزراعةB بل أصبح االقتصادي يحـو كذلك يبدو أن العلم قد أمسك اآلن بأول اخليط ا9ؤدي الذي أحداث تغير اثل في الكائنات البشرية التي تتألف منها أجياله اجلديدةB بحيث تصبح عالقة العصور التي سيتحقق فيها هذا اإلجناز الضخم بالعصور السابقـة
أشبه بعالقة العصر الصناعي بعصور الزراعة والرعي وااللتقاط. كذلك تؤدى األبحاث التي جترى في ميدان دراسة ا9خ الـبـشـرى الـذي
192
التفكير العلمي
نتائج اثلة. ذلك ألن هذا العضو شديد التعقيد ظل غامضا حـتـى عـهـد قريبB ولم تكن معلوماتنا عنه 3ثل إال قدرا ضئيال جدا ا ينبـغـي عـلـى االقتصادي معرفته عن أهم أجزاء جسمه جميعا. ولكن ا9عرفة العلمية في هذا اجملال تضاعفت الذي حد هائل في السنوات األخيرةB وبـدأ الـعـلـمـاء يقتربون من اليوم اإلنسان يستطيعون فيه أن يعرفوا آلية العمليات التي تتم في ا9خB ونوع التغيرات الفيزيائية والكيميائية التي حتدث فيه عندما يؤدى وظائفه اخملتلفةB وطبيعة مراكز القدرات الذهنية اخملتلفة وكيفية التحكـم فيهاB الذي آخر هذه األسرار التي ظلت مستغلقة على الـبـشـر حـتـى وقـت قريب. ومن ا9ؤكد أن التقدم في علم السيبرنطيقا واخلـاليـا اإللـكـتـرونـيـة كان له دور كبير في هذا الصددB أي أن العلمB مثلمـا اسـتـعـان {ـعـلـومـاتـه ا9توافرة عن اجلهاز العصـبـي الـبـشـري-وضـمـنـه ا9ـخ-فـي اسـتـحـداث عـلـم السيبرنطيقاB قد استعان بهذا العلم بدورهB بعد تطويرهB لكي يلقى مزيـدا من الضوء على طبيعة العمليـات الـتـي حتـدث عـنـدمـا يـؤدى ا9ـخ الـبـشـرى وظائفه العصبية والنفسية والعقلية. ونتيجة هذه الكشوف ستكـون فـائـقـة Bأن يتحكم في تركيب ا9خ البشـرى Bيوما ما Bإذ أنها ستتيح للعلم Bاألهمية
ويزيد أو ينقص قدرات معينة فيه الذي حد لم تعرفه البشرية من قبل. على أن ا9رءB بقـدر مـا يـغـتـبـط لـقـدرة الـعـلـم عـلـى االمـتـداد بـسـيـطـرة االقتصادي بحيث تسرى حتى على طبيعته الداخلية اخلاصةB بعد أن قطع شوطا بعيدا في السيطرة على الطبيعة اخلارجيـةB ال qـلـك إال أن يـشـعـر باجلزع من جراء االحتماالت اخمليفة التي تثيرها هذه الكشـوفB وخـاصـة إذا تصورنا أن هذه االحتماالت قد حتققت في إطار التنظيـمـات احلـالـيـة للمجتمعات البشرية. ففي يد من سيترك هذا التحكم في حياة االقتصادي وفى خصائصه الوراثية? وما إنتاجه األهداف التي يـنـبـغـي أن تـراعـى فـي إدخال هذه التعديالت اخلطيرةB ومن الذي سيحدد هذه األهداف? بل أن السؤال اإلنسان يسبق هذه األسئلة هو: هل يجوز التفكير أصال في تعديل قدرات االقتصاديB والى أي مدى يعد مثل هـذا الـتـدخـل أمـرا مـشـروعـا? وهل يكون من حقنا أن نتخذ من اإلنسانB وهو أرفع الكائنات مكانةB موضوعا
للتجاربB وللتشكيل ا9تعمد في اخملتبرات? أن اخليال العلمي كانB منـذ وقـت بـعـيـدB يـجـزع اشـد اجلـزع 9ـثـل هـذا
193
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
التالعب في الطبيعة البشريةB ويصوره بصورة شديدة التشـاؤم فـي قـصـة مثل قصة «فرانكشتc» ذلك الكائن اخمليف الناجت عن تالعب العلم في ا9خ البشرى. ومن النادر أن جندB منذ ذلك احلBc قصة تصور نتـيـجـة تـدخـل العلم في قدرات اإلنسان الطبيعية بصورة تبعث على التفاؤل واألمل. والواقع أن هذا التشاؤم له ما يبرره: إذ أننا لو تخيلنا أن العلم قد اكتسـب قـدرات كهذه في ظل األوضاع االجتماعية والسياسيـة احلـالـيـةB فـان االحـتـمـاالت
تكون مخيفة حقا. فمن ا9مكن أن تستغل الدول ذات األنظمة العدوانية كشفا علميا كهذا لكي تزيد من قسوة مواطنيها أو من قدراتهـم عـلـى سـحـق خـصـومـهـم بـال
رك لسياسيc من النوع الـذيُرحمة. ومن ا9ؤكد أن مثل هذا الكشف لـو ت اتخذ قرار استخدام القنبلة الذرية في هيروشيماB الستغلوه أبشع استغالل. كذلك لو تخيلنا أن هذه القدرة الفائقة للعلم على تشكيل صفات البشر قد وضعت في يد مجتمع يـحـكـمـه أصـحـاب األطـمـاع االقـتـصـاديـة وا9ـصـالـح التجاريةB لكان من اجلائز أن يستغلوها في تكوين أجيال بشرية حتمل بال شكوىB وبال كللB في مصانعهمB أو تستهلك منتجاتهم طائعةB ور{ا تعمدوا
أن تكون هذه األجيال في معظمهاn Bطية ال تنوع فيها. وهكذا فان هذه القدرة الهائلة على التحكم في طبيعة اإلنسان ينبغي أن تقترن بها قدرة اثلة على التحكم في التنظيمات االجتماعية الـبـشـريـة. ومن ا9ؤكد أننا في حاجة إلى نوع جديد من السلطةB ومفهوم جديد للعالقات بc البشرB حتى qكننا أن نأمن عدم استغالل هذه الكشوف ضد مصلحة اإلنسان. وإذا كنا حتى اآلن نعد هذه االحتماالت بعيدةB فان العلماء يقولون Bإذ أن العلم قد اجتاز بالفـعـل بـدايـة الـطـريـق الـذي سـيـؤدى بـه Bغير ذلك
عاجال أو آجالB إلى جعل هذه االحتماالت حقيقة واقعة. ومع ذلك فان احتمال توصل اإلنسان إلى نوع من التنظيم االجتـمـاعـي الذي يجعله أهال 9واجهة عصر التحكم في القدرات البشريـة هـذاB يـبـدو أضعف من احتمال وصول العلم إلى هذا العصر ذاته. وتلك ظاهـرة تـبـدو محيرة بحقB إذ أن تغيير التنظيمات االجتماعية والسياسية أمر يدخل في Bوال يتضمن عناصر خفية أو مجهولة أو مستحيلة التحقيـق Bنطاق قدرتنا على حc أن الوصول بالكشف العلمي إلى غايته ينطوي على قدر كبير من
194
التفكير العلمي
الصعوبةB ويدخل جزء كبير منه في باب اجملهول الـذي لـم تـتـحـدد مـعـا9ـه بعد. ولكن طغيان ا9صالح وسيطرة األنانية يجعل التغيير الواقع في نطاق
سيطرتنا أصعب وأبعد مناال من ذلك الذي يخرج عن هذا النطاق. وعلى أية حال فان ا9ستقبل يحمل في طياته مفاجآت كثـيـرة فـي هـذا ا9يدانB ال تقل عن تلك التي حملها إلينا العلمB في ميدان الفـضـاءB خـالل األعوام العشرين ا9اضية. وا9أمول أن يثبت العقل البشرى أنه قد بلغ مـن
م بهـا فـيّالنضج ما يسمح له بالتحكم في ذاته بـنـفـس الـكـفـاءة الـتـي حتـك العالم احمليط به.
مشكلة التسلح: هي بغير شك أخطر ا9شكالت التي يواجهنا بها العلم ا9ـعـاصـرB وهـى التي يتوقف عليها حل كثير من ا9شكالت التي عرضناها مـن قـبـلB إن لـم يكن جميعهاB وهي تتميز بطابع فريد عن غيرها من ا9شكالت التي تواجهها اإلنسانية: إذ أنها «مصيرية» بكل ما حتمله هذه الكلمة من معنىB ألن مـن Bحقيقة ال مجازا Bطبيعة األسلحة ا9عاصرة أنها قادرة على إفناء العالم كله
في حلظات. ولقد كان الوضع الطبيعيB وا9عقـولB هـو أن يـرتـبـط الـعـلـم بـالـسـلـم ال باحلربB إذ أن العلم نتاج العقلB والعقل ال يعتـرف بـلـغـة الـعـنـف فـي فـض
م ا9نطق السليم في أي خالف. وكـان هـذا بـالـفـعـل مـاّا9نازعاتB بـل يـحـك تصوره ا9فكرون الفالسفة في عصر التفاؤل واالستنارة الفكرية في القرن الثامن عشرB حc أكد الـعـقـلB مـن خـالل الـعـلـمB انـتـصـاره عـلـى اخلـرافـة والتـعـصـب وضـيـق األفـق. فـقـد كـان احلـلـم الـذي يـراودهـم-وعـلـى رأسـهـم الفيلسوف األ9اني الكبير إqانويل كانت-هو أن يؤدى انتشار العلم إلى إقرار «سالم دائم»B وذلك على أساس أن ا9عقولية التي يشيـعـهـا الـعـلـم ال بـد أن تؤدى باإلنسان إلى نبذ احلرب من حيث هي وسيلة لفض النزاعاتB واالحتكام
إلى العقل القادر على إيجاد وسيلة سلمية حلل كل خالف. ولكن هؤالء الفالسفة كانواB بغير شكB متفـائـلـc إلـى حـد الـسـذاجـة. ومن ا9مكن التفكير في أسباب كثيـرة ر{ـا كـانـت هـي الـتـي أدت بـهـم إلـى الوقوع في هذا اخلطأ: فر{ا كانوا مخطئc حc تصوروا أن العـقـلB فـي
195
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
حالة العلمB هو وحده يتحكم فيما ينتجهB وجتاهلوا بذلك عنصر ا9ـصـالـح واألحقاد واألطماعB وتدخل احلكام-من غير العلماء-في احتمال استـخـدام العقل من أجل نشر اجلنونB واستغالل العلم-وهو أعظم أداة في يد العقل إلعالء احلياة-مـن أجـل اخلـراب وا9ـوتB إذ كـان هـذا االحـتـمـال هـو الـذي
حتقق بالفعل طوال اجلزء األكبر من تاريخ البشرية. فقد ارتبط العلم باحلرب منذ اقدم العصور: إذ كانت عبقرية العـلـمـاء تستخدم في زيادة قدرة اإلنسان على القتال والقضاء على اخلصومB بقدر ما كانت تستخدم في فهم قوانc الطبيعة. ومنذ عهـد «أرشـمـيـدس» جنـد العلم يتجه إلى خدمة األغراض الـعـسـكـريـةB بـل يـبـدو أن اسـتـخـدامـه فـي احلرب كان يفوق في أهميتهB في كثير من األحيانB استخدامه في السلم. فمن ا9عروفB على سبيل ا9ثالB أن عا9ا كبيرا مثل «جاليليو» قد نال رضاء احلاكم عنهB ال ألنه اكتشف قانون القصور الذاتي أو قانون سقوط األجسام أو صحح معلوماتنا الفلكيةB بل ألنه أقنعه بأن كشوفه في ا9يكانيكـا وعـلـم ا9قذوفات قادرة على حتسc األسلحة وزيادة دقة تصويبها إلى حد بعيد. ويكاد يكون من ا9ؤكد أن أبحاثه في ميدان األسلحـة هـي الـتـي أتـاحـت لـه فرصة القيام بأبحاثه األخرىB األهم بكثيرB في ميدان الطبـيـعـة والـفـلـك. وقد حدث ذلك من قبل لعبقري النهضة اإليطاليةB ليوناردو دافنشيB ولعدد
كبير من العلماء فيما بعد. بل إن كثيرا من الكشوف العلمية السلمية قد ظهرت «في ظل» أبحـاث ذات أهداف حربيةB ا دفع بالكثيرين إلى القول بأن العبقريـة الـبـشـريـة تتجلى في ا9يادين العسكرية أكثر ا تتجلى فـي ا9ـيـاديـن الـسـلـمـيـةB وأن اإلنسان أقدر على استخدام العلم من أجل ا9وت منه على استخدامه خلدمة احلياة. ولكن حقيقة األمر باإلنسان أن التطور السريع للبحث العلمي أيام احلرب يرجع إلى عوامل من بينها اإلحساس وتركيزه لقواه البشرية وموارده ا9ادية في سبيل إيجاد حل سريع للمشكالت التي تعترض جهده احلربـي-
وكل هذه عوامل ال وجود لها في فترات السلم. على أنهB مهما كانت طبيعة العالقة بc الكشوف السلـمـيـة والـكـشـوف احلربية في القرون ا9اضيةB فان تطورا هاما وحاسما قد طرأ عـلـى هـذه العالقة في القرن العشرينB الذي بدأه اإلنسان وما زال للخيل والفـرسـان
196
التفكير العلمي
دور في حروبهB وانتهى به األمرB في عصرنـا احلـاضـرB إلـى حـرب األزرار اإللكترونية والصواريخ العابرة للقارات وأشعة الليـزر والـقـذائـف الـنـوويـة. ففي القرن العشرين قفزت أداة احلرب ووسائل القتل والدمارB قفزة هائلة إلى األمامB وبقدر ما جنح العلم في إطالة عمر اإلنسانB عن طريق كشوفه الطبية والبيولوجيةB وفي حتقيق الرخاء والرفاه حلياتهB عن طريق اخملترعات التكنولوجيةB جنح أيضا (أن كان اسم «النجاح» يصلح لالنطباق علـى هـذه احلالة) في اختراع أفتك وأشـرس أدوات الـقـتـل اجلـمـاعـي ونـشـر الـبـؤس
والتعاسة بc البشر. ولقد كان االرتباط بc العلم وبc تطوير األسلحةB من الوثوق إلى حد أن أطلق البعض على احلرب العا9ية األولى اسم حرب الكيمائيc (إشـارة إلى دور الكيمياء في صناعة ا9تفجرات وتطوير الوقود ثم الغازات السامة في هذه احلرب) وعلى احلرب العا9ية الثانية اسم حرب الفيزيائيc (إشارة إلى دور الفيزياء في صنع القنبلة الذرية والرادار وغيرهـمـا). أمـا احلـرب Bالثالثة فستكون-إذا وقعت-حرب علماء الصواريخ والفضاء واإللكترونيـات Bأي أن دور العلماء في هذه احلروب يفوق في أهميته دور اجليوش احملاربة
بل اصبح العلم متغلغال في عمل اجلندي احملارب ذاته. وليس من السهل أن يحدد ا9رء النقطة التـي بـدأ عـنـدهـا الـتـحـول مـن Bأن احلرب العا9ية الثانية Bأسلحة الدمار احملدود إلى أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت في جميع جبهاتها (باستثنـاء ا9ـرحـلـة األخـيـرة مـن جـبـهـة الـشـرق األقـصـى) أسـلـحـة تـقـلـيـديـةB أدت إلـى قـتـل عـشـرات ا9ـاليـc مـن العسكريc وا9دنيBc منهم ثالثون مليـونـا مـن االحتـاد الـسـوفـيـتـي وحـده. ولكن من ا9ؤكد أن اختراع القنبلة الذرية واستخدامها في هيـروشـيـمـا ثـم
q Bثل نقطة حتول حاسمة في تاريخ التسلـح١٩٤٥جنازاكيB في أغسطس ا9رتكز على كشوف علمية.
ولقد كانت دوافع العلماء الذين بدؤوا هذا ا9شروع إنسانية خالصةB إذ كان الهدف األصلي للمشتغلc في هذا ا9ـشـروعB كـمـا ذكـرنـا فـي الـفـصـل السابقB هو احليلولة دون قيام هتلر بفرض مبادئه اإلرهابيـة والـعـنـصـريـة على العالم عن طريق هذا السالح الرهيب. ولكن الذي حدث بالفعل هو أن هزqة هتلر قد 3ت دون احلـاجـة إلـى اسـتـخـدام هـذا الـسـالحB وقـبـل أن
197
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
يتمكن العلماء األ9ان من تطويره. وإذا كانت اليابان قد ظلـت حتـارب بـعـد أ9انيا فقد كان العالم كله يعرف أن أيامها معدودةB وأنها أخذت تنسحب من موقع تلو اآلخرB لم يكن في إمكانها مواجهة احللفاء الذين تفرغوا لها بعد هزqة حلفائها األ9ان. ومن هنا فقد كان العلماء الذين شاركـوا فـي صـنـع -cالـذريـتـ cفوجئوا بنبأ إلقاء القنبـلـتـ cالقنبلة هم اشد الناس ذهوال ح
ليc واألخيرتc حتى اآلن-على ا9دينتc اليابانيتc. وكان الدمار الذيّاألو أحدثته القنبلتانB وعدد األرواح التي أزهقتB ومعظمها من ا9دنيBc وكذلك عدد ا9صابc بحروق وإشعاعات وتشويهات-كان ذلك كله شيـئـا يـفـوق فـي بشاعته كل ولم يجد هؤالء العلماء مبررا معقوال الستخدام اكتشافهم على cهذا النحو الوحشي. وإذا كان أصحاب القرار السياسي قد أكدوا أن القنبلت أنقذتا أرواح ألوف كثيرة من اجلنود األمريكيc الذين كانوا سيقتلون لو لم تستسلم اليابانB فان تقديرات اخلبراء كانت تـذهـب كـلـهـا إلـى أن الـيـابـان .cوكانت تفاوض سرا لالستسالم قبل إلقاء القنبلت Bكانت في حكم ا9هزومة فما الداعي إذن لكل هذه اآلالم البشرية التي حلقت {دنيc أبرياء? الواقع cقد ذهبوا إلى أن ا9قصود من إلقاء القنبلت cالسياسي cأن عددا من احمللل لم يكن اإلسراع بهزqة اليابانB بل كان قـبـل ذلـك تـأكـيـد سـيـادة الـواليـات ا9تحدة بوصفها الدولة العا9ية الكبرى بعد احلرب العا9ية الثانيةB وإرهاب العالمB وخاصة االحتاد السوفيتي الذي كان قد بدأ يؤلف «معسكرا اشتراكيا» بعد هذه احلربB حتى ال حتاول أية دولةB أو أي نظام مضادB منافسة القوة
العسكرية واالقتصادية الهائلة للواليات ا9تحدة. على أن أمثال هذه ا9برراتB إذا كانت تقنع بعض السـيـاسـيـc ـن ال يفكرون إال من خالل مصاحلهمB ال qكن أن تقنـع عـلـمـاء يـضـعـون نـصـب أعينهمB قبل كل شيءB األهداف اإلنسانية. ومن هنا فقد انـتـابـت الـعـلـمـاء الذين شاركوا في صنع القنبلة الذرية «أزمـة ضـمـيـر» حـادةB وشـعـروا بـأن جهودهم قد أدت إلى إدخال اإلنسانية عصرا جديـداB هـو عـصـر أسـلـحـة Bالنساء واألطفال cوب cاجلنود احملارب cالتي ال تفرق ب B«الدمار الشامل»
التي تهدد احلياة على سطح هذا الكوكب بالفناء التام. ولقد كانت أزمة الضمير هذه هي التي دفعت عددا غير قليل من هؤالء العلماءB ومنهم أينشتc نفسهB إلى أن يكرسوا بقية حياتهم من أجل الدعوة
198
التفكير العلمي
إلى السالم. بل إن منهم من أصبح محاطا بالشبهاتB مثل روبرت أوبنهيمر R.Oppenheimerالذي وصل به الندم حـدا جـعـل سـلـطـات األمـن فـي بـالده
تراقبه عن كثبB ثم تبعده عن مواقع ا9سئولية في عملهB من أن يعمل على تسريب أسرار األسلحة اجلديدة إلى ا9عسكر اآلخر. وكان من هؤالء العلماء فريق قام بالفعل بنقل هذه األسرار إلى الطرف ا9عادى للواليات ا9تحدةB ال من أجل ا9الB بل لدوافع يعتقد أنها إنسانية إذ أن امتـالك طـرفـي الـنـزاع الدولي للقنبلة الذرية هو الكفيل بإيجاد حالة من التوازن qتنع فيها كل من الطرفc عن استخدامها خوفا من اآلخر. ومن ا9ؤكد أن عمل هؤالء العلماء يعدB با9قاييس األخالقية اخلالصةB عمال إنسانيا جليالB ولكنه {قاييـس
القوانc العادية خيانة للوطن. Bطرأ تطور هائل على القوة التدميرية لألسلحة النووية cومنذ ذلك احل حتى أصبحت قنبلتا هيروشيما وجنازاكي أشبه «بلعب األطفال» بالقـيـاس إلى القنابل الهيدروجينية احلالية. كما طورت الصواريخ بحيث تستطيع أن حتمل رءوسا نووية وتصيب أي مكان في العالمB سواء من قواعد ثابـتـة أم من قواعد متحركة (كالغواصات النووية). وكانت هذه التطورات كلها مرتبطة ارتباطا أساسيا بالعلمB إذ أن علماء فترة «احلرب الباردة» لم يكونـوا عـلـى نفس القدر من احلساسية الذي كان عليه رواد القـنـبـلـة الـذريـةB ر{ـا ألن Bهؤالء األخيرين كانوا قد خرجوا لتوهم من أهوال احلرب العا9ية الثانـيـة ور{ا ألن أسلحة الدمار الشامل قد أصبحت بعد ذلك شيئا مألوفاB حتسب cقدرته التدميرية بحسابات رياضية باردة ال تؤخذ فيها آالم اإلنسانية بع
االعتبار. ونتيجة ذلك كله هي أن العالم يعيش اآلن على طرفي «تـوازن الـرعـب» الذي تقوم فيه لدولتان العظميان: أمريكا واالحتاد الـسـوفـيـتـيB بـتـكـديـس كميات من األسلحة تكفى لقتل العالم كله «عدة مرات» (ولست أدرى 9اذا?!). وتقف فيها الصواريخ ذات الرءوس النووية عـلـى أهـبـة االسـتـعـداد فـي انتظار ضغطة زر من رئيس الدولةB وتراقب فيه كل دولة األخرى مـراقـبـة دائمةB في انتظار أية إشارة تنبئ بخروج الصواريخ منهاB لكي تضرب «الضربة االنتقامية» قبل وصول الصواريخ ا9عادية إليها. ولو قدر للبشرية أن تعيش قرنا آخر أو قرنBc فمن ا9ؤكد أنها سوف تسخر ما شاءت لها السخرية من
199
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
Bحالة الرعب ا9تبادل التي يعيش فيها إنسان الـيـوم فـي أرقـى دول الـعـالـم وهى حالة «بدائية» بكل ما حتمله الكلمة من معنىB حتى وان كانت تستخدم
فيها أرقى واحدث تطورات العلم. ولقد حاول البعض أن يخفـفـوا مـن تـأثـيـر االجتـاه إلـى تـسـخـيـر الـعـلـم
إلى أن هذا االجتاهBronowskiBلألغراض العسكريةB فذهب برونوفسكي وأن يكن سبيا بغير شكB يتضاءل إلى جانب اإلجنازات اإليجابية للعلم في cأعنى ميدان احلياة وا9وت. فح Bنفس ا9يدان الذي ننتقد احللم من أجله نتحدث عن األبحاث العلمية التي تسـتـهـدف ا9ـوتB يـنـبـغـي أن نـتـذكـر فـي الوقت نفسه ما صنعه العلم من أجل احلياة: «فعدد األشخاص الذين قتلوا Bفي بريطانيا خالل األعوام الستة للحرب العا9ية الثانية نـتـيـجـة لـلـقـنـابـل
األ9انية كان ستc ألفا. وقد فـقـد هـؤالء٢والقنابل الطائرة وصـواريـخ ف الناسB في ا9توسطB نصف أعمارهم. وبقسمة بسيطة يتضح أن تأثير هذا على سكان بريطانيا البالغ عددهم خمسc مليونا معناه إنـقـاص مـتـوسـط العمر بنسبة تقل عن عشر الواحد في ا9ائة أي أن متوسط عمـر كـل فـرد نقص حوالي أسبوعc. فلنضع هذا فـي جـانـب اخلـسـارة. أمـا فـي جـانـب ا9كسب فنحن نعلم أن متوسط العـمـر قـد زاد فـي إجنـلـتـرا خـالل األعـوام ا9ائة األخيرة {قدار عشرين عاما... أي أن لدينا أسبوعc مقابل عشرين
.(٢)عاما من احلياة» على أن ا9غالطة هنا واضحة: إذ أن األرقام لم تتناول سـوى الـضـحـايـا ا9دنيBc وجتاهلت الضحايا العسكريc في نفس البلدB فضال عن أن ا9قارنة Bخسائر كل احلروب التـي نـشـبـت خـالل مـائـة عـام cكان يجب أن تكون ب والتي جنمت عن التقدم العلمـي والـتـكـنـولـوجـي. ولـكـن األهـم مـن ذلـك أن كوارث البشرية ليست مسألة أرقام وإحصاءاتB بل إن التسلحB سواء استخدم بالفعل أم ظل يهدد «اآلخرين» في كل حلظةB يخلـق دمـارا نـفـسـيـا وخـوفـا مستمرا من الفناءB ويولد انحرافات نفسية وخلقية لم يعرفها العالم إال في
عصرنا هذاB ويبدد موارد اإلنسان وجهده بال طائل. رB الذي يسيطر على عالـم الـيـوم بـفـضـلّلذلك فان هذا اجلـنـون ا9ـدم
التسليحB قد أعطى ألعداء العلم فرصة هائلة 9هـاجـمـتـه: إذ أن الـعـلـم هـو الذي يتيح للدول ا9تقدمة تطوير أسلحتهاB ومن ثم فانهم يسـتـنـتـجـون مـن
200
التفكير العلمي
ذلك أن العلم «هو ا9ذنب». ولكن حقيقة األمـر هـي أن الـعـلـمB إذا كـان هـو أساس األبحاث ا9ؤدية إلى تطوير أسلحة الدمارB فمن ا9ـؤكـد أنـه خـاضـع
م قوى أخرى خارجة عنه: هي القوى التي تخطر له وحتدد اجتاهاتهBّلتحك إن سلما أو حرباB و3ول أبحاثه وتوظف ا9شتغلc فيهB وهـي الـقـوى الـتـي تتخذ القرار وتنفذه بعد أن يتم الكشف. وهذه القوى سـيـاسـيـة فـي احملـل األولB تتحكم في اجتاهاتها األطـمـاع وا9ـصـالـح وال تـصـدر قـراراتـهـا بـعـد استشارة العلماء إال نادرا. وا9ثل الواضح على ذلك هو القنبلتان الذريـتـان األوليان أيضا: فقد كان من رأي العلماء الذين اخترعوها أن جترى جتربة دولية أمام مندوبc من مختلف بـالد الـعـالـم الطـالعـهـم عـلـى مـدى الـقـوة التدميرية للقنبلةB ويطلب إلى اليابان أن تستسلم على هذا األساس. ولكن Bكان له رأي آخر Bوهو الرئيس «ترومان» في ذلك الوقت Bاحلاكم السياسي وحc اتخذ قراره باستخدام القنبلتc ضد أهداف مدنيـة كـان يـسـيـر فـي
اجتاه مضاد 3اما 9ا يريده العلماء. أن العلم ال يحمل في ذاته اجتاهات عدوانيةB وإذا كان يعادي شيئا فهذا الشيء هو اجلهل والشعور بالعجز أمام قوى الطبيعة. ولكن طبيعة البحث العلميB في عصرنا هذاB قد طرأ عليها من التعقيد ما يجعل العالم مضطرا Bإلى اإلذعان لسلطة أقوى منه. فاألجهزة العلمية أصبحت باهظة التكاليف وأدوات البحثB من كتب ومراجعB ال بد أن توفرها الدولةB ومن هنا أصبح العالم مجرد ترس في آلة ضخمة هي الدولةB أو هي الشركة الكبيرة إن كان في بلد يسوده النشاط االقتصادي اخلاص. وهكذا أصـبـحـت االعـتـبـارات السياسية أو االقتصادية هي التي تتحكم في عمله العلميB وهي التي ترسم له اخلطةB وحتدد االجتاهات بحثهB وتتخذ القرار النهائي بشأن التصرف
فيه. ولو نظرنا إلى ا9وضوع من وجهة نظر علمية خالصة لبدا ذلك اجلهد الذي تبذله دول العالم اليوم في ميدان التسلح أمرا متنافيا مع كل األهداف التي يسعى إليها أي عالم يحترم مهنته ويفهم وظيفتها فهما صحيحا. ذلك الن هناك أمواال طائلة تتبدد من أجل إنتـاج أسـلـحـة تـظـل مـخـزونـة بـضـع سنوات ثم يظهر ما هو أحدث منهـاB فـتـهـمـل أو تـبـاع إلـى دول أخـرى أقـل تقدما وأقل ذكاء. وهذه األموال كافية لتحقيق كثير من األحالم التي يتمنى
201
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
العلماء لو كرسوا لها حياتهمB بل إن ا9شروعات التي qكن إجنازهاB فيما لو خصصت هذه األموال الطائلة لألغراض السليمةB كفيلة بتغيير مجرى احلياة على وجه األرضB وبالقضاء عـلـى مـظـاهـر اجلـوع والـفـقـر واجلـهـل Bمن معادن ومصادر للطاقة Bوا9رض. ومثل هذا يقال عن ا9وارد الطبيعية التي تبددها مشروعات التسليحB والتي يحتاج إليها اإلنسان في عا9نا ا9عاصر احتياجا شديدا. ور{ا كان األهم من ذلك أن العمل في ا9يدان العسكـري يستقطبB في البالد الصناعية الكبرىB عددا من أفضل العقول التي كـان
اء بدال منّ اخلدمات لو اجتهت في طريق بنqّكن أن تقدم إلى البشرية أجل أن تخدم أمراض التسلح الهدامة. كل هذا التبديد يحدث من أجل هدف ال جتني منه اإلنسانية سوى اخلسارة. فلو استخدمت األسلحة الهائلة ا9كدسة لكان من ذلك فناء احلياة على سطح هذه األرض في دقائق معدوداتB ولو لم تستخدم وظلت مخزونة لكان معنى ذلك تبديد أفضل ا9وارد والطاقات ا9ادية البشرية-في عالم يعاني من عدد هائل من ا9شاكل-في صنع منتجات
لن يستخدمها أحد. رك األمر للعلماء لكان موقفهمB قطعاB في جانب االستخدامُوإذنB فلو ت
السلمي 9وارد مجتمعاتهم. وال بد أن هناك قوى أخرىB علـى رأسـهـا ذلـك «التحالف الصناعي العسكري»B الذي أشار إليه إيزنهاور نفسه-أعني رئيس أكبر دولة صانعة لألسلحة في العالمB وقائد أكبر جهاز عسكري في احلرب
العا9ية الثانية-وأكد أنه يقف من وراء هذا السباق اجلنوني في التسلح. Bعلى إن هذا ال يعفى العالم من ا9سؤولية. فبقدر ما أصبح عمل العالم في أيامنا هذهB يؤثر على مصير البشرية تأثيرا مباشراB أصبح هذا العالم مطالبا بأن يكون لديه مزيد من الوعي بنتائج عمله. وال شك أن هذا الوعي أمر عسيرB في الوقت الراهن بالذاتB إذ أن العلم يزداد تفرعا وتخصصا على الدوام-بينما الوعي يحتاج إلى نظرة شاملة وافق واسع. أي أن تـطـور العلم نحو التخصص ا9تزايد يسير في اجتاه مضاد لذلك الوعي االجتماعي والسياسي الذي اصبح العالم مطالبا بهB حتى ال يقع فريسة لسوء االستغالل. ولكن عددا غير قليل من أقطاب العلم في عصرنا هذا 3كنوا من اجلـمـع cوالقدرة على تكوين نظرة متـكـامـلـة جتـمـع بـ Bالتفوق في تخصصهم cب حاجات العلم وحاجات اإلنسان في اجملتمع ا9عاصر. وهؤالء األقطاب هم
202
التفكير العلمي
Bمنادية باستخدام ألهداف إنسانية Bالذين ترتفع أصواتهم في كل مناسبة Bلو استخدم من اجل بناء حياة اإلنـسـان ال هـدمـهـا Bومؤكدة أن العلم قادر Bالعديدة من األفواه اجلائعة cويطعم ا9الي Bعلى أن يحيل الصحراء إلى جنة ويخلص ا9رضى من آالمهمB ويكفل للمحرومc إنتاجا سخيا فائضاB ويرعى عقل اإلنسان في كل مكان بثقافة عالية وفن رفيع. وصحيح أن أصـواتـهـم هذه ليست لها الكلمة األخيرةB ولكن كلمتهم مع ذلك مـؤثـرة. ولـو اتـسـعـت قاعدة الوعي بc العلماء ألصبح لديهم من القوة ما qكنهمB على األقلB من
.cموازنة حماقات السياسي ومع ذلك فان للموضوع من اخلطورة ما يتجاوز نطاق اهتمام العلـمـاء. فا9شكلة تتعلق {صير النوع البشري كلهB وهذه مسألة أخطر عن أن تترك في أيدي العلماءB حتى ولو كان وعيهم عميقاB وأخطر بالطبع من أن تترك في أيدي السياسيc أو أصحاب ا9صالح االقتصادية. فعـلـى أي نـحـو إذن ينبغي على البشرية أن تواجه مثل هذه ا9شكلة احلاسمة? هذا ما سنحاول
مناقشته في اجلزء األخير من هذا الفصل.
العلم والقيم اإلنسانية: تشير ا9شكالت السابقة كلهاB بصورة واضحة كل الوضوح إلى حقيقـة أساسية هي أن التقدم العلمي ا9عـاصـر يـسـيـر فـي طـريـق تـفـجـيـر الـنـظـم االجتماعية التي ظل اإلنسان يعيش في ظلها حتى اليوم. فمشكلـة الـغـذاء والسكان ال حتل إال على نطاق عا9ي لم يتوافر اإلطار الالزم له حتى اآلن. ومشكلة البيئة سوف تخرج من أيدينا أن لـم نـواجـهـهـا بـإجـراءات تـتـجـاوز نطاق أية دولة على حدة. ومشكلة ا9وارد الطبيعية تقتضـي مـنـا نـوعـا مـن التفكير في احلاضر وفي ا9ستقبل يخرج عن إطار «األنانية» و «ا9صلحة» و «حب االستهالك» التي تسود اجملتمعات البشرية احلالية. ومشكلة الوراثة والتحكم في اإلنسان تبدو في نظرنا شيئا سخيفا إذا تصورناها في إطار cوأساليب التفكير التي حتكم العالقات ب Bالنظم السائدة اآلن في العالم الدول أو بc فئات اجملتمع الواحد. وأخـيـرا: فـان مـشـكـلـة الـتـسـلـحB وهـي أخطر ا9شكالت جميعاB تضع أمامنا اخليار واضحا: فأما أن nضي قدما في طريق تطوير أسلحة الدمار الشامل في ظل نظـام ا9ـنـافـسـة والـعـداوة
203
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
احلاليB فنقع جميعا في الهاويةB وأما أن نعيد النظرة في أهدافنا ونستغل قدراتنا العلمية ا9تزايدة من أجل حتقيق رخاء لم حتلم به البشرية في أي عصر من عصورهاB وهذا يقتضي تغييرا أساسيا في طبيعة الـنـظـم الـتـي تسود اجملتمع اإلنساني. وباختصار فان التقدم العلمي الذي نشهد بـوادره القوية في هذه األيامB سيضعنا أمام «طريق السالمة» و «طريـق الـنـدامـة» كما يقول التعبير الشعبي البليغ. وليس لنا من خيار سوى السير في الطريق
األولB ألننا لو اخترنا الثاني فلن نكون هناك لكي نندم! ولكنB ما الذي يستطيع العلماء أن يفعلوهB في موقف كهـذاB ومـا الـذي يعجزون عن القيام به? الواقع أن اآلراء تختلف في هذا ا9وضوعB بc أولئك الذين يؤمنون بأن العلم هو الذي يستطيـع أن يـحـل كـافـة ا9ـشـكـالت الـتـي خلقها تقدمه السريعB وأولئك الذين ينادون بـضـرورة االسـتـعـانـة {ـصـادر أخرىB غير العلم لكي نعيد ذلك التوازن الذي أخل به العلم. وكل من هذين الرأيc يستند إلى حجج معقولةB وان كنت أعتقد-كما سأبc فيما بعد-أن
الفرق بينهما ليس كبيرا إلى احلد الذي يبدو عليه للوهلة األولى. أما الرأي األولB الذي يذهب إلى أن العلم هو الكفيل بإصالح ما أفسده التقدم العلمي ذاتهB فيمكن أن يبدو في ظـاهـره مـتـنـاقـضـاB إذ أن الـتـقـدم العلمي إذا كان قد خلق مشكالت معينةB فمن غير ا9عقولB على ما يبدوB أن تعالج هذه ا9شكالت عن طريق العلم نفسهB ألن هذا مجال ال ينفع فيه ا9ثل القائل: «وداوني بالتي كانت هي الداء». ولكن هذا التناقض الظاهري يختفي Bفالعلم ا9تقدم .cبسهولة إذا أدركنا أن معنى العلم ليس واحدا في احلالت الذي خلق مشكالت عديدةB هو العلم الطبيعيB أما العلم الـذي qـكـنـه أن
يحل هذه ا9شكالتB فهو العلم اإلنساني. ولقد الحظ مفكرون أن تقـدم الـعـلـمB فـي اآلونـة األخـيـرةB يـفـتـقـر إلـى التوازنB فهناك ميادين أحرز فيها تقدما هائالB هي الـتـي تـتـعـلـق بـالـعـالـم Bأن هناك ميادين أخرى ال يزال العلم يحبو فـي أولـهـا cعلى ح Bالطبيعي وهي ا9يادين اخلاصة باإلنسان. ومن ا9ستحيل أن يكون هذا التفاوت الشديد في التقدم راجعا إلى مدى أهمية ا9يدان الذي يبحثه العلم بالنسبة إلينـا. ذلك ألن أحدا ال يستطيع أن يزعم أن التنبؤ باليوم والدقيقة والثانية التي سيحدث فيها الكسوف التالي للشمسB أهم في نـظـرنـا مـن االهـتـداء إلـى
204
التفكير العلمي
عالج 9رض السرطانB أو أن إرسال قذيفة إلـى مـكـان مـحـدد عـلـى سـطـح القمر يهمنا أكثر من معاجلة انـحـرافـات الـشـبـابB أو أن كـشـف الـتـركـيـب الداخلي للذرة أهم من االهتداء إلى أساليب حتقق االستقـرار لـالقـتـصـاد القومي. فمن حيث األهمية يبدو لنا أن ا9ـوضـوعـات الـتـي 3ـس اإلنـسـان مباشرة هي األهمB ومع ذلك فان العلم ما زال في هـذه ا9ـوضـوعـات أشـد تخلفا منه في ا9وضوعات األخرى التي قد يكون بعضها متعـلـقـا بـظـواهـر
بعيدة عنا كل البعد. والتعليل الشائع لهذا التقدم غير ا9توازنB مستمد من طبيـعـة ا9ـيـاديـن التي يبحثها العلم: فهناك ميادين أبسط من غـيـرهـاB {ـعـنـى أن األسـبـاب فيها موحدة االجتاهB ال تنطوي على تعقيد أو تعددB وتلك هي الـتـي يـحـرز العلم فيها أعظم قدر من النجاح. أما الظواهر البشرية فان األسباب فيها شديدة التعقيد إلى حد ال يبدو معه أنها تؤدى دائما إلى نفس النتائـجB أو على األصح أن حصر األسباب التي تتحكم في الظاهرة البشرية الواحـدة (كانحراف أحد األحداث مثال) هو من الصعوبة بحيث يصعب إخضاع كل جوانب الظاهرة للتحليل العلمي الدقيقB ويظل فـيـهـا عـلـى الـدوام «جـانـب مجهول» أو «ال qكن التنبؤ به»B ا يجعل العلم عاجزا عـن أن يـحـرز فـي مجال الظواهر البشرية نفس القـدر مـن الـنـجـاح الـذي يـحـرزه فـي مـجـال
الظواهر الطبيعية. ومع اعترافنا بصحة هذا التعليلB فال بد لنا أن نضيف إليه تعليال آخر مستمدا من طبيعة األوضاع السائدة في العالم ا9عاصر. ذلك ألن التـقـدم العلمي يتوقف أيضا على األهداف وا9صالح السياسية واالجتماعية. فإطالق قذيفة بها رواد فضاء إلى القمر والعودة بهم إلى األرض ساBc9 هـو عـلـى األرجح أمر ال يقل تعقيدا عن االهتداء إلى عالج 9رض السـرطـانB ولـكـن العلم ينجح في حتقيق الهدف األول ويتعثر حتى اآلن فـي حتـقـيـق الـهـدف الثاني الن اجملتمع ذاته رسم سياسة معينة ووضع تخطيطا خاصا يؤدى إلى هذا النجاحB وذلك نظرا إلى وجود مصالح استراتيجية أو دعائية يحققها الوصول إلى القمرB على حc أن مرض السرطان ال يحقق نفس األهداف. والشك أن هذا اجلانب ا9تعلق بأهداف اجملتـمـع ومـصـاحلـه qـكـن أن يعلل قدرا كبيرا من انعدام التوازن الذي يتصف به nو العلم في مرحـلـتـه
205
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
احلالية. وهكذا يعلق الكثيرون آماال عريضة على قدرة العلم على اقتـحـام تلك ا9يادين التي ظل حتى اآلن يعاجلها معاجلة هامشيةB ويؤكدون أن العلم لو استطاع حتقيق التوازن ا9فقود ألمكنه حل جميع ا9شكالت ا9ترتبة على تقدمه السريعB بل 9ا عاد هذا التقدم يخلق أية مشكالت للمجتمع اإلنساني. فلنتصور مثال إن طريقة تنظيمنا للمجتمع قد وصلت إلى نفس القدر مـن الدقة الذي وصلت إليه قدرتنا على صنع الـعـقـول اإللـكـتـرونـيـة أو حتـلـيـل جزيئات ا9ادة. عندئذ تختفي ا9شكالت التي أشرنا إليها من قبل تلقائياB إذ أن هذه ا9شكالت لم تتوالد نتيجة حلدوث تطورات سريعة في فهمنا للعالم الطبيعيB على حc أن اجملتـمـعـات الـبـشـريـة ال تـزال تـسـودهـا تـنـظـيـمـات
حل خالفاتـهـا إال عـنُارجتاليةB عشوائيةB يحكمـهـا مـنـطـق ا9ـصـالـحB وال ت طريق استخدام القوة العسكرية الغاشمة أو التهديد بها-أي إننا في مجال التنظيمات نثبت أننا لم نتجاوز مستوى احليـوان كـثـيـراB فـي الـوقـت الـذي يضع فيه العلم الطبيعي في يدنا قوة هائلة ويكـسـبـنـا مـقـدرة فـائـقـة عـلـى
السيطرة على الطبيعة. وهكذا qكن القول أن تفكير اإلنسان في أهدافه العامـة وفـي طـريـقـة تنظيم مجتمعه ما زال qر با9رحلة «قبل العلمية»B ولو بلغ حتكمه في هذا اجملال نفس مستوى حتكمه في الظواهر الطبيعيةB الختفى الـقـدر األكـبـر
من ا9صاعب التي يعاني منها عالم اليوم. على أن أصحاب الرأي اآلخر يرون أن هذا ا9طلب ال qكن أن يتحقـق على يد العلم وحده. فحc نتحدث عن طريقة توجيه حياة اإلنسان وتنظيم مجتمعهB نخوض مجال القيم والغايات اإلنسانيةB وهو مجـال يـهـم الـبـشـر جميعاB ال العلماء وحدهم. وفي مثل هذا اجملـال يـكـون مـن الـصـعـب عـلـى العالم أن يقوم إلينا توجيها كامالB ألن تكوينه يحول بينه وبc التعمـق فـي أمور معنوية شديدة العمومية كتحديد األهداف التي ينبغي أن يستغل العلم من أجلها. ففي عصر التخصـص ا9ـتـزايـدB يـصـعـب أن جنـد الـعـالـم الـذي يستطيع تخصيص الوقت واجلهد الكافي للتفكير في األوضاع اإلنـسـانـيـة ككلB بل إن النظرة ا9باشرة والضيقة تغلب على العلماءB وهو أمر ال يعيبهم ألن طبيعة عملهم تقتضيهB وألنهم بدونه ال يـسـتـطـيـعـونB فـي الـعـصـرB أن
ينجزوا شيئا.
206
التفكير العلمي
وإذنB فتحديد األهداف التي ينبغي أن يخدمها العلم هو أمر أسمى من أن يتـرك لـلـسـيـاسـيـc احملـتـرفـBc وأوسـع وأرحـب مـن أن يـتـرك لـلـعـلـمـاء ا9تخصصBc وإnا الواجب أن يشـارك فـيـه ا9ـفـكـرون واألدبـاء والـفـنـانـون والفالسفةB وكل من يهمه مصير اإلنسانية ويفكر في هذا ا9صير بنـزاهـة
وجترد. وإذا كان البعض يذهبون في تأكيـد هـذا االجتـاه إلـى حـد الـدعـوة إلـى استبعاد العلماء استبعادا تاما من عملية التوجـيـه االجـتـمـاعـي هـذهB عـلـى أساس أن طغيان النزعة العلميةB واإلqان ا9فرط بقدرة العـلـمB هـو واحـد من أهم أسباب ا9شكالت التي يجلبهـا تـطـور الـعـلـم الـسـريـع فـي عـصـرنـا احلاضرB فإنا نرى في هذا موقفا متطرفاB ونؤمن بأن العلماءB إلى جانـب ا9فكرين واألدباء وأنصار اإلنسان بوجه عامB ينبغي أن تكون لهم كلمتهم في هذا اجملال. ذلك ألننا ال نستطيعB بعد أن قطعنا كل هذا الشوط البعيد في طريق التفكير العلميB أن نحدد القيم العليا والغايات األخالقية وا9ستويات التي نريد أن يصل إليها اإلنسانB بطريقة تأملية خالصةB وعن طريق مجرد التفكير فيها. فنحن في هذه األمور ال نحتاج إلى وعظ أخالقـي بـقـدر مـا نحتاج إلى من يبصرنا بحقائق العصرB وال نـسـتـطـيـع أن نـعـتـمـد عـلـى مـن يخاطبنا عن ا9ثل العليا بطريقة مجردة بقدر ما نعتمد على من يحدثنا بلغة دقيقة حتلل الظواهر وتوضح أسبابها. ومن ا9ؤكد أنناB حتى في هذا اجملال ذاتهB ال نستطيع أن نستغني عن تلك األداة الفريدة التي اكتسبها اإلنسـان بعد كفاح طويلB والتي تتيح لنا التفكير في مشاكلنا في إطار ال ينفصل عن الواقع. ومن الصعب إلى حد بعيد أن يقتنع اإلنسانB بعد كل هذا الـشـوط الذي قطعه في طريق العلمB بتعاليم من يريدون العودة به إلى عصر التفكير الذي ال يبنى على حقائق واقعيةB والذي يعتمد على التأمل االجتهادي غير
ا9دروس. ومن حسن احلظ أن عصرنـا هـذا قـد عـرف عـددا ال يـسـتـهـان بـه مـن Bبالرغم من تفوقهم الساحق في ميادين تخصصـهـم Bالعلماء الذين 3كنوا من أن qتدوا بأنظارهم إلى ما وراء ميادين تخصصهم هذهB ويستشرفـوا اآلفاق الواسعة والبعيدة للمجتمع اإلنساني و9ستقبل احلياة على هذه األرض. هؤالء العلمـاء هـم الـذيـن وقـفـوا يـحـذرونB فـي اخلـمـسـيـنـاتB مـن أخـطـار
207
األبعاد اإلجتماعية للعلم ا�عاصر
اإلشعاعات التي جتلبها التجارب الذريةB وهم الذين ناضلوا من أجل حتقيق السالم في فيتنامB وحاربوا الصهيونية والعنصرية بكل أشكالهاB وهم الذين يدافعون عن حق اإلنسان العادي في بيئة نظيفة وحق ا9ولود اجلديـد فـي فرص متكافئة للحياة. بهؤالء العلماء ينبغـي أن تـفـخـر الـبـشـريـةB ال ألنـهـم قدموا إليها الكثير في مجـال كـشـف أسـرار الـطـبـيـعـة فـحـسـبB بـل ألنـهـم استطاعوا برغم جهودهم ا9ضنية هذهB أن qتـدوا بـأبـصـارهـم إلـى أوسـع اآلفاقB وأن يرسموا لنا صورة ا9ستقبل كما ينبغي أن تكون. ولو وصل عا9نا cمع الفالسفة واألدباء والفنان Bإلى ا9رحلة التي يكون فيها لهؤالء العلماء وا9فكرين االجتماعيc واألخالقيBc كلمتهم ا9سمـوعـةB ألمـكـنـه أن يـوازن Bوأن يحقق للبشرية ذلك الرخاء Bتقدمه العلمي وتنظيماته االجتماعية cب وتلك احلياة الفنية-ماديا ومعنويا-التي يستطيع العلم «بقدراته احلالية» أن يحققها لناB لو كان لدينا التنظيم الذي يرقى إلى مستوى هذه القدرات.
208
التفكير العلمي
209
شخصيةالعالم
شخصية العالم
Bالعلم نشاط عقلي يقوم به علماء متخصصون ويـتـخـذ طـابـعـا ال شـخـصـيـا. وا9ـقـصـود بـالـطـابــع الالشخصي أن النتيجة التي يتوصل إليهـا الـعـالـم تصبح على الفور ملكا للبشرية جمعاء. صحيح أن هـذه الـنـتـيـجـة هـي ثـمـرة جـهـود «هــذا الــشــخــص بالذات»B وأن ذكاءه وتعليمه وجهوده اخلـاصـة هـي التي أدت به إلى بلوغـهـا. ولـكـن الـكـشـف الـعـلـمـي Bيفقد صلته باألصـل الـذي أنـتـجـه Bجرد ظهوره} ويتحول إلى «حقيقة» qلكها اجلميع ويعتـرف بـهـا اجلميع. وقد نظل نذكر اسم العالم الذي ¢ عـلـى يديـه هـذا الـكـشـفB ولـكـن هـذا ال يـتـم إال عـنـدمـا نتحدث عن «تاريخ العلم»B وهو شيء ينـفـصـل عـن العلم ذاته. ففي استطاعتنا أن نستخدم هذا الكشف Bالذي توصل إليه دون أن نذكر شيئا عن صـاحـبـه بل إن هذا ما يفعله أغلـب ا9ـشـتـغـلـc بـالـعـلـم إزاء معظـم الـكـشـوف الـتـي يـتـعـامـلـون مـعـهـاB الن اسـم صاحب الكشـف ال يـغـيـرB فـي قـلـيـل أو كـثـيـرB مـن حقيقتهB التي هـي أول وآخـر مـا يـهـتـم بـه الـبـحـث
العلمي. وهـكـذا يـبـدو أن «شـخـصـيـة» الـعـالـم هـي أقـل األشياء أهمية في العلمB وأن البحث العلمي نشاط
7
210
التفكير العلمي
مستمرB يقوم به أناس ينكرون شخصياتهمB وال يحرصون إال على متـابـعـة «السير في الطريق». ومثل هذا الطابع «الالشخصي» للعلم خليق بأن يجعل مشكلة البحث في «شخصية العالم» مشكلة ثانوية ال مبرر لالهتمام بها.
ومن ناحية أخرى فان العلماء فئة شديدة التباين: فاالختالفات بيـنـهـم Bإذ جند منهم من نبغ في مقتبل عمره Bواسعة إلى حد يبعث على الدهشة ومن لم يظهر نبوغه إال في مرحلة الشيخوخة ا9تـأخـرةB وجنـد مـنـهـم مـن Bومن يدافع عن االنبثاق ا9فاجئ لألفكار اجلديدة Bيل إلى البحث ا9تأنيq كما جند بينهم زهادا من ناحية ومستمتعc باحلياة من ناحية أخرى... إلى
غير ذلك من الفوارق التي جندها بc أفراد أية فئة بشرية. cفهل يكون من الصعب أن نتلـمـس صـفـات مـشـتـركـة بـ Bومع هذا كله العلماء نستطيع أن نطلق عليهاB في مجموعهاB تعبير «شخصـيـة الـعـالـم»? يبدوB من استقراء حياة العلماءB وحتليل طبيعة البحث العـلـمـيB أن هـنـاك بالفعل مجموعة من الصفات التي يشترك العلماء في الكثير منهـاB والـتـي
ن في مجموعها كيانا متميزا يستحق أن يطـلـق عـلـيـه اسـم «شـخـصـيـةّتكـو العالم». ولكننا حc نقول ذلك ينبغي أن نبـادر عـلـى الـفـور إلـى االعـتـراف بأمرين: أولهما أن هناك دائما استثنـاءاتB وأن مـن الـسـهـل أن يـجـد ا9ـرء علماء ال تنطبق عليهم صفةB أو مجموعة من الصفات التي نرى أنـهـا هـي ا9ميزة لشخصية العالم-وهذا أمر طبيعيB إذ أننا ال نستطيع أن ندرج أيـة مجموعة من البشر في قوالب متشابهةB فما بالك إذا كانت هذه اجملموعة تتألف من فئة متميزة عقليا عن بقية الفئات? وثانيهما أن وجود هذه الصفات
ن «احلد األدنى» الذيّال يجعل ا9رء عا9ا «بطريقة آلية». فهذه الصفات تكو لوحظ انه موجود في عدد كبير من العلماء. ولكن لكي يكون ا9رء عا9ا بحق فال بد من أن يتوافر له ما هو أكثر بكثير من هذا احلد األدنى: أعنى ال بد أن يكون له تكوين من نوع معBc وتفكير خاصB ومعـارف وقـدرات خـاصـة على البحث. وهذه كلـهـا أمـور تـتـجـاوز نـطـاق أي بـحـث يـقـوم بـه ا9ـرء عـن «التفكير العلمي» بوجه عامB ألنها تنقلنا إلى مـيـاديـن الـتـخـصـص الـعـلـمـي
ذاتها. في هذا اإلطار العام الذي نعتقد أن من ا9مكن الكالم فيه عن شخصية العالمB سوف نتحدث عن مجموعة من العناصر التي نعتقد أنـهـا مـن أهـم
211
شخصيةالعالم
مكونات هذه الشخصيةB وأن لم يكن من الضروري أن تتجمع كلها فـي كـل عالم على حدة.
العناصر األخالقية في شخصية العالم ليس ا9قصود من األخالقB في هذا اجلزء من بحثناB هو تلك األخالق الشخصية التي تتعلق بطريقة سلـوك الـعـالـم مـن حـيـث هـو إنـسـانB وإnـا ا9قصود هو األخالق ا9تصلة بعمله العلميB سواء بطريق مباشر أم بطريق غير مباشر. فنحن ال يعنينا أن نبحث في الطريقة التـي يـديـر بـهـا الـعـالـم Bألن هذه الشئون ملكه هو من حيث هو فرد Bاخلاصة Bشئون حياته اليومية Bولكن إذا انعكست طريقة سلوكه في حياته اخلاصة هذه على عمله العلمي حتى ولو كان ذلك على نحو غير مباشر إلى أبعد حدB فعنـدئـذ يـنـبـغـي أن نعمل لها حسابا. وهذه التفرقة بc ا9سلك الشخصي وا9سلك الذي qس العلم تفرقة هامةB الن الكثيرين ينسون أن العالم إنسان له كل ما للبشر من جوانب الضعف واالنفعاالتB ور{ا النزواتB وقد يكون في حياته اخلاصة بعيدا كل البعد عن الصورة التي يكونها عنه الناس باعتباره عا9اB إذ يتصور الناس عادة أنه ال بد أن يسلك في أموره اليوميةB أي أن يأكل ويشرب وينام ويحبB بوصفه «عا9ا»B ويتخيلون أن مهنته ال بد أن تنعكس على أدق تفاصيل حيـاتـه. وهـذا تـصـور واهـمB ر{ـا أذكـتـه فـي نـفـوس الـنـاس بـعـض األقـالم السينمائية أو األعمال األدبية التي 3يـل إلـى أن جتـعـل لـلـنـاس شـخـصـيـة nطية واحدةB تسرى على جميع جوانب حياتهم. ولكن الواقـعB فـي أغـلـب
ب هذا التصورB إذ أننا نادرا مـا جنـد الـعـالـم الـذي qـر فـيّاألحيانB يـكـذ جميع جوانب حياته باعتباره عا9اB وغالبا ما جنده يسلك في أمور حيـاتـه اليومية كما يسلك سائر الناسB ويتعرض لسائر مظاهر الصواب أو اخلطأ التي يتعرض لها غيره من البشر. غير أن هناك جوانب معينـة مـن حـيـاتـه تؤثرB على نحو قليل أو كثيرB في عمله العلمي وتتأثر بهB وهذه اجلوانب هي
التي تعنينا ها هنا. في هذه الناحية بالذاتB أعنى في مظاهر حياة العالم التي تتصل من قريب أو بعيد بعمله العلميB يشيع تلخيص القيمة األخالقية الـعـلـيـا الـتـي يتميز بها العالم في كلمة واحدةB هي «ا9وضوعية». و من «ا9وضوعية» كلمة
212
التفكير العلمي
شديدة التعقيدB حتتمل جوانب وأوجها متباينةB ومن ا9ستحيل فهمها على حقيقتها إال إذا حللنا معانيها وجوانبها اخملتلفة {زيد من الدقة. ومن هذا التحليل نستطيع أن نلقى ضوءا مفيدا على العناصر األخالقية كما ينبغي أن توجد في شخصية العالمB وكما توجد بـالـفـعـل فـي شـخـصـيـات عـلـمـاء
كثيرين.
- الروح النقدية:١ أول معنى للموضوعية هو أن تكون لدى ا9رء روح نقدية. ومعنى ذلك أال يتأثر با9سلمات ا9وجودة أو الشائعةB وأن ينقد نـفـسـه ويـتـقـبـل الـنـقـد مـن
اآلخرين. أ- فأهم ما qيز العالم قدرته على أن يختبر اآلراء السائدةB سواء على Bبذهن ناقد Bا9ستوى الشعبي العادي أو في األوساط العلمية أو كليهما معا ال ينقاد وراء سلطة القدم أو االنتشار أو الشهرةB وال يقبل إال ما يـبـدو لـه مقنعا على أسس عقلية وعلمية سليمة. وال يعني ذلك أن يقف ا9رء موقف العناد ا9تعمد من كل ما هو شائعB بل يعنى اختبار اآلراء الشائعة وإخضاعها للفحص العقلي الدقيقB ور{ا عاد إلى قبولها آخر األمر بعد أن يكون قد اطمأن إلى أنها اجتازت هذا االختبار. أما لو تبc له ضعف أو تناقض أو تفكك في هذه اآلراءB فانه يتمسك {وقفه اجلديد بكل ما qلك من تصميم
وإصرارB مهما كانت التضحيات التي يعانيها في سبيل هذا ا9وقف. ولو تناولنا بعض األمثلة ا9شهورة في هذا الصددB لوجدنا هذه الصفة مشتركة بينها جميعا. فحc وقف جالـيـلـيـوB وهـو شـيـخ عـجـوز فـي أواخـر مراحل عمرهB أمام محكمة التفتيش فـي رومـا مـدافـعـا عـن رأيـه اجلـديـد- الذي كان امتدادا لرأي كبرنيكـوس-فـي نـظـام الـعـالـم ودوران األرض حـول الشمسB وحc وقف باستير وحده أمام علماء عصره مدافعا عن وجود تلك Bأعني ا9يكروبات Bالكائنات الدقيقة التي تسبب التلوث والتعفن واألمراض وحc وقف فرويد أمام عواصف االستنكار مؤكـدا أن الـدوافـع احلـقـيـقـيـة لسلوك اإلنسان قد تكون بعيدة كل البعد عن الدوافع الظاهرية التي يعلنها Bاإلنسان على ا9أل أو يعلنها اجملتمع من خالل اإلنسان-في كل هذه احلاالت التي يحفل تاريخ العلم بأمثالهاB كان هناك إدراك من جانب العالم حلقيقة
213
شخصيةالعالم
جديدة تتصادم بعنف مع احلقائق الشائعةB وتلقى مقاومـة مـسـتـمـيـتـة مـن Bفي مبدأ األمر على األقل Bوكان العالم يقف وحده Bأوساط قوية ومسيطرة ال qلك ما يدافع به عن نفسه سوى قوة اإلقناع التي تتسـم بـهـا حـقـيـقـتـه Bأن ينتزع االعتـراف بـأفـكـار Bآخر األمر Bومع ذلك فقد استطاع Bاجلديدة ويحول مجرى العلم في اجتاه جديد. وكم من كشف علمي حتقق جملرد أن عا9ا جترأ على أن ينقد ا9سلمات الشائعةB وال ينحني أمام طغيان االنتشار أو جبروت القوى التي تدافع عن هذه ا9سلماتB أو أمـام تـلـك الـقـوة الـتـي
تكتسبها اآلراء السائدة نتيجة اعتياد الناس عليها زمنا طويال. وفي كثير من األحيان كان نقد هـذه ا9ـسـلـمـات يـصـدم الـنـاس صـدمـة عنيفةB ولكن العالم لم يكـن يـأبـه إال لـلـرأي الـذي اقـتـنـع بـه. وهـكـذا رأيـنـا كشوفا عظيمة األهمية تتحققB منذ القرن التاسع عشرB الن عا9ا جتاسر على أال يتقيد با9سلمة القائلة أن اخلطc ا9توازيc ال يلتقيانB وأن مجموع زوايا ا9ثلثB بالتالي ينبغي أن يكون قائمتBc أو ألن عا9ا آخر حتدى النظرة السائدة إلى ا9كان والزمانB والتي جتعل كال منهما حقيقة مطلقةB فتجرأ
بر ا9كـانُعلى الربط بينهما في وحدة واحدة ينـكـمـش فـيـهـا الـزمـان إذا ع بسرعة هائلةB أو ألن عا9ا ثالثا لم يقتنع بأن الضوء ينبغي أن يـكـون «أمـا» جسيمات دقيقةB و «أما» 3وجاتB فجمع بc هذين ا9فهومc اللذين يبدو من ا9ستحيل اجلمع بينهماB وقال بنظرية جسيمية-3وجية فـي آن واحـد. وهكذا أكدت فكرة «حتدى البديهيات وا9سلمات» قيمتها في مجال الـعـلـم إلى احلد الذي شجع الكثيريـن عـلـى نـقـلـهـا إلـى مـجـال الـفـكـر الـفـلـسـفـي واالجتماعي والنفسي والسياسيB وأصبحت هذه الفكرة من أهم السمـات
ا9ميزة لعصرنا احلاضر. ب- على أن العالم مثلما يعيد اختبار األمـور ا9ـسـلـم بـهـا فـي األوسـاط العلمية أو الشعبيةB ويخضعها حملكمـة الـعـقـل وحـدهB ال يـعـفـى نـفـسـه مـن cوفي هذه احلالة يتع Bالنقد. فمن اجلائز أنه هو نفسه قد وقع في خطأ على العالم احلقيقي أن يبادر إلى االعتراف بهذا اخلطأ. وكثيرا ما يـكـون هذا االعتراف أليماB وذلك ألسباب واضحة: فـمـن الـسـهـل أن يـنـقـد ا9ـرء اآلخرينB أما نقده لنفسه فمن أصعب األمور. وال يرجع ذلـك إلـى أسـبـاب نفسيةB أو إلى االعتزاز بالذات فحسبB بل يرجع أيضا إلى صعوبة عملية
214
التفكير العلمي
Bيكون النقد موجها إلى اآلخرين cارسها ا9رء نحو ذاته. فحq النقد التي يكون ذهن الناقـد ذهـنـا جـديـدا «أضـيـف» إلـى ذهـن صـاحـب الـرأي الـذي ينقده. وكل ذهن جديد يستطيع أن يتأمل ا9وضوع من زاوية جديدةB ويرى
رها أو أضفي علـيـهـاّفيه جوانب ر{ا لم يكـن صـاحـب الـرأي األصـلـي قـد األهمية التي تستحقها. أما في حالة «النقد الذاتي» فان الذهن الواحد هو الذي يضع الرأي األصليB وهو نفسـه الـذي يـنـبـغـي أن يـتـأمـل هـذا الـرأي Bاألصلي بنظرة ناقدة. ومثل هذا التأمل النقدي يغدو عسيرا في هذه احلالة واألرجح أن يظل ا9رء متمسكا بنفس وجـهـة الـنـظـر الـقـدqـةB ألن عـاداتـه الفكرية وتكوينه اخلاص يؤديان بهB غالباB إلى نفس النتائج التي انتهى إليها من قبلB والن من الصعب أن ينسلخ ا9رء 3اما عن طريقتـه الـسـابـقـة فـي
النظرB ويتأمل موضوعه بأعc جديدة. وا يزيد من صعوبة هذا النقد الذاتيB أنه كثيرا ما يعنى هدم حصيلة عمل بذل فيه العالم جهدا شاقاB ومراجعة شاملة خلطواتـه الـسـابـقـة مـن جديد. فلو تبc أن هذا الهدم ضروري ألن اآلخرين قد اكتشفوا فـي هـذا العمل نقاط ضعف واضحةB أو نقصا ظاهراB فعندئذ ال يكون أمام العالـم مفر من مراجعة عمله السابق. أما أن يقوم هو ذاته بالنقد الذي يـؤدى بـه إلى تفنيد عمله اخلاص وتبديد الوقت واجلهد الذي بذله فـيـهB فـهـذا-بـال شك-أمر شاق من الوجهة النفسية واألخالقية. ومن ا9ؤكد أن القليلc هم الذين تتوافر لديهم القدرة على مراجعة النفس بأمانةB وإعادة النـظـر فـي أعمالهم السابقة بحيث يستغنون عنها استغناء تاما إذا اقـتـنـعـوا بـأن ذلـك ضروري. فهذه ا9راجعة حتتاج إلى مستوى أخالقي رفيعB والى إنكار للذات ال يقدر عليه معظم الناسB الذين ال يقبلون بسهولة أن يقتطعوا من حياتهم ومن ثمار جهدهم ويتنكرون لهاB {حض إرادتـهـمB وكـأنـهـا لـم تـكـن. ولـكـن هؤالء القليلc الذين يصلون إلى هذا ا9ستوى الـرفـيـعB هـم الـذيـن يـنـهـض Bالعلم على أيديهم. وفي معظم األحيان تـثـبـت األيـام أن جـهـدهـم الـسـابـق الذي تنازلوا عنهB لم يضع هباءB وان عملية الـنـقـد الـذاتـي هـذه قـد تـكـون نقطة البداية في كشف علمي أهم بكـثـيـر مـن ذلـك الـذي كـانـوا يـعـتـزمـون
الوصول إليه من قبل. ولسنا نود أن نترك موضوع النقد الذاتي قبل أن نشير إلـى اسـتـخـدام
215
شخصيةالعالم
شائع لهذا التعبير في أيامنا هذهB وهو استخدام سياسي في احملل األول. Bفي اجملال السياسي Bوا9فروض فيه أن يعيد ا9رء النظر في مواقف سابقة له وينقدها نقدا موضوعيا. ولكن ظروف العالم الـذي نـعـيـش فـيـهB وطـبـيـعـة الصراع بc األفكار في هذا العصرB تؤدي في كثير من األحيان إلى ابتذال Bمعنى النقد الذاتي- إذ أنه كثيرا ما يصبح تعبـيـرا عـن انـتـهـازيـة رخـيـصـة يحاول فيها ا9رء أن يتنصل من مواقفه السابقة ألن التـيـار الـسـيـاسـي قـد تغيرB وألن اجتاها جديدا وأشخاصا جددا قد قفزوا إلى السلطةB فيـغـيـر األذناب جلودهمB 3شيا مع العهد اجلديدB يستخدم نتـيـجـة لـوجـود قـهـر شديدB يضطر معه ا9رءB إذا كان قد أعرب من قبـل عـن آراء مـعـارضـة أو رافضةB إلى سحب آرائه هذه والتنصل منها باسم «النقد الذاتي»B خوفا من بطش السلطة أو خضوعا لضغطها. وفي كل هذه احلـاالت ال تـكـون لـهـذا النوع من «النقد الذاتي» ا9زيف أية صلة {ا نقوله ها هنا عن النقد الذاتي في اجملال العلـمـيB لـسـبـب بـسـيـط هـو أن الـنـوع األول لـم يـصـدر بـدوافـع
موضوعيةB أو لم يكن تعبيرا عن إرادة حرة. ل النقد من اآلخرين صفة أساسية ينبغي أن يتحلىّج- وأخيراB فان تقب
ا عاداته الفكرية اخلاصةB وطريقته الشخصيةّبها العالم. ذلك الن لكل من في معاجلة األمورB وتكوينه الفردي ا9ميزB وهذا كله يـنـعـكـس حـتـمـا عـلـى عمله العلميB بحيث يعجز في أحيان كثيـرة عـن رؤيـة جـوانـب الـضـعـف أو النقص فيهB ويحتاج إلى من يتأمل هذا العمل بعيون أخرى لكي يرى فيه ما Bعندما تثبت وتستقر Bلم يره صاحبه. وعلى الرغم من أن احلقيقة العلمية تكون حقيقة واحدة يتفق عليها اجلميعB فإنها في مرحلة تكوينها حتتاج إلى cوهو ما أدركه قدماء الفالسفة ح Bوالى «حوار» بينها Bتضافر عقول كثيرة أكدوا أن «اجلدل»B {عنى مشاركة أكثر من عقل واحد في السعي إلى بلوغ
احلقيقةB هو طريق ا9عرفة. وهكذا أصبح النقد جزءا ال يتجزأ من ا9مارسة العلمية في جميع البالد ا9تقدمةB وأصبحت الدوريات واجملالت العلميةB بل والصحف اليومية في أحيان غير قليلةB تخصص أبوابا ثابـتـة لـنـقـد األعـمـال ا9ـنـشـورةB وأصـبـح العلماء أنفسهم يتلهفون على قراءة ما يكتب عن أعمالهمB لكي يعرفوا أين يقفون في الوسط العلمي الذي ينتمون إليهB ولكي يطلعوا على آراء العقول
216
التفكير العلمي
األخرى فيما أنتجه عقلهم. وبفضل هذا التراث النقدي الذي استمر أجياال كثيرةB اكتسب النقد في هذه البالد ا9ـتـقـدمـة نـوعـا مـن الـقـداسـةB وازداد طابعه «موضوعية»B وأصبح الناقد يشعر وهو qسك قلمه {سئولية ال تقل عن مسئولية القاضي وهو يصدر أحكامه. وال شك أن ا9قارنة هنا ليسـت Bإذ أن الناقـد هـو بـالـفـعـل قـاض فـي ا9ـيـدان الـعـلـمـي Bعلى سبيل التشبيه والفارق الوحيد بc االثنc هو أن القاضي ال يتناول إال حاالت اخلروج على القانونB أي احلاالت السلبية وحدهاB على حc أن الناقد يعـالـج احلـاالت اإليجابية والسلبية معا: إذ أن مهمته ليست إبراز العيوب فحسبB بل وامتداح ا9زايا أيضا. وفيما عدا ذلك فان الضمير النقديB في البالد ا9تقدمةB قد اكتسب حساسية ورهافة ال تقل عن الضمير القضائيB وكالهما يصدر في أحكامه عن دستور أو تشريع موضوعي: القاضي عن بنود القانونB والناقد
عن ا9نطق السليم وا9عارف العلمية ا9ستقرة. وفي اعتقادي أن هذه اإلشارة إلى ما أسميه «بالضـمـيـر الـنـقـدي» فـي ميدان العلم ضرورية في عا9نا العربي على وجه التحديدB ألن هذا الضمير لم يتبلور بعد بالقدر الكافي في أوساطنا العلمية. ومن ا9مكن التفكير في أسباب متعددة لهذه الظاهرةB ولكن أهمها في رأيي سببان: األول أن نهضتنا العلمية احلديثة قريبة العهدB بحيث لم يصـبـح لـديـنـا بـعـد «تـراث» يـجـعـل النقد جزءا أساسيا من حياتنا العلميةB كما هي احلال في البالد ا9تقدمة. والسبب الثاني (وهو مرتبط باألول ارتباطا وثـيـقـا) هـو ذلـك اخلـلـق الـذي يسود كافة جوانب حياتناB بc ما هو خاص وما هو عـامB أو بـc الـعـوامـل الشخصية والعوامل ا9وضوعية. هذا اخللط هوB على سبيل ا9ثـالB سـبـب ظاهرة «الوساطة» التي تتفشى في أوساطنا احلكوميةB والتي هي في حقيقتها تطبيق 9بدأ إكرام القريب أو الصديق (وهو مبدأ جميل في حياتنا اخلاصة) على الشئون العامة للدولةB بحـيـث يـزول الـفـارق بـc طـريـقـة سـلـوكـنـا مـع احمليطc بنا في األسرة أو في القرية أو في ا9قهىB وطريقة سلوكنا عنـد
أداء األعمال الرسمية. وحc يسري هذا اخللط على العالقات بـc الـعـلـمـاءB تـصـبـح نـتـائـجـه وخيمة: إذ أن العالم ال يعود قادرا على تقبل النقد من اآلخرينB ويتصور أنه إهانة له أو هجوم شخصي عليهB بينمـا الـنـاقـد نـفـسـه قـد يـسـتـخـدم هـذا
217
شخصيةالعالم
النقدB في أحيان غير قليلةB لتصفية حسابات شخصيةB أو جملاملة من له عـنـده مـأرب. وهـكـذا يـسـلـك الـطـرفـان مـعـا بـطـريـقـة تـخـلـو مـن الـنـزاهــة وا9وضوعيةB ومن هنا كانت محنة النقد العلمي والفكري في بالدنا... (أما
ث عنه وال حرجB إذ أنـهB بـاإلضـافـة إلـى ذلـكBّالنقد األدبي والـفـنـيB فـحـد ينصب على مجال فيه من ا9رونة والتحرر من القواعد الـثـابـتـة مـا يـعـطـي
للعوامل الشخصية في النقد مجاال أوسع). ولعل ا يزيد من حدة هذه احملنةB أن وسائل النقد ذاتها غير متوافرة:
ّصفاجملالت والدوريات قليلةB أو منعدمة في بعض اجملاالتB وهى ال تخص إال مساحة ضئيلة للنقد العلمي اجلادB ولهـا الـعـذر فـي ذلـك ألن الـعـمـلـيـة نفسها ال تلقى استجابة كبيرة من الكتاب: فمن منهم على استعداد إلرهاق نفسه بقراءة كتاب أو بحث لشخص آخرB والتنقيب بc ا9راجع عما عسى أن يكون قد أغفله أو أخطأ فيه? إن قراءة أبحاث اآلخرين ومؤلفاتهمB على أية حالB أمر يزداد ندرة بالتدريجB ألن أعباء احلياة والعملB ور{ا الكسل أيضاB جتعل كل باحث منشغال بأبحـاثـه اخلـاصـةB ونـادرا مـا يـقـرأ بـحـوث اآلخرين. وهكذا يشعر كثير من الباحثBc في العالم العربيB بأنهم يكتبون ألنفسهم (وخاصة حc يكون ا9وضوع الذي يعاجلونـه جـادا). فـبـعـد عـمـل مرهق قد يدوم سنوات متعددةB يظهر البحث فال يـسـتـجـيـب لـه أحـدB وال
ق عليه أحدB وال ينقده أحدB حتى من ا9تخصصc في ميدانه. فنحن الّيعل نقرأ لبعضنا البعضB ومن ثم ال ننقد بعضنا البعضB وهذا نقص فادح في
حياتنا العلمية. والوجه اآلخر 9وضوع النقد هذا هو أن نعترف بـفـضـل اآلخـريـن عـلـى أعمالنا. فنحن ندين 9ن نقرأ لهم بقدر كبير من معارفناB بل إن كثيـرا مـن Bأفكارنا الشخصية التي يبتدعها كل منا وفي ذهنه أنه هو مصدرها الوحيد ال تثار في أذهاننا إال ألن قراءة بحث أو كتاب معc قد أوحى إلينا بهاB ولو بصورة غير مباشرةB أو أثار فينا حاسة النقد والهجومB فيكون له الفـضـل في هذه احلالة بدورهاB حتى ولو كان ذلـك فـضـال سـلـبـيـا. ومـن هـنـا فـان العلماء والكتابB في البالد التي رسخت فيها التقاليد العـلـمـيـةB يـحـاولـون بقدر ما في وسعهم رد الفضل إلى أصحابهB ور{ا رأيت ا9ؤلف منهم يعدد في مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة من األشخاصB بعـضـهـم نـاقـشـه
218
التفكير العلمي
مناقشة قصيرة حول ا9وضوعB وأحيانا قد يـذكـر األسـتـاذ فـضـل تـالمـيـذه الذين ألهموهB بأسئلتهم واستفساراتهمB كثيرا من أفكاره. أما اإلشـارة إلـى االقتباسات من ا9راجع األخرى فقد أصبحت تقليدا ثابتا ال يخالفه أحد. وفي هذه احلالة بدورها جند أن هذا التقليـد اجلـلـيـل لـم يـسـتـقـر فـي بالدنا 3ام االستقرار. بل أن مخالفته قد تتخذ في بعض األحيـان أبـعـادا مؤسفةB كما يحدث في حاالت «السطو» على أعمال اآلخرينB التي ينسبها ا9رء لنفسه دون وازع من ضمير. ومن ا9ؤكد أن حياتنا العلمية لن تستقيم إال إذا أصبح االعتراف بفضل اآلخرينB حتى في األمور البسيطةB قاعدة ال يخالفها أحد. ور{ا احتاج األمر في البداية إلـى قـدر مـن الـشـدةB بـحـيـث يلقى من يرتكب عمال من أعمال السرقة العلمية جزاء رادعـا. وبـعـد ذلـك qكن أن يتحول السلوك العلمي القو“ إلى عادة متأصلة في النفوسB فال نحتاج إلى فرض جزاءات. ولكن النظرة ا9دققة إلى أوضاع التقاليد العلمية في العالم العربـي ال تـوحـي بـالـتـفـاؤلB إذ يـبـدو أن األجـيـال اجلـديـدة أقـل 3سكا بهذه التقاليد حتى من األجيال السابقةB ومن ثم فان اخلط البياني Bيـتـجـه إلـى الـهـبـوط Bولألخالق العلمية بوجه عام Bللروح النقدية السليمة وهو أمر مؤسف ينبغي أن نتداركه حتى ال تتسع الـهـوة بـيـنـنـا وبـc الـبـالد
ا9تقدمة التي يزداد علماؤها 3سكا بالتقاليد العلمية جيال بعد جيل.
- النزاهة:٢ لسنا في حاجة إلى أن نطيل احلديث عن صفة النزاهةB بوصفها معنى أساسيا من معاني ا9وضوعية. ففي ثنايا احلديث عن الروح النقدية اتضحت لنا عناصر كثيرة ترتبط بصفة النزاهةB مثل قدرة العالم على أن يقف من أعماله اخلاصة موقفا نقدياB وعلى أن يتقبل نقد اآلخرينB وال ينسب إلى نفسه شيئا استمده من غيره. والواقع أن نزاهة العالـم تـتـبـدىB أوضـح مـا تكونB في استبعاده للعوامل الذاتية من عمله العلمي. فحq cارس العالم هذا العملB ينبغي عليه أن يطرح مصاحله وميوله واجتاهاتـه الـشـخـصـيـة
جانباB وأن يعالج موضوعه بتجرد تام. هذا التجرد هو الذي يجعل العلم يلجأ إلى وسيلة وحيدة لإلقناع: هي الدليل والبرهان ا9وضوعي. وقد يتخذ هذا البرهـان شـكـل إجـراء جتـربـة
219
شخصيةالعالم
تثبت ا9بدأ العلمي اجلديد على نحو حاسمB أو يتخذ شكل تدليل منطـقـي قاطعB ولكنه في كل احلاالت برهان يفرض نفسه على أي ذهن لديه القدرة على فهم ا9وضوع واستيعابه. وهذا هو الفارق األساسي بc طريقة اإلقناع Bوطرق اإلقناع ا9ألوفة التي نلجأ إليها كثيرا في معامالتنا اليومية Bالعلمي والتي حتفل بعناصر ذاتية ال صلة لها بالتفكير الـعـلـمـي مـن قـريـب أو مـن بعيدB مثل اإلقناع عن طريق البالغة اللفظية أو استخدام اللغة االنفعاليـة ا9ؤثرة أو التالعب بعواطف الناس أو إغرائهم واستثارة ميولهم ومصاحلهم. Bفالعلم يعلم اإلنسان كيف يترك انفعاالته وتفضيـالتـه الـشـخـصـيـة جـانـبـا وكيف ينظر إلى األمور نظرة منزهة عن كل غرضB ومن هنا كان للعلم تأثير Bكن إنكاره. ومن ا9ؤكد أن ا9مارسة العلمية الطويلة والسليمةq أخالقي ال ال بد أن تترك طابعها على طريقة تعامل العالم مع غيره من الناسB وذلك على األقل في األمور التي يقوم فيها صراع بc العوامل وا9يول الذاتية من
جهةB وبc احلقائق ا9وضوعية من جهة أخرى. على أن احلديث عن صفة النزاهة والتجرد يفضي بنا إلى موضوع آخر له أهمية بالغةB وال سيما في عصرنا الراهنB وأعني به موقف العالـم مـن الربح ا9ادي أو ا9ال. ذلك الن نزاهة العالم تفترض منه أن يكون في عمله العلمي ساعيا إلى احلقيقة وحدهاB بغض النظر عما qكن أن يجنيـه مـن ورائه من مغا°. وهذه مسألة تنبه إليها الفالسفة منذ اقدم العهود: إذ أن
م البشر إلى محبي الكسبB كالتجار والصناعB ومحبي الشهرةBّأفالطون قس كاحلكام السياسيc أو القواد العسكريBc ومحبي العـلـم أو ا9ـعـرفـةB وهـم العلماء والفالسفة. وفي رأيه أن من ينتمي إلى الفئة األخيـرة ال qـكـن أن ينتمي إلى الفئتc األخريBc وبخاصة األولى منهما. ومنذ ذلك احلc أصبح من األمور ا9عترف بها أن لذة العلم والوصول إلى احلقيـقـة تـفـوق أيـة لـذة أخرىB وجتعل صاحبها زاهدا في تلك األهداف الدنيويـة الـصـغـيـرة الـتـي
يستميت الناس ا9اديون من اجل حتقيقهاB كهدف الربح ا9ادي. ولكن عصرنا احلديثB وان كان قد احتفظ بهذه التفرقة بc السعي إلى احلقيقة والسعي وراء ا9الB قد أضاف أبعادا أخرى إلى هذا ا9وضوع. ذلك الن تعقد احلياة احلديثة وكثرة مطالبها جعل من ا9ستحيل أن يظل العالم في صورة ذلك الناسك أو الزاهد الذي يتعفف عن كل ما يتصل با9ال. ومن
220
التفكير العلمي
هنا طرأ قدر من التغير على الصورة القدqةB بدليل أن ا9شروعات العلمية Bالناجحة كثيرا ما يكون من عوامل جناحها اإلنفاق بسخـاء عـلـى ا9ـشـروع
.cن فيه من العلماء والباحث} فهل يعنى ذلك أن التضاد القد“ بc محبي احلقيقة ومحبي الـكـسـب قد اختفى? الواقع أن هذا التضاد ال يزال قائماB وال qكن القول أن العالم احلقيقي إنسان يصلح لالشتغال بالتجارة (حتى في عـمـلـه) أو يـجـعـل مـن تكديس األموال هدفا حلياته. قد جند استثناءات قليلة هنا أو هناكB ولكن معظم هذه اإلستثناءات تتعلق بأناس ال تسرى في عروقهم روح العلم {عناها احلقيقي. وال يزال من الصحيح أن العالم ال يطلب ا9ال لذاتهB وإnا يطلبه بوصفه وسيلة فحسب: فسهولة العيش وقضاء ا9طالب ا9اديةB ور{ا بعض ا9طالب الكماليةB يتيح للعالم أن يتفرغ لعمله العلمي بذهن خال من ا9شاغل. ومن هنا كان الوضع األمثل عند العلماء هو أن تقوم الدولة بتلبية احتياجاتهم وتزويدهم بكل ما يلزمهم للبحثB بحيث تصبح عقولهم مكرسة للتفكير في ا9شاكل العلمية وحدهاB أما استغالل البحث العلمي استغالال مادياB فأمر
ال يكترث به العلماء. وال qكن أن يسمى هذا زهدا با9عنى الصحيـحB وان كـان فـيـه بـالـفـعـل كثير من عناصر الزهد. ذلك ألن العالم إنسان يحظى {ستوى عقلي يفوق ا9ستوى العادي. وهناك متع كثيرة يسعى إليها اإلنسان العادي وينـفـق مـن أجلها الكثير من ا9الB ال يكترث بها العالم وال يشعر إزاءها بأي استمتاع. فمن الصعب على كثير من العلماءB مثالB أن يشعروا بلذة حقيقية من تلك Bلك ا9ال الذي تتكلفهq حتى لو كان Bالسهرات الصاخبة في ا9الهي الليلية على حc أن التاجر أو رجل األعمال قد يجد فيها متعة كبرىB وقد يـكـون قدر كبير من سعيه وراء الربح مستهدفا حياة من هذا النوع. وهكذا يبـدو تصرف العالم في هذه احلالة زهداB ولكنه في حقيقته استخفاف بأمور ال
تثير في نفسه رغبة حقيقية من أجل الوصول إليها. وهنا ال نستطيع أن نقول أنناB في عصرنا احلديثB قد جتاوزنا بكثيـر ما كان يدعو إليه أفالطون. ذلك ألن هذا الفيلسوف اليوناني الـكـبـيـر قـد
م على العلماءB في مدينته الفاضلةB اقتناء الذهب والفضة «اكتفاء {ـاّحر في نفوسهم من هذين ا9عدنيc النفيسc». وهو قد دعا إلى قيام اجملتمع
221
شخصيةالعالم
أو الدولة بتوفير كل ا9طالب ا9ادية للعلـمـاء حـتـى ال يـشـغـلـهـم شـيء سـوى بحثهم وراء احلقيقة. ولكن الصورة العامة التي رسمها لوضع العلـمـاء فـي اجملتمع ا9ثاليB كما تخيلهB لم تكن صورة زاهدة با9عـنـى الـصـحـيـحB إذ أن العلماء كانوا يحصلون على كل مطالبهم الضروريةB وكانوا يتمتعون جسديا ونفسيا بكل ما qيل إليه اإلنسان السويB أمـا انـصـرافـهـم عـن االجتـار أو
الكسب فراجع إلى أن طبيعتهم ذاتها تأبى االنشغال بهذه األمور. ولكنB ماذا نقول عن الشهرة? هل صحيح أن العالمB كما كان يشيع في العصور القدqة والوسطىB إنسان يزهد في الشهرة ويبحث عن احلقيقـة في صمتB دون أن يهتم بأن يعرفه أو يسمع عنه أحد? الواقع أن هذا الرأي يظل صحيحا إذا كنا نعنى بالشهـرة ذلـك الـضـجـيـج اإلعـالمـي واإلعـالنـي .cاألجوف الذي يتمتع به جنوم السينما أو الرياضة البدنية أو بعض السياسي فالعالم ال يجد متعة في أن يشيع اسمه بc عامة الناس وسط أسماء تلك الشخصيات التي تهتم بها وسائل اإلعالم اجلماهيرية احلديثةB التـي هـي في معظم األحيان شخصيات سطحية. ولكن هناك نوعا آخر من الشهـرة يسعى إلى العالم بكل حماسةB هو الشهرة في الوسط العلمي ذاته. بـل إن كل من مارس جتربة البحث العلمي على حقيقتها يعلم أن كلمة صدق يقولها عالم آخر تدحا فيها بحثهB قد تكون احب لديه من أموال الدنيا. وهكذا Bبقيمة عمله cوالعارف cيتحمس العالم للشهرة {عنى اعتراف ا9تخصص أما الشهرة اجلماهيرية السطحية فال تهمه في شيءB ألنه على أية حال لن يستطيعB مهما فعلB أن يجارى مطربا عاطفيا أو العبا رشيقا في اكتساب
الشهرة بc عامة الناس. وأخيراB فلعل موضوع ا9ال هذا أن يثير مشكلة أصبحت تلقى في السنوات األخيرة اهتماما كبيرا في بالد العالم الثالثB ومنها بالدنا العربيةB وكذلك في الهيئات الدولية التي تعنى بشئون البالد الناميةB وأعني بها تلك ا9شكلة ا9عروفة باسم هجرة العلماء أو تسرب العقول. فنحن نعاني من رفض عدد كبير من أبنائنا الذين يتعلمون في اخلارجB العودة إلى أوطانهم التي هي في اشد احلاجة إلى خبرتهم وعلمهم لكي تبنى لنفسها مستقبال أفضل. ومن ا9عترف به أن قوة اجلذب التي توجد لدى بـعـض الـدول ا9ـتـقـدمـةB والـتـي تتمكن بواسطتها من احتجاز أعداد كبيرة من علماء البالد الناميةB هي من
222
التفكير العلمي
أهم العوامل الني تؤدى إلى مضاعفة معدل التقدم في تلك البالدB وتباطؤ هذا ا9عدل في البالد التي يهاجر منها العلماء.
والتفسير الشائع هو أن ا9ال عامل حاسم في هجرة العلماءB ال سيـمـا وأن البالد التي يهاجرون إليها قادرة على إغرائـهـم بـأجـور تـزيـد أضـعـافـا مضاعفة عن أقصى ما يحلمون في بالدهم األصلية. وقد يكون عامل ا9ال ذا تأثير بالفعل في بعض احلاالتB ولكن أغلب الظن أن هناك عوامل أخرى تنتمي إلى صميم العمل العلميB هي التي تدفع العلمـاء إلـى تـرك بـالدهـم Bاألصلية وتقد“ خبراتهم إلى بالد غريبة عنهم. وعلى رأس هذه العوامـل وجود اجلو الذي يسمى للعالم {مارسة عمله على الوجه الذي يتطلع إليه. ففي اعتقادي أن عامل حتقيق الذات يقومB في حـيـاة الـعـالـمB بـدور يـفـوق بكثير جميع التطلعات ا9ادية. وإحساس العالم بأنه يحقق كل ما لديـه مـن إمكاناتB وبأن فرص البحث مهـيـأة لـه بـال عـوائـقB وبـأن اجلـو الـعـامB فـي اجملتمع الذي يعيش فيهB يسمح له با9ضي في عمله العلمي دون أن تشغله الدسائس وا9ؤامرات وا9شاغل التافهة-هذا اإلحساس هو العامل احلاسم في اختياره للمكان الذي يفضل أن يعمل فيه. وأوضح مثل على ما نقول هو ما حدث لعلماء الصc: إذ كان عـدد مـن هـؤالء الـعـلـمـاء قـد هـاجـروا إلـى اخلارجB وخاصة إلى الواليات ا9تحدةB حيث تبوؤوا مراكز مرموقةB وكانوا يتقاضون مرتبات ضخمة. ولكن في اللحظة التي دعاهم فيها الوطـن إلـى العودةB عاد معظمهم بالفعلB ولم يكن هناك أي وجه للمقارنة بc أحوالهم اجلديدة ووضعهم القد“ من الناحية ا9اليةB ولكـن كـان هـنـاك اإلحـسـاس بأن الوطن في حاجة إليهمB وبأن اجملتمع ينفق على البحث العلمي بأقصى Bمتوافرة Bمن أجهزة ومراجع Bوبأن أدوات البحث العلمي Bكنه من سخاءq ما cكما أن اجلو العام يشجع على البحث وال يضع أية معوقات أمام ا9شتغل Bخصومه cحتى من ب Bبه. وبالفعل الحظ ا9راقبون الذين زاروا هذا البلد أن الدولة تعامل العلماء ومراكز البحث معاملة تفوق بكثير مستوى التقشف العام السائد في اجملتمع. وهذا أقصى ما يحتاج إليه العالم: أن يشعر بأن بلده محتاج إليهB وبأن نتائج بحـثـه لـن تـهـمـل وإnـا سـتـعـود عـلـى اجملـتـمـع Bوبأن الدولة حتترم العلم وتخصص له كل ما في طاقتها من إمكانات Bبالنفع وبأنه يشارك بصورة إيجابية في مسيرة مجتـمـع يـسـعـى بـجـديـة مـن أجـل
223
شخصيةالعالم
النهوض. أما الكسب أو ا9ـال فـيـأتـي فـي مـكـانـة ثـانـويـة إذا حتـقـقـت هـذه األهداف الرئيسية. ومن ا9ؤكد أن اجملتمع الذي يحترم العلم إلى هذا احلد لن يقبل أن يترك علماءه يعيشون في مستـوى هـابـطB كـمـا أن الـعـالـمB مـن جهتهB لن يطلب لنفسه اكثر ا يطيق مجتمعه إذا أيقن أن هـذا اجملـتـمـع جادB وأنه خال من الفساد واالنتهازية والوصولية والرغبة في التسلق على
أكتاف اآلخرين وعلى حساب قوتهم الضروري.
٣- احلياد: قلنا من قبل أن ا9وضوعية هي الصفة التي تلخص جميع جوانب األخالق العلميةB وعرضنا 9عنيc من معاني ا9وضوعية: هما الروح النقدية والنزاهة. وا9عنى الثالث للموضوعية هو احليادB وهو معنى عظيم األهميةB وان كان يثير إشكاالت ينبغي أن يتنبه إليها ا9رء حتى ال يسيء فهم هذا اللفظ الذي
يستخدمB رغم وضوحهB {عان شديدة التباين. إننا نصف الشخص ا9وضوعي بأنه محايدB ونعني بذلك أنه ال ينـحـاز مقدما إلى طرف من إطراف النزاع الفكري أو اخلالف العلـمـي. فـالـعـالـم ينبغي أن يقف على احليادB {عنى أن يعطى كل رأى من اآلراء ا9تـعـارضـة حقه الكامل في التعبير عن نفسهB ويزن كل احلجج التي تقال {يزان يخلو Bواألفكار التي تقدم إليه Bمن الغرض أو التحيز. فا9وضوعات التي يعاجلها تقف كلها أمامه على قدم ا9ـسـاواةB دون أيـة مـحـاولـة مـسـبـقـة مـن جـانـبـه لتفضيل إحداها على األخرى. وعندما ينحاز العالم آخر األمرB فال بد أن يكون انحيازه هذا مبنيا على تقدير مـوضـوعـي بـحـت إليـجـابـيـات احلـجـج وسلبياتها. والعالم محايد {عنى أنه يترك تفضيالته الذاتية جانبا إذ أننا ال نستطيع بغير شكB أن نتصور عالم نبات يهتم في أبحاثه بزهرة معـيـنـة جملرد كونه يحبهاB أو عالم حيوان يهمل نوعا حيوانيا مـعـيـنـا جملـرد أنـه ال
يطيق شكله. ولكن معنى احلياد العلمي اكتسب في وقتنا هذا أبعادا أوسع من ذلـك بكثير. وأول هذه األبعاد ذو طابـع أخـالقـي واضـح. فـمـن الـشـائـع أن جنـد كتابات تتهم العلم بأنه سبب الشرور التي تعانيها البشريةB وخاصة بعد أن أدى حتالفه مع التكنولوجيا إلى تغيير وجه احلياة على نحو يرى فيه الكثيرون
224
التفكير العلمي
انحدارا إلنسانية اإلنسان. ولكن من األلوفB من ناحية أخرىB أن نرى كتابا qجدون العلم على أساس أنه هو القوة القادرة على أن حتقق اجلنة ا9وعودة لإلنسان على سطح هذه األرض. وهكذا يتهم بعضهم العلم بأنه ينـزع إلـى الشر بطبيعتهB ويتغنى البعض اآلخر به ألنه مصدر أعظم خيـر يـسـتـطـيـع
اإلنسان أن يحققه في حياته. ولكن الرأي األكثر شيوعا من هذين الرأيBc هو القائل أن العلم «محايد» بc اخلير والشر. فالعلم أداة تتيح لإلنسان أن يفهم العالم احمليط بهB وأن يفهم نفسهB على نحو أفضلB ومن ثم فهو يزيد من قدرته على الـسـيـطـرة على العالم اخلارجيB وعـلـى عـا9ـه الـداخـلـي اخلـاص. ولـكـن هـذه الـقـدرة «محايدة» {عنى أنها ال تعدو أن تكون طاقة أكبـرB قـابـلـة الن تـتـشـكـل فـي اجتاه اخلير أو الشر. وهذه الطاقة قد تكون عقليةB تتمثل في فهم أفضل للظواهرB أو ماديةB تـتـمـثـل فـي مـزيـد مـن الـسـيـطـرة عـلـى هـذه الـظـواهـر وتسخيرها ألعراض اإلنسان. ولكن هذه األغراض قد تـكـون مـتـجـهـة إلـى حتقيق السعادة والرخاء للبشر وقد اجته إلى إرضاء نزوات حاكم مستبد أو
حتقيق مصالح فئة جشعة أو ضمان التفوق لشعب مغتصب. واألمر الذي يؤكد حياد الـعـلـم هـذاB أن الـعـلـم ذاتـه لـيـس مـسـئـوال عـن التعرف في النتائج التي يتوصل إليها. فالعالمB في عصرنا احلديثB يشتغل حلساب مؤسسة أوسع منه قد تكون هي الدولةB أو شركة جتاريةB أو على أحسن الفروض معهد علمي. وفي كل احلاالت يكون القرار النهائـي الـذي يحدد طريقة التصوف فيما يكتشفه العالم خارجا عن إرادته. وا9ثل الواضح على هذا هو القنبلة الذرية على نـحـو مـا عـرضـنـا مـن قـبـل. وهـكـذا جنـد العالم. محكوما بقوى خارجية في جميع جوانـب عـلـمـه الـعـلـمـي فـقـبـل أن يشرع في هذا العمل ال بد أن يعتمد على مؤسسة كبيرة توفر له إمكانـات البحث التي تزداد تكلفة وتعقيدا يوما بعد يوم. وبعد أن ينتـهـي مـن عـمـلـه العلميB ويتوصل إلى كشف أو اختراع جديدB ال تكون له الكلمة أو سـلـطـة اتخاذ القرار بشأن هذا الكشـفB بـل تـتـصـرف فـيـه ا9ـؤسـسـة الـتـي يـعـمـل حلسابها. وهذه ا9ؤسسة يتحكم فيهاB غالباB سياسيون أو جتار (أو سياسيون جتار!) ومن ثم فهي تصدر قراراتها بطريـقـة ال شـأن لـهـا بـالـعـلـمB وحتـدد أهدافها وفقا 9صاحلها اخلاصة. وهكذا يضطر العلم إلـى أن يـقـف عـلـى
225
شخصيةالعالم
احليادB وهو في هذه احلالة حياد مرتبط بالعجز ألن العلمB بقدر ما اصبح يتحكم في مصير العالمB ال qلك مصيره بيده.
Bويشجع على القسوة واجلشع Bفإذا وجدنا العلم يؤدى إلى حروب وكوارث فلنعلم أن هذه ليست صفات مرتبطة بالعلم في ذاتهB وإnا هي نتائج تترتب على «طريقة معينة» في التصرف بنتائج البحث العلميB وكان من ا9مكنB لو تصرفنا بهذه النتائج بطريقة أخرىB أن يكون العلم خيرا ورخاء كله. أي أن
طريقة استخدام العلم هي التي حتدد مدى أخالقيته أو ال أخالقيته. هذا هو الوضع الشائع 9شكلة عالقة العلم باألخالقB وهو أيضا ا9عنى ا9ألوف لتعبير «حياد العلم». ولكننا نستطيع أن نتأمل هذا ا9وضوع بنظرة أعمقB فنجد فيه أبعادا أخرى غير هذه األبعاد ا9ألوفة وا9عروفة. ذلك الن Bأن تكون موضوعا لالتهام واإلدانة Bمن زاوية معينة Bكنq صفة احلياد هذه وال تكون على الدوام صفة مـرغـوبـة فـي الـعـلـم. ويـحـدث ذلـك حـc يـعـنـي احلياد عدم االكتراث أو تبلد الفكر وا9شاعرB بـحـيـث يـسـتـمـر الـعـالـم فـي عمله بغض النظر عما qكن أن يترتـب عـلـيـه مـن خـيـر أو شـر. وفـي هـذه احلالة يكون كل ما يهدف إليه العالم هو مواصلة البحث العلميB والتغـلـب على التحدي الذي تواجهه به صعوبة ماB والسعي إلى بلوغ أقصى النتائـج ا9مكنة للعمل الذي بدأ يشتغل بهB أي أن ا9ضي في البحث العلمي يصبـح غاية في ذاتهاB بغض النظر عن أية غاية أخالقية أو ال أخالقية qكـن أن يخدمها هذا البحث. مثل هـذا ا9ـوقـف يـعـد بـدوره «حـيـادا»B ولـكـنـه حـيـاد
يتضمن في داخله نتائج خطيرة من الوجهة األخالقية. ذلك ألن من ا9مكن القول إن العلماء األ9ان كانوا يبحثون لكي يساعدوا «هتلر» على تطوير أداته احلربية لم يكونوا كـلـهـم مـن األشـرارB وإnـا كـان معظمهم مفتونا بأبحاثه مستغرقا فيها بصورة «حيادية»B بحيث كان كل ما يهمه هو استطالع جميع اآلفاق ا9تاحة له حتى نهايتها. وهذه السلـبـيـة أو عدم االكتراث بالنتائج التي qكن أن تترتب على العمل العلمي تفتح الباب بسهولة الستغالل العلماء أنفسهم من أجل حتقيق أشد األغراض بعدا عن
األخالق واإلنسانية. وعلى الطرف ا9ضادB نستطيع أن نقول أيضا أن مكتشف البنسلc لـم
رةB بل انه وجد أمامهBّيكن بالضرورة إنسانا يستهدف غاية أخالقية أو خي
226
التفكير العلمي
Bبابا مفتوحا يقود إلى طريق مليء با9فاجآت اجلديدة وا9ـثـيـرة Bبالصدفة فكان كل هدف هو السعي في هذا الطريق ومعرفة النهاية التـي qـكـن أن يوصله إليها. ومثل هذا السعي ا9ستمر إلى مواصلة البحث لـذاتـهq Bـكـن في حاالت كثيرة أن يعني وقوف العالم {عزل عن األخالق وعن قيمهاB وهو
B حيث ال يكون ا9رء أخالقيـا أو مـعـاديـاAmoralismا9وقف ا9سمـى بـاسـم لألخالقB وإnا يقف خارج نطاق القيم األخالقية أصال. وبالـرغـم مـن أن هذا ا9وقف ليس في ذاته شرا فانه qكن أن يؤدى بسهولة إلى الشرB ويولد
في نفس ا9عالم نوعا من تبلد احلس وجمود ا9شاعر. ولقد دافع البعض عن هذا ا9وقف على أساس أن البحث عن احلقيقة
هذا الدفاعBّلذاتها هو أمر محايد أخالقياB أو ال شان له باألخالق. وزكى على ا9ستوى الفلسفيB مـوقـف مـذهـب فـلـسـفـي مـعـاصـرB هـو «الـوضـعـيـة Bسواء أكانت أخالقيـة أو جـمـالـيـة Bوهو مذهب يؤمن بأن القيم B«ا9نطقية تخرج عن نطاق العلمB الذي يجب أن يكون «محايدا»B على حc أن الـقـيـم تعبر بطبيعتها عن تفضيالت شخصية. وحc نعبر عن تفـضـيـالتـنـا نـضـع Bأي أننا ال نضعهـا عـلـى مـسـتـوى واحـد Bاألشياء في سلم صاعد أو هابط على حc أن العلم بطبيعته يعالج موضوعاته من نفس ا9ستوىB دون حتيز أو تفضيل. فإذا أردنا أن جنعل للقيم مكانا فليكن ذلكB حسب رأي الوضعية ا9نطقيةB في ميدان الفن أو األدبB أما في العلـم فـال يـسـود إال «احلـيـاد»
التام الذي يستبعد كل القيم والتفضيالت األخالقية. هذا ا9عنى للحياد العلميB في اجملال األخالقيB مـبـنـى عـلـى افـتـراض غير مؤكدB هو أن احلقيقة ال شأن لها بالقيم أتساس. ذلك الن هناك وجهة نظر أخرى نعتقد أنها تستحق التقديرB تذهب األخالقية أن احلقيقة هـي ذاتها قيمة علياB وأن السعي إليها هو في ذاته خطوة أسـاسـيـة فـي طـريـق األخالق. فالبصيرة التي نكتسبها بفضل احلقيقةB واالستنارة التي تبعثـهـا في نفوسنا ا9عرفةB هي بال شك أمور أخالقية أو مرتبطة مباشرة باألخالق. والتضحيات التي يبذلهـا العلماء من اجل حتقيق كـشـوفـهـمB تـنـطـوي عـلـى دوافع أخالقية ال شك فيها: إذ ال qكننا أن نتصور العناء واجلهد وا9كابدة Bذات طـابـع أخـالقـي Bإال إذا كانـت هـنـاك روح مـعـيـنـة Bالتي يعانيها العالم تدفعه األخالقية أن يتحمل ذلك كلهB ويتنازل عن النمط السهل ا9ريح الذي
227
شخصيةالعالم
تسير عليه حياة الناسB لكي يحيا حياة مكرسة للعلم وحده. والصراع ضد اجلهل عمل أخالقي جليلB ال سيما إذا اقترن بتضحيات ناجمة عن التصدي للقوى التي تقف وراء اجلهل وتسانده وحتارب كل من يسعى األخالقية نشر احلقائق. وال جدال في أن العالم الذي يحارب من أجل حقيقة يؤمن بها عن اقتناعB أو الذي يكرس حياته من اجل كشف يبدد ظـالم اجلـهـل أو يـحـقـق لإلنسان مزيدا من الفطرة على الطبيعة-هذا العالم يقف في صـف واحـد مع األنبياء وا9صلحc الذين لم تكن حياتهم مكرسةB في الواقعB إال ألهداف
اثلة. ومن ا9سلم به أننا قد جند علماء يفتقرون األخالقية الروح األخالقية كما ينبغي أن تكونB بل قد جند منهم من ارتكبوا في حق األخالق أخـطـاء
Sirفادحة. ولدينا على ذلك مثال واضح في شخصـيـة فـرانـسـيـس بـيـكـن Francis BaconBالذي كان رائدا من رواد الروح العلمية احلديثة فـي أوروبـا
رغم أنه هو ذاته لم يكن عا9ا. فهذا ا9فكر الفذB الذي أدرك منذ وقت مبكر طبيعة البحث العلمي احلديثB واالختالفات القاطعة بc ا9عرفة العلـمـيـة التي تستهدف السيطرة على العالمB وتلك التي كانت في العصور القدqة والوسطى تكتفي {جادالت لفظية عقيمة-هذا ا9فكر كان إنساناB أخالقيا األخالقية حد بعيد: إذ كان من شيمه الغدر باألصدقاءB وخداع الناس عن cوقبول الرشاوى من ا9تقاض Bطريق االقتراض منهم دون أن يسدد شيئا في محكمة يرأسها هو نفسهB واالنغماس في دسائس القصور ومغامراتها. كل هذه كانت مساوu أخالقية مؤسفةB وال سيما حc تصدر من فيلسوف محب للحقيقة. ولكننا نستطيع أن نقولB من وجهة نظر أخرىB أنه لم يكن إنسانا الأخالقيا 3اما. فقد كانت أخطاؤه كلها تنتمي إلى ميدان السلوك الشخصي في احلياة اخلاصة أو العامةB ومنه كان في تفكيره العلمي ضخما أخالقيا بكل ما حتمله الكلمة من معنى. فـهـو لـم يـكـن يـزيـف احلـقـائـق أو يجامل أحدا في احلقB ولم يكن يتردد في مهاجمة أقوى السلطات العلمية في عصره إذا تبc له أنها عقبة في وجه ا9عرفة اجلديدة التي يدعو إليها. وهو قد حتمل في سبيل ذلك تضحيات عديدةB بل ر{ا كان جزء كبير من انحرافهB على ا9ستوى الشخصيB راجعا إلى رغبـتـه فـي أن يـحـصـل عـلـى منصب رفيع يساعده على حتقيق ا9شروعات الـعـلـمـيـة الـكـبـرى الـتـي كـان
228
التفكير العلمي
يحلم بها. وهكذا فان السعي ا9ستمر إلى احلقيقةB الذي تـتـمـيـز بـه حـيـاة العالمB يؤدى به إلى اعتياد الصدق وعدم التفريق في القيم ا9عنوية ا9رتبطة بهB مهما كان مستوى أخالقية العالم في حياته اخلاصة. بل إن القدرة على Bعنى التجرد والتنزه والبعد عن التحيز والهوى} B«االحتفاظ {وقف «احلياد هي في ذاتها موقف أخالقي ال شك فيهB ومن هنا فان التعبير الـقـائـل أن العلم «محايد أخالقيا» qكنB من وجهة نظر معينةB أن يـعـد تـعـبـيـرا غـيـر كاف لوصف طبيعة العلم. فاحلياد نفسه موقف أخالقيB أو هو انحياز إلى األخالقB إذا فهمناه با9عنى الذي أشرنا إليه منذ قليلB ال {عنـى الـوقـوف موقف ا9تفرج إزاء األخالقB أو االستعداد لتقبل اخليـر والـشـر مـعـاB عـلـى النحو الذي يفهم به هذا اللفظ عادة. وهكذا يكون اجلهد العلمي هو ذاته نوعا من اجلهاد األخالقيB ويكون التحلي بقدر معc من القيم األخالقيـة
صفة أساسية للعالم-هذا طبعا إذا كان عا9ا با9عنى الصحيح.
العلم واألخالق في العصر احلاضر: في العصور السابقة كـان هـنـاك حـد فـاصـل بـc الـسـعـي إلـى ا9ـعـرفـة والسلوك العلميB أو بc الفهم النظري للظواهر وإرضاء اإلنسان 9لكة حب االستطالع عنده من جهةB وبc القواعد األخالقـيـة الـتـي يـتـفـاهـم الـنـاس ويتالقون على أساسها من جهة أخرى. فالعلم-كما أوضحنا في فصل سابق- كان طوال جزء كبير من تاريخه نشاطا نظريا صرفاB وكـان مـن الـطـبـيـعـي عندئذ أال يقترب من مجال األخالقB بل أن يكون هناك اختالف جـوهـري بc االستخدام النظري للعقلB في ا9عرفةB واستخدامه العلمي في األخالق. أما في عصرنا احلاضر فقد أصبح التداخل وثيـقـا بـc اجملـالـBc بـحـيـث اصبح العلم يتدخل في تفكيرنا في مشاكلنا األخالقيةB كما أصبحت األخالق
تسعى إلى توجيه العلمB أو على األقل تستهدف اختباره بطريقة نقدية. على أن هذا االنتقالB من االنفصال التام بc العلم واألخالق إلى التداخل الوثيق بينهماB لم يحدث فجأةB وإnا حدث على مراحل متعددةB ومهدت له ظروف كثيرة. وفي وسعنا أن نلخص أهم مراحل االنتقال هذه فيما يلي:
- في مطلع العصر احلديث انهار ا9ثل األعلى القد“ للـمـعـرفـةB وهـو١ «العلم ألجل العلم»B وبدأ ظهور مفهوم جديد للعلمB يدور حول فكرة السيطرة
229
شخصيةالعالم
على الطبيعة والوصول إلى مزيد من التحكم في العالم اخلارجي. - بعد فترة غير طويلة اخذ العلم يسعى إلى حتقيق هذا الهدف نفسه٢
في مجال اإلنسانB أي أن يحققB بالنسبة إلى عا9نا الداخليB نفس القدرة على الفهمB وعلى السيطرةB التي حتققت لنا بالنسبة إلى الطبيعة.
- كان هذا االنتقال إلى هدف جديد للعلمB غير ا9عرفة النظرية ا9نقطعة٣ الصلة بالواقعB يعني من الوجهة النظريةB التقريب بc مجالي ا9عرفة العلمية والتطبيق العلميB الن العلم اصبح هو ذاته نوعا من السلـوكB وسـعـيـا إلـى
التغيير. - وكان معناهB من الوجهة العمليةB إثارة مشكالت تتعلق بكيفية استخدام٤
العلم والغايات التي ينبغي أن يخدمهاB واجلوانب التي يطبق فيها الـنـتـائـج ا9ترتبة على الكشوف العلمية بالنسبة إلـى حـيـاة اإلنـسـان. كـل هـذه كـانـت Bأسئلة جديدة لم يكن من ا9مكن أن تظهر في ظل التـصـور الـقـد“ لـلـعـلـم Bوكان من احملال أن جند لها نظيرا عند فالسفة مثـل أفـالطـون وأرسـطـو خاضوا جميع ميادين الفكرB ولكنهم ظلوا ينظرون إلى العلم على انه تأمل محضB ويضعون بينه وبc حياة اإلنسان العملية واليومية حواجز ال qكن
عبورها. - وكان اقتحام العلم 9يدان «النفس اإلنسانية واجملتمع البشري»B إيذانا٥
ببدء عهد جديد يقترب فيه العلم من صميم ا9شكالت العمليـة لـإلنـسـان. صحيح أن أقطاب علم النفس وعلم االجتماع كانواB وما زالوا يلحون عـلـى ضرورة االحتفاظ بالطابع «ا9وضوعي» ألبحاثهمB ويـؤكـدون انـهـم يـحـلـلـون الظواهر ويصفونها كما هي موجودة بالفعلB وال شأن لهم {ا «ينبـغـي» أن تكون عليهB ويضعون فاصال حادا بc دراسة الواقع كما هو كائـن ودراسـة القيم التي تنقلنا إلى مجال «ما ينبغي أن يكون»B هذا كـلـه صـحـيـحB ولـكـن األمر الذي ال qكن إنكاره هو أن العلم حc اقتـرب مـن ذلـك ا9ـنـبـع الـذي تصدر عنه القيم كلهاB أعني النفس اإلنسانية واجملتمع البشريB كان ال بد
أن يتداخل تأثيره مع تأثير األخالق. - وفي عصرنا احلاضر ازداد هذا التداخل وثوقـا. ذلـك الن الـتـغـلـغـل٦
ا9تزايد للتطبيقات العلمية والتكنولوجية في حياتناB جعل العلم يتصل اتصاال مباشرا {شكالت حيويةB بل مصيريةB مثل مشكلة البقاء أو الفناءB ومشكلة
230
التفكير العلمي
التلوثB والتزايد السكانيB واألزمات الغذائيةB وكلها أمور تقع على احلدود التي تربط بc العلم والتكنولوجيا من جهةB واألخالق من جهة أخرى.
وهكذا تطورت األمور بحيث أصبحنا ال جند مفرا من البحث في النتائج األخالقية للعلمB وأصبح العلم في عصرنا احلاضر قـوة تـؤثـر فـي حـيـاتـنـا cوزال احلد الفاصل ب Bال مجرد إرضاء حلب استطالعنا Bومسلكنا العملي وظيفة العلم في إلقاء الضوء على ما هو كائنB ووظيفة األخالق في إرشادنا
إلى ما ينبغي أن يكون. ولقد اعترفت البالد ا9تقدمة علميا بهذه احلقيقة ألنها 9ستها عن قرب من خالل جتارب مباشرة أدى فيها التقدم العلمي والتكنولوجـي إلـى إثـارة مشكالت أخالقية لها خطورتها الكبرى. وتستطيع أن نضرب لذلـك مـثـال واحدا كان له بالفعل أصداء واسعة في تلك البالدB هو حبوب منع احلمل. فقد ظهرت هذه احلبوب بوصفها مثال واضحا لقدرة العلم علـى الـتـدخـل في مجرى احلوادث الطبيعيةB وتنظيم حياة اإلنسانB و3كينه ألول مرة من أن يتحكم في نسله. وكان ذلك انتصارا علميا عظيما له تـأثـر الـهـائـل فـي جميع أرجاء العالمB ويكفي أنه أتاح 9اليc األسـر أال تـنـجـب أطـفـاال غـيـر مرغوب فيهمB بينما كانت نسبة كبيرة من اإلجنابB في كل التاريخ السابق للبشريةB ال ترجع إلى رغبة حقيقية في جلب أطفال جدد إلى العالم. ولكن هذا االنتصار العلمي الكبيرB الذي حقق لإلنسان السيطرة على عملية من أهم عملياته البيولوجيةB وبدا أنه يبشر بعهد يتم فيه تنظيـم الـنـسـل عـلـى مستوى عا9ي مخطط كانت له نتائج أخالقية هائلة. ذلك ألنه أحدث انفصاال بc اجلنسB من حيث هو ارسةB وبc إجناب األطفالB أي أنه أصبح من ا9مكن أن qارس اجلنس دون خوف من احلمل. ونظرا إلى أن هذا اخلوف كانB في كثير من اجملتمعات البشريةB هو الدافع احلقيـقـي إلـى الـتـمـسـك بالعفةB فان زواله كان يعني زوال سبب رئيسي للتمسك بالقيم األخـالقـيـة ا9تعلقة بـاجلـنـس. وهـكـذا اتـسـع نـطـاق ا9ـمـارسـات اجلـنـسـيـة احلـرةB فـي اجملتمعات الصناعية ا9تقدمةB على أوسع نطاقB ال سيما وان الرقابة األسرية القويةB والنوازع الدينية التي 3يز اجملتمعات الشرقيـةB كـانـت ضـعـيـفـة أو منعدمة في البالد ا9تقدمة. وترتب على ذلك انهيار كثير من القيم األخالقية التقليديةB واختفاء الزواج بشكله القد“ اختفاء شبه تامB وظهور أنواع من
231
شخصيةالعالم
العالقات احلرة التي كان من ا9ستحيل أن تنتشر من قبل. وما هذا إال مثل واحد للتغييرات األخالقية األساسية التي qكن أن تترتب علـى الـكـشـوف
العلمية احلديثة. وطبيعي أن يؤدي هذا ا9ثلB وغيره إلى إثارة مشكلة «مسئولية العـالـم» في العصر احلاضر. ذلك ألن العالم كانB تقليدياB يقوم بالبحث النظري أو التطبيقي وليس في ذهنه إال هدف واحدB هو إجناز ما بدأ. ولكن الـوعـي ا9تزايد بالنتائج األخالقية واالجتماعية التي qكن أن تترتب على كثير من الكشوف العلمية في هذا العصرB جعل من الضروري أن تضاف إلى أعباء Bهي أن «يفكر» في تلك النتائج قبل وأثناء قيامه ببحثه Bالعالم مهمة أخرى ور{ا أن qتنع أصال عن مواصلة الـبـحـث إذا أيـقـن بـأن نـتـائـجـه سـتـكـون
وخيمة. قونّولقد تفاوتت اآلراء في مشكلة «مسئولية العالم». فهناك من يـضـي
تلك ا9سئولية إلى احلد األدنىB فـيـرون أنـهـا تـقـف عـنـد حـدود مـعـمـلـه أو مختبرهB وأن العالم ال شأن له {ا يحدث خارج هذه احلـدود. وهـنـاك مـن يوسعون هذه ا9سئولية إلى أقصى حدB فيؤكـدون أنـهـا 3ـتـد فـي عـصـرنـا احلاضر إلى اجملتمع بأسره. ولكل من الفريقBc وكذلك 9ن يقفون موقفـا وسطا بينهماB حججه التي يدعم بها موقفه. ومن الواضح أننا ميالون إلى تأكيد مسئولية العالمB وأننا نصفق بحماسة حc جند عا9ا كبيرا يخرج من إطار عمله العلمي اخلالص لكي يـنـبـه الـرأي الـعـام فـي الـعـالـم إلـى خـطـر يوشك أن يحدثه العلمB أو حماقـة تـنـزلـق إلـيـهـا الـبـشـريـة نـتـيـجـة لـلـتـقـدم
التكنولوجي. ولكن ا9سألة ليست دائما بهذه البساطة. فهناك حاالت ال يستطيع ا9رء أن يكون فيها علـى يـقـc مـن أن تـدخـل العلماء في اتخاذ القرارات الكبرى ا9تعلقة {صير اجملتمع ال بد أن يكـون خيرا على الدوام. وهناك دول تولى علماءها وخبراءها ثقـة زائـدةB وتـوكـل إليهم أمورهاB فال جتد النتيجة مشجعة على الدوام. وقد ظهر ذلك بوضوح في عصرنا احلاضر في احلملة على ما يسمى «بالتـكـنـوقـراطـيـة». ولـفـظ «التكنوقراطية» يعبر عن نوع من أنواع احلكمB كالدqقراطيةB الـتـي تـعـنـي حكومة الشعب أو األغلبيةB واألرستقراطيةB التي تعني حكومة األقلية. أما التكنوقراطية فهي حكومة الفنيc األخصائيBc أو هي {عنى أوسع سيطرة
232
التفكير العلمي
هؤالء الفنيc وحتكمهم في اتخاذ القرارات الكبرى في اجملتمع. هذا النوع من السيطرة ثبت بالتجربة انه لم يكن خيرا على الدوام.
ذلك ألنه قد تبc أن هذا التكـنـوقـراطـيB الـذي هـو فـي األغـلـب عـالـم متخصصB أو خبير ذو جتربة واسعةB ينظر إلى األمور {نظور أضيق ا ينبغيB ينحصر في إطار اختصاصه وحده. وقد يكون ذلك مفيـداB بـل هـو بال شك ضروري في ا9سائل ا9تخصصة التي ال 3س إال نطاقا ضيقا من Bا9تعلقة {صالـح اجملـتـمـع كـكـل Bأما في ا9سائل ا9صيرية Bمصالح الناس فإننا كثيرا ما جند التكنوقراطيc عاجزيـن عـن تـأمـل األمـور مـن مـنـظـور شاملB ألن مهنتهم تغلب عليهمB ونظرتهم العلمية ا9تخصصة حتجب عنهم cرؤية احلقائق الكبرى للمجتمع العريض. ومن هنا فان هؤالء التكنوقراطي كثيرا ما يتخذون قرارات ضيقة األفقB وكثيرا ما يجد اجملتمع نفسه مضطرا إلى اللجوء إلى «السياسيc» غير ا9تخصصBc لكـي يـصـلـحـوا مـا أفـسـده العلماء احلاكمونB ولكنه يتميز عنهمB على األقلB بشمول النظرةB وباإلحساس
بنبض اجلماهير ومعرفة وقع القرارات احلاسمة عليها. وبطبيعة احلال فان الوضع األمثل هو أن يكون ا9عالم ذا وعي سياسي في الوقت نفسه. وهذا أمر يتحقق بالفعـل لـدى عـدد مـن الـعـلـمـاء الـكـبـار Bنعهم عـمـلـهـم الـعـلـمـي الـشـاقq والذين لم Bالذين يفخر بهم عصرنا هذا وانهماكهم في كشوفهم احلاسمةB من أن qتدوا بنظرهم بحيث تتسع 9شاكل العالم الكبرىB وتدرك وضع اإلنسان في اجملتمع ا9عاصرB وتنفذ إلى األسباب العميقة لألزمات التي يعانيهاB والى احللول الفعالـة لـهـذه األزمـات. ولـكـن أمثال هؤالء العلماء قلةB والغالبية الساحقة تنشغل بعملها العلمي إلى احلد الذي يحجب عنها رؤية كثير من حقائق العالم احمليط بها. ومن الصعب أن يعيب ا9رء على هذه الغالبية قصور نظرتها في األمور ا9تعلقة بالـسـيـاسـة واألوضاع االجتماعية ومشكالت اإلنسانB إذ أن العمل العلمي يزداد تعقيدا على الدوامB ومن الطبيعي أن يكون في ا9شكالت ا9هنية اخلاصة ما يشغل
العالم {ا فيه الكفاية. ومع ذلك كله فان العالم في عصرنا احلاضر-ينبغي أن يكون لديه حـد أدنى من الوعي بالنتائج ا9ترتبة على عـمـلـه الـعـلـمـيB وهـذا يـرجـع إلـى أن طبيعة العلم ذاتها قد أصبحت تقتضي ذلك. فحc تتغير وظيفة العلمB من
233
شخصيةالعالم
نشاط ال يؤثر إال تأثيرا محدوداB إلى نشاط مصيري qتد تأثيره إلى كافة جوانب احلياة البشريةB يكون من الطبيعي أن تتغير نظرة ا9شتغل بـهB مـن
اإلطار ا9هني الضيقB إلى ا9يدان اإلنساني الشامل. ولو تأملنا العالم احمليط بنا لوجدنا أن الظروف الواقعية ذاتهاB في هذا Bمفهومه بأوسع معانيها Bالعلم والسياسة cحتتم وجود تداخل وثيق ب Bالعالم أي {عنى التنظيم الشامل ألوضاع اجملتمعات البشرية. فلم يعد في استطاعة العالم أن qضي في حياته العلمية مستقالB ويبحث ا9شاكل التي تهمـه أو التي يريد كشفهاB بل أنه أصبحB كما قلنـا مـن قـبـلB مـرتـبـطـا عـلـى الـدوام
ده باألدوات ا9عقدةّ{ؤسسات اكبر منهB هي التي تقدم إليه اإلمكاناتB وتزو ا9كلفة التي أصبحت شرطا أساسيا للبحث العلمي في العـصـر احلـاضـر. وينطبق هذا على مختلف أنظمة احلكم القائمـة فـي الـعـالـم: فـفـي الـبـالد االشتراكية يرتبط البحث العلمي بخطة الدولةB وهي خـطـة سـيـاسـيـة فـي احملل األولB حتدد للعـلـمـاء مـجـاالت الـبـحـث ا9ـطـلـوبـةB ومـقـدار الـتـمـويـل والتسهيالت التي ستقدمها الدولة إليها. وفي البالد الرأسـمـالـيـة يـشـتـغـل عدد كبير من العلماء في مؤسسات ذات أهداف جتـاريـة مـبـاشـرة. وحـتـى العاملون في اجلامعاتB يقومون بكثير من مشروعاتهم لصالح هذه ا9ؤسسات بل إن ا9رتبات التي يحصل عليها علماء اجلامعات ومعاهد البـحـثB يـأتـي جزء كبير منها من مساهمات ا9ؤسسات الصناعية والتجارية في ميزانيات اجلامعات وا9عاهد. ومن الطبيعي أن تفرض هذه ا9ؤسسات اهتـمـامـاتـهـا اخلاصة على مجاالت البحثB فضال عن أنها ال تود أن يخرج ا9ـشـتـغـلـون بالعلم عن إطار السياسة العامة التي حتافظ على مصالح هذه ا9ؤسسات. Bفي النظام االشتراكي Bوإذا كان يبدو أن حتكم «اخلطة» التي تضعها الدولة هو األقوىB فان حقيقة األمر هي أن ا9ؤسسـات ذات األغـراض الـتـجـاريـة حتل محل الدولة في رسم السياسة ا9طلوبة للبحث العلمي في اجملتمعات الرأسماليةB ألنها 3ول نسبة كبيرة من مشروعات البحث العلمي عن طريق التبرع بأموال طائلة تخصم من الضرائب ا9ستحقة عليهاB وبذلك تضـمـن uوتضمن في الوقت نفسه استـمـرار ا9ـبـاد Bسيطرتها دون أن تخسر شيئا
العامة التي تتمشى مع مصاحلها. ولكنB بالرغم من أن االعتبارات السياسية تتحكم في العلم احلالي إلى
234
التفكير العلمي
Bفان كثيرا من اجملتمعات تطالب العلماء بأال يتدخلوا في السياسة Bهذا احلد وتضع كثير من ا9ؤسسات واجلمعيات العلمية هذا الشرط علـى كـل عـالـم مشتغل بها. فا9طلوب من العلم أن يكون طاقة للمعرفةB تعمل جهات أخرى على توجيهها وحتديد األهداف االجتماعية التي ستخدمها. وإذا شاء العالم أن يعبر عن آرائه السياسية واالجتماعـيـةB فـعـلـيـه أن يـفـعـل ذلـك بـوصـفـه مواطنا عادياB ال بوصفه عا9ا. وهذا هـو الـشـرط األسـاسـي «9ـوضـوعـيـة» العالم كما تفهمها مجتمعات كثيرة. وهذا أمر مؤسف. الن معـنـاه هـو أنـنـا نعمل منذ البداية على استبعاد ا9نهج العلمي من بـحـث ا9ـوضـوعـات الـتـي 3س صميم حياة اإلنسـانB اعـنـي ا9ـوضـوعـات الـسـيـاسـيـة واالجـتـمـاعـيـة واألخالقيةB مع أن هذه ا9ـوضـوعـات قـد تـكـون فـي أمـس احلـاجـة إلـى أن cنعالج هذه ا9وضوعات متـوخـ cتبحث باألساليب الفكرية السليمة. فح أن نبحث عن األدلة النزيهة في كل حالة: ونبتعد عن أساليب الدqاغوجية والتهويشB وحc نفكر في سياستنا وشئـون مـجـتـمـعـنـا تـفـكـيـرا يـخـلـو مـن االنفعالية وال يعترف إال باحلجة ا9نطقيةB وحc نخـتـبـر الـنـظـريـات الـتـي تنظم وفقا لها حياتنا االجتماعية عن طريق التطبيقB كما يفعل العالم في جتاربه ا9عمليةB وحc نبحث عن العالقات السببـيـة احلـقـيـقـيـة الـظـواهـر االجتماعيةB حc نفعل ذلك كلهB فنحن بغير شك نسدي خدمة جليلة إلى قضايا اإلنسان ا9صيرية في مجمعاتنا. وفي هذه احلالة يـكـون الـعـلـم قـد اثبت وجوده في اجملال السياسي واالجتماعيB ـا يـبـدد تـلـقـائـيـا تـهـريـج
اقc الذين يتحكمون في هذا اجملال احلاسم بأسالـيـب الّا9شعوذيـن واألف 3ت إلى العلم أو التفكير السليم بأية صلة.
ولكن ا9هم في هذه احلالة هو أن يكون العلم نزيها بحقB وان تعطى له فرصة التعبير عن نفسه دون ضغـط أو تـأثـيـرB وهـو عـلـى أيـة حـال شـرط
يصعب إلى حد بعيد حتقيقه في معظم اجملتمعات ا9عاصرة.
ثقافة العالم أدى بنا البحث في اجلوانب األخالقية لـشـخـصـيـة الـعـالـمB إلـى تـنـاول مشكلة «مسئولية العلماء» في العصر احلاضر. وقد تطرقنا عند مـعـاجلـة هـذه ا9ـشـكـلـة األخـيـرة إلـى مـوضـوع حـيـويB هـو مـدى الـوعـي الـسـيــاســي
235
شخصيةالعالم
واالجتماعي الذي يجب أن يتصف به العالم في وقتنا هذا. وهذا ا9وضوع األخير qثل في الواقع جانبا واحدا من مشكلة أعم بكثيرB هي: إلى أي حد ينبغي أن يخرج العالم في هذا العصر عن حدود تخصصه? هذه ا9شـكـلـة هي التي سنعاجلها في صورتها العامةB ضمن إطار بحثنا احلالي في «ثقافة
العالم». والواقع أن هذه ا9شكلة قد اكتسبت في وقتنا احلالي أهمية كبرىB كما أصبحت في الوقت ذاته مشكلة شديدة التعقيدB ألن العلم يسيرB على نحو متزايدB في خطc أو طريقc متضادينB وأن كان كل منهما ال يقل ضرورة عن اآلخر. فالعلم يتجه إلى ا9زيد من التخصصB ا يؤدي إلـى تـضـيـيـق النطاق الذي يدور في داخله تفكير العالم واهتمامـهB ولـكـنـه يـكـتـسـب فـي الوقت ذاته أهمية إنسانية واجتماعية متزايدةB ا يحتم على ا9شتغلc به أن qتدوا بأنظارهم إلى اآلفاق اإلنسانية الواسعة. وكلتا احلركتBc كما هو واضحB مضادة لألخرى. فعلى أي نحو إذن ينبغي أن تتشكل شخصية العالم في هذا ا9يدان? وما نوع الثقافة التي ينبغي أن يكتسبها العالم في عصرنا
احلاضر حتى يكون مستجيبا 9قتضيات هذا العصر? أن في وسعنا أن نعالج موضوع ثقافة العالم على مستويc: األول منهما هو ا9ستوى العلمي البحتB والثاني هو ا9ستوى اإلنساني العام. وا9ستويان متداخالن إلى حد بعيدB ولكن من ا9فيد أن نفرق بينهما مؤقتاB مع إدراكنا
نان إال جانبc في شخصية واحدة ينبغي أن تتصف بالتكـامـلّانهما ال يكو واالتساق بc مختلف عناصرها.
- من ا9سلم به أن التخصص في العلم يزداد بحيث تظهر على الدوام١ فروع جديدة لعلوم كانت موحدةB وفروع للفروعB كما يضيق باطـراد نـطـاق Bأي أن يتكلم عنه Bا9يدان الذي يستطيع العالم أن يقول أنه «متخصص» فيه ويبحث فيهB عن ثقة. هذا التخصص قد أفاد العلم فائدة كبرىB إذ انه هو Bالذي يتميز به عـصـرنـا احلـاضـر Bالذي أتاح ذلك التراكم الهائل للمعرفة والذي قلنا من قبل عنه انه يؤدي إلى تضاعف مجموع ا9عرفة العلمية في كل عدد قليل من السنوات. وال شك أن هذا التـخـصـص ا9ـتـزايـد مـرتـبـط باالزدياد الكبير في عدد ا9شتغلc بالعلمB ألن هذه الزيادة ضرورية 9واجهة
التخصصات والتفرعات التي تظهر بال توقف.
236
التفكير العلمي
على أنه إذا كان هذا التخصص ا9تزايد قد أفـاد الـعـلـم فـائـدة ال شـك فيهاB فان فائدته بالنسبة إلى تكوين العلماء أنفسهمB وبالنسبة إلى شخصية ا9شتغل بالعلمB هي شيء qكن أن يكون مثارا للجدل. ذلك الن العالم الذي يكرس حياته كلها جملال شديد الضـيـق فـي فـرع مـن فـروع الـعـلـمB يـتـحـدد تفكيره بهذا اجملال ويعجز عن اخلروج عنهB السيما وأن مقتضيات البحث العلميB وكمية ا9علومات األزمة لهB تزداد دواما في أي ميدانB مـهـمـا كـان ضيقه. وهكذا qكن أن يصبح كثير من ا9شتغلc بالبحث العلمي أشخاصا ذوي إنسانية ناقصةB وأبعاد ضيقة: فهم ينمون إلى أقصى حد ملكة واحدة من ملكاتهمB في ميدان محدود جداB بينما تظل بقية ا9لكات بال nوB ور{ا
ه الفيلسوف األ9اني نيتشه هذا ا9تخصص بإنسانّازدادت تخلفا. وقد شب يتألف من أذن أو أنف هائلة احلجمB وبقية جسمه ضئيل إلى جانبهاB هذا Bالذي يفصلنا عنه قرن كامل Bعلى الرغم من أن التخصص في عهد نيتشه
كان أقل ا هو اآلن بكثير. وqكن القول أن العالم الذي يريد أن ينجـح فـي مـيـدانـه مـضـطـرB فـي
ض نفسه لهذا اخلطر: فإزاء ثورة ا9علومات واالنفجارّوقتنا هذاB إلى أن يعر Bوإزاء ذلك الطوفان ا9تعاظم من األبحاث وا9قاالت والكتب العلمية Bا9عرفي يجد العالم نفسه أمام أحد أمرين: أما أن يحرص على استيعاب ما يكتب في ميدان تخصصهB حتى ال يكرر شيئا توصل إليه غيره من قبلB وحتى يلم بأحدث التطورات فيهB فيجيء ذلك على حساب تنمية قواه اخلالقةB وأما أن qارس قدراته اإلبداعية وال يكرس وقتا أطول ا ينبغي في قراءة ما هو موجود بالفعلB فيكون مهددا بتكرار بحث أجراه غـيـرهB أو بـالـبـدء مـن
جديد في طريق سبق أن سلكه آخرون. ولكن هذا التخصص ا9تزايد ال qثلB في الواقعB إال وجهـا واحـدا مـن أوجه التطور العلمي احلديث. فمع استمرار التخصص وتفرعهB يوجد اجتاه cالفروع ا9تباينة والى إجـراء بـحـوث مـشـتـركـة بـ cإلى كشف العالقات ب
. أي أن التـكـامـل يـعـوض جـزءا عـلـىInterdisciplinary Researchعـدة فـروع األقل من تأثير التخصصB ويصبح لزاما على العالم-وخاصة من كان عا9ا كبيرا-أن يتوصل إلى نظرة متكاملة إلى علمه: فإذا كان متخصصا في فرع من البيولوجيا مثال كان عليه أن يلم ببقية فروعها: وأن يعالج مشكالتها من
237
شخصيةالعالم
منظور الكيمياء والفيزياء والرياضياتB الخ. ومع ذلك فان لـهـذا الـتـكـامـل Bإذ انه يتعلق ببعض الفروع التي تتصل بصورة مباشـرة Bحدودا ال يتعداها أو غير مباشرةB {ـوضـوع الـتـخـصـصB ومـن ا9ـسـتـحـيـل أن يـكـون تـكـامـال «موسوعيا». فقد اختفى منذ وقت طويل ذلك ا9ثل األعلى الذي ظل qارس تأثيره حتى القرن الثامن عشر عند فيلسوف مثل «ليبنتس» الذي كان قادرا على استيعاب معظم معارف عصره واإلبداع فيها. وإذا كنا جند اليوم مـن آن آلخر شخصيات تتصور أنها قادرة على اإلحاطة {ختلف جوانب ا9عرفة البشريةB وتستعرض معلوماتها أمام الناس في مختلف فروعهاB فلنعلم أن اجلانب األكـبـر مـن هـذه ا9ـعـلـومـات نـاقـصـة أو زائـفـةB وأن الـعـمـلـيـة كـلـهـا
.cاستعراضية جوفاء ال تنطلي إال على البسطاء وغير ا9تخصص Bcوهكذا تكون هناك حدود «للتكامل» جتعله محصورا فـي نـطـاق مـعـ وتظل الغالبية العظمى من ا9شتغلc بالبحث العلمي عاجزة حتى عن بلوغ هذا التكامل احملدودB وتزداد أمام أعيننا بـاسـتـمـرار أعـداد أولـئـك الـذيـن
وهو شخصThe Learned Savageيطلق عليهم البعض اسم «الهمجي ا9تعلم» لم تكتمل صفات اإلنسان فيه ألنه ال يحمـل مـن زاد الـدنـيـا إال ا9ـعـلـومـات ا9تعلقة {يدان ضيق ر{ا لم يكن اإلنسان العادي قد سمع عنه في حياته. وا يزيد من فداحة ا9شكلةB أن أمثال هؤالء ا9تخصصـc مـحـدودي األفق همB في األغلبB أناس مترفعون عن غيرهمB يتحدثون فـيـمـا بـيـنـهـم لغتهم الغامضة اخلاصةB ويتصورون أن تخصصهم فيها يكسـبـهـم امـتـيـازا على كل من عداهمB مع انهم لو خرجوا عن ميدانهم األصلي قليال ألصبحوا مكشوفc 3اما أمام الغير. أمثـال هـؤالء «الـعـلـمـاء اجلـهـال»B قـد يـكـونـون أحيانا أسوأ من اجلهالء غير ا9تعلمBc ألن األخيـريـن عـلـى األقـل لـيـسـت لديهم ادعاءاتB على حc أن األولc يتصورون أن معرفتهم فـي مـيـدانـهـم اخلاص تبيح لهم أن يعدوا أنفسهم «عارفc» في ا9يادين األخرى. وكثـيـرا
نون مادة طريفة لـسـخـريـة مـؤلـفـي الـروايـاتّما جند هـؤالء أشـخـاص يـكـو وا9سرحيات الهزليةB حc يصورونهم وقد تظاهروا {عرفة كل شيء وهـم في الواقع ال يفقهون شيئا ا يخرج عن ميدانهم اخلاصB أو حc يسخرون من ميلهم إلى تطبيق لغة تخصصهم واصطالحاته الفنية عـلـى مـيـاديـن ال شأن لها به على اإلطالقB أو يعجزون عن مواجهة موقف من مواقف احلياة
238
التفكير العلمي
ا9عتادةB ألنهم لم يعرفوا كيف يالئمون بc عقولهم التي تشكلت في قالـب ضيق واحدB وبc مقتضيات هذه احلياة.
- أما ا9ستوى الثانيB الذي يرتبط با9ستوى السابق ارتباطا وثيقاB فهو٢ ا9ستوى اإلنساني العام. ذلك الن التخصص ا9فرط ال يؤدي فقد إلى عزل ا9شتغل بالبحث العلمي عن كافة جوانب ا9عرفة األخرىB بـل يـعـمـل أيـضـا على توسيع الفجوة بc العلم واإلنسانB إذ يحول العلم إلى أداة فنية مفرطة في التعقيدB والى مجموعة من اإلجراءات التي تقـتـضـي تـدريـبـا وتـعـلـيـمـا مكثفاB ومن ثم يتـبـاعـد الـعـلـم تـدريـجـيـا عـن اإلنـسـان فـي وجـوه ا9ـتـكـامـل احملسوسB وفي مشاكله الواقعية العينيةB ويزداد الباحث العلمي عجزا عن رؤية الصورة الكلية للحياة اإلنسانيةB ألنـه يـفـنـي عـمـره فـي قـطـاع شـديـد الضآلة من قطاعات عالم الطبيعة أو اإلنسان. وإذا كان العلم قي طبيعتـه األصليةB يستهدف أساسا أن يزيد اإلنسان وعيا بإنسانيتهB عن طريق زيادة معرفته وتوسيع أفقه الفكريB فيبدو انه يتجه اآلنB بعد أن أحرز هذا القدر من التقدمB إلى عكس هدفه األصليB أي إلى إقامة حواجز ال qكن عبورها
بc االشتغال بالعلم وبc ا9نابع األصيلة للحياد اإلنسانية. ومن أجل هذا لم يكن يكفي العالمB الذي يريد أن يبـقـي عـلـى روابـطـه اإلنسانيةB أن يكون أوسع اطالعا في فروع ا9عـرفـة األخـرىB الـتـي تـتـصـل {يدان تخصصه اتصاال مباشرا أو غير مباشرB بل انه في حاجة إلى نوع من الثقافة اإلنسانية التي تبعد عن العلم ا9تخصص بعدا تاما. وهذا مطلب يبدو حتقيقه عسيرا في ضوء اجلهد الضخم الذي يقتضيه البحث العلمي في وقتنا هذاB والذي ال يكاد يترك للعالم فراغا لشيء غيره. ولكـن األمـر ا9لفت للنظر هو أن عددا غير قليل من العلمـاء الـكـبـار الـذيـن يـفـخـر بـهـم عصرنا احلاضرB كانت لديهم مثل هذه االهتماماتB إذ كانوا يحرصون على أن تظل لديهم هذه النافذة ا9فتوحة ا9طلة على عـالـم األدب أو الـشـعـر أو ا9وسيقى أو الفلسفةB وكانوا يجدون متعة كبرى في العودة من أن آلخر إلى أحد ميادين اإلنسانياتB با9عنى الواسع لهذه الكلمـة. ور{ـا قـدم الـبـعـض مبررات لذلك باإلشارة إلى أن مصلحة البحث العلمي ذاته تقتضي ذلك: إذ أن اخلروج من آن آلخر عن مجال التخصص يتيح للمرء أن يعود إليه بعد ذلك بعقل أكثر تفتحاB وبرؤية أشد خصباB ا لو كان مـنـغـمـسـا فـيـه بـال
239
شخصيةالعالم
توقفB كما أن العقل العلمي في حاجـة إلـى فـتـرات مـن الـراحـة السـتـعـادة نشاطه وحيويته. وهذه مبررات صحيحة بغير شكB ولكنها ليست كافيةB إذ أنها ترتد في نهاية األمر إلى العلم ا9تخصص نفسهB وجتعل من العناصـر الثقافية في شخصية العالم مجرد «وسيلة» يستعc بها على حتقيق هدفه األول واألخيرB وهو الوصول إلى نتائج أفضل في ميدان تخصصه. وواقـع األمر أن كثيرا من هؤالء العلماء الذين يحرصون على تأكيد الروابط بينهم وبc ميادين اإلنسانياتB ال يتخذون من الثقافة مجرد وسيلة تعـيـنـهـم فـي عملهم العلميB بل يرونها غاية في ذاتهاB ويقبلون عليها ألنهم يحبون الثقافة ويستمتعون بها بالفعلB ال لكي تكون وسيـلـه لـقـضـاء فـتـرة فـراغ أو جـسـرا
يعبرون عليه من بحث علمي إلى آخر. هذا اإلقبال على الثقافة ذاتهاB من جانب العلماء الكبارB ال qكن تفسيره إال على أساس وحدة اإلنسان. فالروح اإلنسانية ينبغي أن تظل محـتـفـظـة بوحدتها مهما ضاق نطاق اهتمامها األصلي. والتخصص الدقيق ال ينـفـي على اإلطالق أن العالم إنسانB وانه بالتالي قادر على أن يتذوق ويستوعب اجلوانب اإلنسانية في الثقافة باإلضافة إلى اهـتـمـامـه الـعـلـمـي. وإذا كـان تقدم احلضارة اإلنسانية قد حتم التفرع في ميادين نشاطنـاB وجـعـل هـذه ا9يادين تتشعب أساسا إلى ميدان علمي وميدان أدبي أو إنساني (أو إلى ما
» تلك التسمية ا9شهورة: «الثقافتB«c العلمية واألدبية)Snowأطلق عليه «سنو موازيا لذلك في ملكات العقل اإلنسانيB فال بد أنًوإذا كان قد حتم تفرعا
نتذكر على الدوام أن أصـل هـذا كـلـه ومـنـبـعـه األول روح إنـسـانـيـة واحـدة. وهؤالء العلماء الذين يحتفظون بتعلقهم با9يـاديـن اإلنـسـانـيـة واألدبـيـة هـم الدليل القاطع على وحدة هذا ا9نبع الذي ينبثق منه كل نشاط عقلي وروحي
لإلنسان. والواقع أن الروابطB وجوانب التشابهB بc النشاط الذي qارسه اإلنسان في العلم وفي الفنون واآلداب أقوى ا يبدو للوهلة األولـى. وحـسـبـنـا أن نتأمل هنا دور «اخليال» في هذين ا9ـيـدانـc. ذلـك ألنـنـا نـتـصـور عـادة أن Bأن الـعـالـم cعـلـى حـ Bاخليال ملكة ذهنية الزمة للفنان واألديب وحدهمـا الذي يأخذ على عاتقه مهمة وصف الواقع على ما هو عليهB دون أية إضافة من عندهB ال بد أن يستبعد اخليال من مجال عمله. ولكن حقيقة األمر أن
240
التفكير العلمي
العالمB وأن كان يلتزم بالفعل بتلك النظـرة الـواقـعـيـةB يـجـد مـجـاال خـصـبـا B«نتحدث هنا عن «العالم c9مارسة ملكة اخليال في صميم عمله العلمي. وح فنحن ال نعنى ا9شتغلc العاديc بالعلمB الذين يتعc على كل منهم أن يلقى الضوء على جانب معc من جوانب مشكلة علميةB والذين يقومون بـا9ـهـام الروتينية ا9ألوفة في البحث العمليB وإnا نعني العلماء الكبارB أي أولئـك الذين يتغير بفضلهم مجرى العلمB ويتوصلون إلى كشوف أو نظريات علمية
ثورية. ذلك الن هؤالء العلماء الكبار هم الذين يستطيعونB بفضل الـنـظـريـات التي يتوصلون إليها أن يجمعوا بc عدد هائل من الوقـائـع والـظـواهـر فـي إطار واحدB ويعبروا عن جوانب شديدة التعدد بصيغة واحدة. ولكي يصلوا إلى هذه الصيغة يلجـؤون إلـى عـالـم وهـمـيB هـو عـالـم الـرمـوز وا9ـعـادالت الرياضية الذي ال يوجد في الواقع الفعليB بل يوجد في ذهن العالم وحده. ولو تأملنا النظرية التي يتوصل إليها العالم الكبيرB بعد أن تكتملB لوجدناها nوذجا فريدا لعمل متناسق أشبه بالعمل الفني الـرائـع. ذلـك الن أهـم مـا qيز الفن هو االنسجام والتوافقB وهذا التوافق يؤلف بc عناصر متباينة cفي وحدة متناغمة. والنظرية العلمية مشابهة لذلك إلى حد بعـيـد: فـحـ توصل عالم مثل نيوتن إلى نظرية اجلاذبيةB واستطـاع أن يـجـمـع عـالقـات األجسام الكونية كلهاB سواء منها احلجر الذي يسقط على األرضB والقمر الذي يدور حول ا9ريخ في صيغة واحدة تتسم بالبساطة الشديدةB كان في ذلك أشبه {ن يبدع عمال فنيا رائعا. ومن ا9ؤكد أن قـدرة الـنـظـريـة عـلـى Bوضم عدد هائل من الظواهر في وحدة واحدة Bتفسير مجال شديد االتساع تعطي مكتشف النظريةB وكذلك كل من يطلع عليها ويفهمهاB إحساسا جماليا Bفـي حـالـة األعـمـال الـفـنـيـة Bواضحا. صحيح أن هذا اإلحساس اجلمالـي يكون متعلقا بأشياء محسوسة أو ملموسةB وأنه في حالة النظرية العلميـة Bالظواهر cبالعالقات الذهنية غير احملسوسة ب B«يكون متعلقا «باجملردات ولكن التشابه بc احلالتc واضحB ألنه ينصب في هذه احلالة على جمع ما
هو متشتت في وحدة متآلفة. ونستطيع أن نستشعر في أنفسنا اإلحساس اجلمالي الذي تبعثه الفكرة العلمية اجملردة إذا رجعنا إلى ما يفعله التلمـيـذ الـذي يـدرس احلـسـاب أو
241
شخصيةالعالم
الهندسة في ا9دارس العادية. فحc يعمل هذا التلمـيـذ عـلـى حـل مـسـألـة حسابية أو 3رين هندسيB قد يلجأ إلى خطوات مطولة معقدةB يرهق فيها نفسه حتى يصل في النهايةB وبعد تعقيد شديدB إلى احلل ا9طلوبB ولكنه قد يهتدي إلى هذا احللB في حاالت أخرىB بطريقة مختصرة توصل إلى الهدف مباشرة وتوفر عليه عددا كبيرا من اخلطـوات. وحـc يـتـأمـل ا9ـرء هذا احلل ا9باشر اخملتصرB يجد فيه نوعا خاصا من اجلمالB هـو جـمـال عقلي مجردB تعبر عنه بساطة احلل وسهولتهB على حـc أن احلـل ا9ـعـقـد ا9طولB وان كان بدوره حالB يشير في النفس إحساسا بالقبح واالفتقار إلى
التوافق واالنسجام. Bالطبيعـيـة cولقد كان إدراك النظام الرياضي الذي تسير عليه القوان في مطلع العصر احلديثB باعثا لعدد من أقطاب العلم في ذلك العصر إلى
Keplerأن يروا في الكون عناصر جمالية تتحكم فيه. وهكذا تـصـور كـبـلـر العالم الفلكي ا9شهورB أن النسب الهندسية الرشيقة البـسـيـطـة هـي الـتـي تسيطر على الكون. وعندما وجد أن الظواهر الطبيعية الشديدة التعـقـيـد ذات بناء هندسي محكمB وقابلة للتعبير عنها {عادالت. بسيطةB بهره هذا الكشف إلى حد أنه تصور أن اللـه «مهندس» الكونB {ـعـنـى أنـه هـو الـذي يشرف على جعل احلوادث الطبيعية ا9عقدة خاضعة لنسب رياضة بسيطة. ولم يكن ذلك راجعا إلى أن نقص في إqانـهB بـل أنـه كـان يـؤمـن حـقـا بـأن ا9عجزة اإللهية الكـبـرى فـي هـذا الـكـون هـي األحـكـام والـتـوافـق واالتـسـاق الرياضي الذي تتمثل عليه القوانc ا9تحكمة في مساره. وتكرر ظهور هذه الفكرةB التي تربط بc اللـه وبc الرياضة أو الهندسةB لدى كبار الفالسفة في ذلك العصرB مثل ديكارت وليبنتس. وكان اجلميع يؤمنون بأن في الكون انسجاما عقليا مجردا وتناسبا في العالقات بc الظواهرB هو الذي تتمثل
فيه أعظم اآليات اإللهية. وهكذا كان التداخل وثيقا بc التجريد العلميB متمثال في أعلى مظاهره Bاخليال الذي يسعى إلى كشف اجلمال فـي كـل شـيء cوب Bوهي الرياضة وكان كل كشف جديد يثير لدى العالم حساسية جمالية متزايدةB بقـدر مـا
يوسع نطاق معرفته ويؤكد سيطرة العقل على الطبيعة. واحلق أننا ال نحتاج إلى أن نذهب بعيدا لكي نؤكد وجود رابطة وثيقـة
242
التفكير العلمي
بc العلم وملكة اخليال في اإلنسان ذلك ألن حاالت اإلبداع الـعـلـمـي ذاتـه تؤكد هذا االرتباط تأكيدا قاطعا. فالطريقة التي يظهر بها الكشف العلمي في ذهن العالم قريبة كل القرب من تلك التي تظهر بها فكرة العمل الفني Bفي ذهن الفنان. ولو رجعنا إلى ما كتبه العلماء أنفسهم عن حياتهم اخلاصة وعن الظروف التي توصلوا فيها إلى كشوفهمB لوجدنا أن الكثيـريـن مـنـهـم كانوا يهتدون إلى فكرة الكشف اجلديد بصورة مفاجئةB ور{ا هبطت عليهم الفكرة أثناء النوم أو في غفوة أو حلم يقظةB ور{ا أثارها شيء بسـيـط ال يكاد يثير في اإلنسان العادي أية فكرة ذات قيمة كما هي احلال في قصة التفاحة التي سقطت على نيوتن أثناء جلوسه ساهما في احلديقةB والـتـي أوحت إليه بقانون اجلاذبية (إذا كانت هذه القصة صحيحة). وهنا ال نكاد جند اختالفا بc طريقة ظهور نظريـة جـديـدة فـي ذهـن الـعـالـمB وطـريـقـة هبوط «الوحي» على الشاعر بأبيات قصيرة جديدةB أو ظهور حلن موسيقى
جميل في ذهن الفنان. بل إن التشابه ال يقتصر على هذا االنبثاقB الذي هو أشبه باإللـهـام أو االستنارة ا9فاجئة الكاشفةB وإnا qتد العلمي ما هو أبعد من ذلك. فعلماء النفس يقولون أن مثل هذا «اإللهام» ال يأتي عفوا-وهم على حق في ذلكB إذ أن الفواكه وغيرها كانت تسقط على رءوس الناس منذ ألوف السنc دون أن يستنتج أحد من ذلك شيئاB كما أن ماليc الناس قد غمروا أجسامهـم في احلمامات وارتفعت ا9ياه فيها دون أن يستخلصـوا مـن ذلـك أي قـانـون مثل قانون الطفو (كما حتكى القصة ا9شهورة األخرى عن العالم اليونانـي Bالكبير «أرشميدس»). فال بد لظهور هذا اإللهام ا9فاجئ من إعداد طويل وانشغال دائم {وضوع معBc ومستوى معc من التفكير. وهذا يصدق على العالم وعلى الفنان معاB إذ أن القـدرة الـتـلـقـائـيـة عـلـى اإلبـداع دون إعـداد سابق مستحيلة في حالة العالمB كما أنها أصبحت اآلن شبه مستحيلة في
حالة الفنان بدوره. Bكن القول أن ا9نبع الذي ينبثق منه الكشف أتـعـادى اجلـديـدq وهكذا والعمل الفني اجلديدB هو منبع واحد: وان اجلذور األولى والعميقة للـعـلـم
ي في نفسه حاسة التذوق الفنيّوالفن واحدةB ومن ثم فان العالم الذي ينم أو األدبي إnا يرجعB في الواقعB العلمي اجلذور األصيلة 9صدر اإلبداع في
243
شخصيةالعالم
اإلنسانB ور{ا كانت رعايته 9لكة اخليال في ذهنه سببا من أسباب إبداعه في العلمB وخاصة الن النظريات العلمية الكبرى حتتاج العـلـمـي قـدر غـيـر قليل من اخليال حتى تخرج بصورتها ا9تناسقة ا9ترابطة. صحيح أن العالم cولكنه ح Bيظل يالحظ ويراقب ويسجل الظواهر ويجرى التجارب عليها يبدع نظريته العامة يقوم بتلك «القفزة» ا9شهورة التـي تـتـخـطـى الـظـواهـر ا9شاهدة وتقتحم عا9ا كان مجهوال حتى ذلك احلc. وهو في جتاوزه للواقع ا9الحظ يحتاج إلى كل ذرة من قدرته التخيلية. فال عجب أن جند أقطاب العلم يقتربون من الفن اقترابا شديدا في طريقة إبداعهـمB وفـي جـرأتـهـم
على استكشاف اجملهول. وبعد هذا كلهB فان وجود الفن بوصفه عنصرا من عناصر ثقافة العالم- مع مالحظة أن كلمة «الفن» تستخدم هنا بأوسع معانيهاB أي با9عنى الذي يشتمل على الفنون ا9عروفة والشعر واألدب-يجعل من العالم إنسانا افضل. وإحساس العالم بنبض اإلنسانيةB واكتسابه رقة ا9شاعر التي يبعثها الفـن Bقد أصبح شيئا ضروريا في عصـرنـا احلـاضـر بـوجـه خـاص Bفي النفوس حيث يؤدى التخصص ا9فرط إلى جفاف في الروح ال تبلله إال قطرات من نبع الفنB وحيث تهدد العالم قوى تريد أن تستغل كل إبداع علمي ألغراض معادية لإلنسانB وهي قوى ال يستطيع أن يصمد أمامها إال علماء يحرصون على حفظ روابطهم بكل ما هو شريف ورقيق وصاف في النفس اإلنسانية.
244
التفكير العلمي
245
خا+ة
حc نتأمل بعمق مسار التفـكـيـر الـعـلـمـي عـبـر العصورB وحركـتـه الـتـي تـزداد تـوثـبـا ونـشـاطـا فـي عصرنا هذا على وجه الـتـخـصـيـصB وحـn cـعـن الفكر في السمات التي يكتسبـهـا الـعـقـل الـبـشـري نتيجة للتقدم العلمي ا9تالحقB ونحاول أن نستشف شكل العالم الذي سيؤدي إليه استمرار هذا التقدم في ا9ستقبلB إذا لم يقدر لعا9نا هذا أن ينتحر عن طريق العلم نفسهB في حرب نووية أو بيولوجية ال تبقي وال تذر-حn cتد بأنظـارنـا إلـى هـذه اتـفـاق ا9قبلة للعالم في ظل التقدم العلـمـيB فـان ا9ـرء ال qلك إال أن يرى أمامهB في ا9ستقبلB صورة عالم متحدB تختفي فيه كثير من الفـواصـل الـتـي تـفـرق بـc الـبـشـر فـي وقـتـنـا احلـالـيB وجتـمـعـه أهــداف وغـايـات واحـدةB وان لـم تـتـالشـى مـظـاهـر الـتـنـوع اخلصب التي ال بد منها لكي تكتسب حياة اإلنسان
ثراء وامتالء. وحc نقول أن النتيجة التي يؤدى إليهـا مـسـار Bفي رحلته الطـويـلـة الـشـاقـة Bهذا التفكير العلمي هي توحيد اإلنسانيةB فنـحـن نـعـلـم 3ـام الـعـلـم أن هذه النتيجة ما زالت بعيدة عن أن تتحـقـق. ولـكـن األمر الذي نود أن نؤكده هو أن كل العـوامـل الـتـي تقف حائال دون هذا التوحيد تتعارض مع الطبيعة احلقيقية للعلمB ومن ثم فان تقدم التفكير العلمـي
ينبغي أن يزيحها جانبا آخر األمر. ولكنB ما هي هذه العوائق التي تقف فـي وجـه
خا+ة
246
التفكير العلمي
ستخدم-كما هو حادثُاستخدام العلم لصالح اإلنسانية جمعاءB بدال من أن ي في الوقت الراهن-أداة للتفرقة بc البشر: وزيادة قوة فئات أو مجتـمـعـات معينة على حساب الباقc? إن من ا9عـتـرف بـه أن الـعـلـم كـانB مـنـذ بـدايـة Bيخدم شتى أنواع ا9صالح واجلماعات البشرية Bتقدمه في العصر احلديث Bفي استخدام العلم cواضحت cولكننا اليوم نستطيع أن نشير إلى طريقت تؤدى كل منهماB بطريقتها اخلاصةB إلى إرجاء اليـوم الـذي سـيـصـبـح فـيـه العلم قوة موحدة تخدم أرجاء بال تفرقـة. هـاتـان هـمـا: الـنـزعـة الـتـجـاريـة
والنزعة القومية في استخدام العلم. إن أحدا ال يستطيع أن ينكر أن العلم في كثير من اجملتمعات ا9عاصرة مازال يستخدم استخداما جتارياB وما زال البحث العلمي فيها يعد سـلـعـة تخضع 9تطلبات السوق وتخدم أغراضه. بل أن بعض العلماءB ن يقعون فريسة ألوهام«االقتصاد احلر» على النحو الذي كان يدعو إليه آدم سميث في القرن الثامن عشرB ما زالوا يؤمنون بأن هذا الطابع التجاري للعلم هو خير وسيلة للنهوض بهB إذ يؤدي اإلنسانية احتدام ا9نافسة بc ا9ؤسسات التجارية التي تقوم بتشغيل العلماءB ا يوفر للعلماء شروطا أفضل تعينهم على التقدم في بحوثهمB ومن ثم تكون احلصيلة النهائية مزيدا من الكشوف
العلمية الناجتة عن هذا التنافس. ولكنB مثلما تبc بعد وقت غير طويلB أن نظـام«االقـتـصـاد احلـر»B إذا ترك يسير تلقائيا دون ضابطB يؤدى اإلنسانـيـة عـكـس الـغـرض الـذي كـان يتصوره«مفكروه وفالسفته األوائل»B ويوقع اإلنسان فريسة لالستغالل بدال من أن يخدم مصاحله ا9اديةB فكذلك اتضح أن لالستخدام التجاري للعلم عيوبا فادحةB أوضحها تشتيت جهود العلماء وتبديدها. ذلك ألن ا9شـكـلـة العلمية الواحدة قد تصبح عندئذ موضوعا للبحث في عدة مؤسسات تتنافس فيما بينهاB وتسعى كل منها اإلنسانية أن تسبق األخرياتB فـتـضـيـع بـذلـك جهود عدد كبير من العلماء في بحوث مـتـقـاربـةB ور{ـا مـتـكـررة. ولـو كـان هناك تخطيط موحد ألمكن تركيز اجلهود على نحو أفضل من أجل الوصول اإلنسانية أفضل وأسرع حل للمشكلة. وفضال عن ذلك فان العلمB في ظل االستغالل التجاريq Bكن أن يصبح موضوعا لـالحـتـكـار. فـنـظـام بـراءات االختراع يعطى ا9ؤسسة التي تشتري حق استغالل كشف معBc احلرية في
247
خا+ة
استخدام هذا االختراع أو عدم استخدامهB وقد يظهـر كـشـف عـلـمـي إلـى تكنولوجي هامB دون أن يعلن على ا9أل ودون أن ينتشر بc الناسB ألن في نشره إضرارا {صالح جتارية ضخمة. وهكذا حتدد ا9ؤسسات الـتـجـاريـة توقيت االنتفاع من عدد كبير مـن الـكـشـوف اجلـديـدةB ور{ـا اشـتـرت حـق االنتفاع بها كيما حتجبها نهائيا عن الظهورB إذا كانت تهـدد اسـتـثـمـاراتـهـا الكبرىB أي أنها تشترى االختراع لكي تخنقهB إلى تعلنـه فـي الـوقـت الـذي تقتضيه مصاحلها هيB ال حاجة اجملتمع إليه. ومن هذا القبـيـل مـا أشـيـع وقتا ما من أن محركا جديدا للسياراتB ابسط وأقل تكلفة بكثير من احملركات احلاليةB قد اخترع واشترته شركة كبرى لكي حتجبه وحتمي استثماراتـهـا
الهائلة ا9بنية على نظام احملركات احلالي. Bعلى أن العيب األكبر في االستغالل التجاري لـلـعـلـم هـو ا9ـبـدأ نـفـسـه أعني إخضاع البحث العلمي لالعتبارات التجارية. ذلك الن العمل العلمـي Bالكبير شيء اعظم وأشرف من أن يقوم ويخضع للمقاييس التجارية با9ال بل إن هذا التقو“ ا9الي يكاد يكونB من الوجهة العمليةB مستـحـيـال: ذلـك الن كل عمل علمي ال يقتصر الفضل فيه على صاحبه فحسبB بل انه يرتكز في الواقع على جهد جميع العلماء السابقـc فـي مـيـدانـهB ولـو حـاولـنـا أن نحصره في شخص مكتشفه العترضتنا في هذه احلالة صعوبات أخرى: إذ أن العمل العلمي اجلاد ال يستغرق من حياة العالم أوقاتا معينـةB هـي تـلـك التي يقضيها في معمله أو مكتبهB وإnا يستغرق تفكيره كلهB ور{ا حيـاتـه السابقة بأكملهاB التي كانت كلها إعدادا وتهيئة لهذا الكشف. ومن هنا كان من العسير حساب وقت العمل الالزم لهB على عكس احلال في أنواع اإلنتاج
األخرى التي تخضع للتقو“ ا9ادي. إن من الصحيح بالفعل-دون أية محاولة للكالم بلغة إنشائية أو لـتـمـلـق ا9شاعر بطريقة بالغية-أن هناك أمورا أسمى وارفع من أن يعبر عنها بلغة التجارة وا9ال. فالكشف العلمي الذي تعم نتائجـه اإلنـسـانـيـة كـلـهـاB شـأنـه شأن العمل الفني الرفيع الذي يسعد اإلنسان ويسمو به في كل مكانB هي نواجت للعبقرية البشرية ال يصح أن تقاس با9قاييس ا9ادية. ومع ذلك فـان
ستغلُاحلقائق ا9ريرة في عا9نا ا9عاصر تقول بعكس هذاB وتؤكد أن العلم ي م جتارياB وانه يستخدم لتحقيق أرباح 9ـؤسـسـات مـعـيـنـةB جتـنـي مـنـهّويقـو
248
التفكير العلمي
أضعاف أضعاف ما أنفقت عليهB وتستخدمه لتحقيق أهداف مضادة لتلك التي يتجه إليها عقل العالمB ذلك العقل الذي ال يحركه إال السعي خلدمـة
البشرية كلها لتحقيق مصلحة فئة واحدة من فئاتها. أما النزعة القومية في العلم فر{ا كانت أشد خفاء من النزعة التجارية Bالتي تعلن عن نفسها صراحة وبال مواربة. ذلك الن دول العـالـم ا9ـعـاصـر وأوساطها العلميـةB ال تـكـف عـن تـرديـد الـقـول أن الـعـلـم ال وطـن لـهB وأنـه يتخطى احلدود القوميةB مثلما يتخطى احلواجز السيـاسـيـة والـعـقـائـديـة. فمن ا9ستحيل أن نتصورB مثالB كيمياء رأسمالية أو فيزياء اشتراكيةB مثلما أن علم األحياء اإلجنليزي ال qكن أن يكونB في أسسه الرئيسيةB مختلفـا عن علم األحياء الصيني. فاحلقيقة العلمية تفرض نفسها على العقلB في أي مكان أو زمانB بقـوة ا9ـنـطـق والـبـرهـان وحـدهـاB أي أن هـذه احلـقـيـقـة
بطبيعتها عا9يةB وال مجال فيها للتفرقة القائمة على أسس قومية. ولكن إذا كان هذا هو ما يعلنه اجلميعB فان ا9مارسات الفعلية تختلـف عن ذلك في كثير من األحيان اختالفا بينا. ففي نفس الوقـت الـذي يـؤكـد Bتظهر لديهم اجتاهات تتحدى هذا االعتقاد األساسي Bفيه الناس عا9ية العلم وتؤكد أن النزعة القومية ما زالت مـسـيـطـرة عـلـى عـقـول الـنـاس فـي هـذا اجملال بدوره. ويظهر ذلك بوضوح قاطع حc نقرأ الكتب التي تصـدر عـن مؤلفc ينتمون إلى الدول ا9تقدمة علميا: فاألمثلة الـتـي يـضـربـهـا ا9ـؤلـف الفرنسي لعلماء أو الكتشافات علمية هامةB جند أغلبها مستمدا من علماء uيتحدث اإلجنليزي عن تاريخ العلم فكثيرا ما يبدو للقار cوح .cفرنسي كما لو كان هذا التاريخ قد كتب على أيدي العلماء اإلجنليزB وقل مثل هذا عن األ9انB ور{ا عن األمريكيBc وهلم جرا. وكثيرا ما الحظت أن علـمـاء ومؤرخي الدول الغربيةB حc يتحدثون عن الهندسة الالإقلـيـديـةB يـبـرزون
»LobatchevskyB »األ9اني ويقللون من دور«لوباتشفسكي Riemannدور«رqان على حc أن الروس يرفضون حتى أن يوضع هذا األخير على قدم ا9ساواة مع األولB ألن مواطنهم كان أسبـق مـن زمـيـلـه زمـنـيـاB ومـن ثـم فـان لـه فـي
نظرهم الفضل األول في وضع هذه الهندسة. Bيعرض لنظرية التطور cوكم من مرة قرأت كتابا فرنسيا فوجدته: ح
اكثر ا يتحدث عـن دارونLamarckB والمارك Buffonيتحدث عن بيفـون
249
خا+ة
Bفإن«الفوازييه» يحجب عنده أية شخصية أخرى Bيتكلم عن الكيمياء cوح ور{ا تكلم في الفيزياء عن باسكال أكثر ا يتكلم عن نيوتن.
Bوفي عصرنا احلاضر تختلط النزعة القومية باالنحياز األيـديـولـوجـي فيدافع الكتاب االشتراكيون عن العـلـم الـذي يـظـهـر فـي ظـل أيـديـولـوجـيـة اشتراكيةB أو على يد عالم له اجتاهات اشتراكيةB بينما qيل علماء البالد الرأسمالية إلى اإلقالل من دور هؤالء األخيرينB وتأكيد فضل نظامهم على العلم. فمنذ العهد النازي في أ9انيا جند العلماء األ9ان يتجاهلـون«فـيـزيـاء أينشتي» زمنا طويالB ألنه غادر أ9انيا هاربا من النظامB وأدى هذا التجاهل إلى تقدم اإلجنليز واألمريكيc عليهم في هذا اجملال. وفي العهد الستاليني
»هو احلاكم بأمره في ميدانهLyssenkoBكان عالم األحياء ا9شهور«ليسنكو ألنه عرف كيف يوفقB بطريقة ال تخلو من التالعبB بc النظريات البيولوجية وبc الفلسفة ا9ادية الديالكتيكيةB ولذلك كانت نظرياته مـدعـمـة بـسـلـطـة cومعرض Bوكان خصومه-على ا9ستوى العلمي البحت-خصوما للدولة Bالدولة لكل ضروب االضطهاد. وما زلنا جند في االحتاد السوفيتي اهتماما كبيرا
» الذي حتدث عن الـصـواريـخ وغـزو Tsiolkovskyبأفكار«تسـيـولـكـوفـسـكـي الفضاء بإسهاب منذ أوائل القرن العشرينB كما جند من يؤكد أن اختراعات
اB أما في أمريكاّكثيرةB منها التليفزيون مثالB كان أول من توصل إليها روسي فهناك حرص شديد على تأكيد الدور الرائد لعلماء ومخترعc ر{ا لم يكن cفرانكل cمثل بنجام Bالعالم اخلارجي يعرف عن كشوفهم إال أقل القليل
. وال ننسى أن سفن«أبولو» التي هبطت مركباتها على سطحFultonوفولتون القمر قد حرصت على أن تغرس في تربته العلم األمريكي.
ويصل اصطباغ العلم بالصبغة األيـديـولـوجـيـة فـي الـصـc إلـى حـد أن العقيدة ا9اوية حتكمت في شروط اختيار ا9شتغلـc بـالـعـلـمB وفـي ظـروف عمل العلماء. ففي الصc ا9عاصرة ظهرتB منذ سنوات قليلةB حملة عنيفة
صفوا بأنهم يكـونـون«صـفـوة»ُضد العلماء ا9تخصصc ا9تـفـرغـc الـذيـن و متعاليةB ال تعرف كيف جتمع بc نظرياتها العلمية وبc ظروف حياة الشعب. واجتهت الدعوةB بجدية شديدةB إلى السماح لإلنسان«اإلشتراكي» العـادي بدخول اجلامعات ومعاهد البحثB مؤكدة قدرته على حتصيل العلم الرفيع والـوصــول إلــى كــشــوف جــديــدة فــيــهB وكــان هــذا حتــديــا جــريــئــا حــتــى
250
التفكير العلمي
9بدأ«التخصص» ذاتهB الذي يبدو لنا مبدأ مستقرا منذ بداية العصر احلديث. وعلى الرغم من غرابة فكرة اشتـغـال الـعـامـل الـعـادي أو الـفـالح الـبـسـيـط باألبحاث العلمية الرفيعةB فإنها تؤخذ هناك بجديـة شـديـدةB و قـد كـانـت واحدة من األسباب التي أدت إلى تغييرات أسـاسـيـة فـي مـنـاصـب الـدولـة
الكبرى وقتا ما. أما إذا انتقلنا إلى عا9نا العربيB فإنا جند كتابنـا حـريـصـBc بـطـبـيـعـة Bعلى تأكيد الدور الذي قام به العالم العربي في العصور الوسطى Bاحلال ويصل هذا احلرص إلى حد تأكيد ريادة كثير من العلماء العرب في ميادين علمية غير قليلة. ور{ا بالغ البعض فأكدوا أن أصول عدد من النظـريـات Bموجودة لدى العرب في العصور الوسطى Bكنظرية النسبية مثال Bا9عاصرة وهو تأكيد واضح البطالنB ال ألن العرب كانوا أقل من غيرهمB بل الن ظهور نظرية كهذه يحتاج إلى تطور معc في العلمB وال qكن تفسيره إال في ضوء ظروف عمر معc كان العصر الذي ظهر فيه العلم العربي مختلفا عنه كل
االختالف. من هذه األمثلة كلها يتبc لنا بوضوح أن النزعات القومية أو األيديولوجية ما زال لها تأثيرها القوىB حتى في أرقى اجملتمعات ا9عاصرةB في نظرتنا إلى العلم. ونحن ال نعنى بذلك التنديد بتدخل هذه النزعات في العلـم: إذ أن من ا9شروعB في بعض احلاالت عـلـى األقـلB أن يـفـخـر شـعـب أو نـظـام أيديولوجي معBc بعلمائهB ويهتم بتأكيد الدور الذي قاموا به أكثر ا يهتم بدور اآلخرينB ولكن ما نعنيه من إيراد هذه األمثلة هو أننا جميعا نعلن على ا9أل أن العلم ملك لإلنسانية كلهاB وأن حكمنا عليه ينبغي أن يكون موضوعيا ونزيهاB وأن العالم الكبير مواطن للعالم كلهB ال لوطنه فحسبB ولكننا نتصرف عمليا على نحو مغايرB ونحتفظ في أحكامنا على العلماء وعـلـى إنـتـاجـهـم بكثير من األفكار التي تنتمي إلى اإلطار القومي أو األيديولوجيB وهو إطار بعيد كل البعد عن النزعة العا9ية التي تتجاوز حدود األوطـان أو ا9ـذاهـب
الفكرية. هكذا qكن القول أن كثيرا من مظاهر العلـم مـا زالـت تـتـأثـر بـنـزعـات مضادة للنزعة العا9يةB ومع ذلك فان العالم يتجهB رغما عن كل شيءB إلى مزيد من التوحد بفضل العلم. فالتكنولوجيا احلديثةB التي هي نتاج مباشر
251
خا+ة
Bوتتشابه فـيـه األفـكـار والـعـادات Bخلقت عا9ا تتقارب فيه ا9سافات Bللعلم وتهدم فيه بالتدريج كل احلواجز التي تفرق بc البشر. ويوما بعد يوم يزداد تأثير تلك«الثقافة العا9ية»B التي خلقتها وسـائـل اإلعـالم احلـديـثـةB والـتـي جتعل الشاب في الشرق األقصى ال يختلف في مظهره وفـي هـوايـاتـه عـن نظيره في غرب أوروباB والتي تنشر في العالم كله ألوانا متقاربة من الفنون
اجلماهيرية تزيل الفوارق بc األذواق إلى حد بعيد. ولقد عاب الكثيرون على هذه«الثقافة العا9يـة» سـطـحـيـتـهـا وابـتـذالـهـا ونزعتها التجاريةB وكانوا على حق في ذلـك. ولـكـن إذا كـان مـضـمـون هـذه الثقافة مبتذالB نتيجة لظروف ا9رحلة الراهنـة مـن تـطـور الـعـالـمB فـان مـا يهمنا هو ا9بدأ نفسهB أعني وجود ثقافة على مستوى عا9ي. وال بد أن يأتي اليوم الذي تستغل فيه هذه اإلمكانـات الـهـائـلـة مـن اجـل نـشـر ثـقـافـة ذات مستوى إنساني رفيع على نطاق العالم كله. وهذا ما تنبهت إلـيـه الـهـيـئـات الدوليةB وعلى رأسها منظمة اليونسكوB التي 3ثل هي نفسها مظهرا هاما من مظاهر التوحيد الثقافي بc البشرB والتي تبذل جهودا كبيرة من اجل صبغ الثقافة العا9ية بصبغة ارفع من تلك التي تتسم بها الثقافة التجاريـة
احلالية. Bأن توحد العالم بفضل التقدم العلمي ليس هدفا مرغوبا فيه فحسـب بل هو هدف ال غناء عنه من أجل بقاء البشرية. وقد بيناB عند احلديث عن األبعاد االجتماعية للعلم ا9عاصرB كيف أن ا9شكالت اخلطيرة التي يواجهها العالم في الوقت الراهن تشـيـر كـلـهـا إلـى اجتـاه واحـد لـلـحـلB هـو االجتـاه العا9ي. وعلى العكس من ذلك فان جتاهل احللول التي تتـم عـلـى مـسـتـوى عا9يB أو إرجاءهاB ال بد أن يؤدى إلى كارثة للبشرية. وهذه حقيقة أدركها كثير من ا9فكرين ا9عاصرين الذين رفع بعضهم شعار: أما عالم واحدB أو ال
عالم على اإلطالق! ولكن هل يعنى ذلك أن العلم وحدهB وبقواه اخلاصةB هو الذي سـيـؤدى إلى هذا التوحيد? إن الكثيرينB وال سيمـا فـي ا9ـعـسـكـر الـغـربـيB يـؤمـنـون بذلك. فهم يعتقدون أن التقدم العلمي والتكنولوجي يستطيعB هو وحدهB أن Bحتى في اشد احلاالت تنافرا Bاالجتاهات ا9تباينة في هذا العالم cيقرب ب كما هي احلال في التضاد األيديولوجي بc الرأسمالية واالشتراكية. ففي
252
التفكير العلمي
رأي هؤالء أن حرص الدول التي تأخذ بهذين النظامc ا9ـتـعـارضـc عـلـى اتباع احدث األساليب العلمية والتكنولوجيةB هو في ذاته كفيل بأن يحـقـق تقاربا بينها قد يؤدى آخر األمر إلى إلغاء التعارض ا9ذهبي بينها. أي أنهم يرون أن الصراع األيديولوجي سيخلى مكانه في النهاية للتقدم العلميB و9ا كان هذا التقدم متشابها في احلالتBc فان األمر سينتهي بهذه اجملتمعات ا9تعارضة إلى التقارب. غير أن مفكري ا9عسكر االشتراكي ال qيلون إلـى هذا الرأيB ألن الصراع األيديولوجـي هـو الـذي يـقـرر فـي الـنـهـايـة-حـسـب رأيهم-مصير العالم. صحيح انهم يعترفون باألهمـيـة الـقـصـوى لـلـتـطـورات Bغير أنهم يرون أنها ليست هي احلاسـمـة Bالعلمية والتكنولوجية ا9عاصرة Bبل إنها تخضع لأليديولوجيا التي تعطي هذه التطورات اجتاهها ومعناها ويؤكدون أن نظرية«التقارب» القائم على أساس العلم والتكنولوجيا إnا هي محاولة عن ا9فكرين الغربيc للتستر على الفوارق األيديولوجية األساسية
بc النظامc العا9يBc ولتمييع الصراع احلاسم بينهما. وأيا ما كان األمرB فمن ا9ؤكد أننا ال نستطيع في عصرنا احلـاضـر أن نـفـصـل عـلـى نـحـو قـاطـع بـc الـعـوامـل األيـديـولـوجـيـة والـعـوامـل الـعـلـمـيـة والتكنولوجيةB ألن التأثير بـc الـطـرفـc مـتـبـادل. فـالـعـلـم يـتـأثـر بـاالجتـاه األيديولوجي لـلـمـجـتـمـعB إذ تـتـحـدد فـي ضـوء هـذا االجتـاه أهـداف الـعـلـم واألولويات التي تعطى لألبحاث العلميةB كما يتحدد في ضوئه مركز العلم وسط أنواع النشاط األخرى التي يقوم بها اجملـتـمـع. ولـكـن األيـديـولـوجـيـا ذاتها تتأثر بالعلمB ألن نوع الصراع األيديولوجي الدائر في عصرنا احلاضر يتحدد إلى مدى بعيد بالشكل الذي وصلت إليه اجملتمعات ا9عاصرة بفضل العلمB وال سيما في ميدان اإلنتاجB وهو ا9يدان الرئـيـسـي الـذي يـدور فـيـه
الصراع األيديولوجي. وهكذا نستطيع أن نقولB مرة أخرىB أن العالم يتجه إلى التوحد بفضل العلمB حتى لو أخذنا بالرأي القائل أن هذا التوحـد لـن يـقـرره إال الـصـراع األيديولوجي. وحc نتأمل صورة اإلنسانية في ا9ستقبلB فلن qلك ا9رء إال أن يتصورها وهى تفكر بعقلية عا9يةB وتـراعـي مـصـلـحـة اإلنـسـان فـي كـل مكانB بغض النظر عن فوارق اللون واجلنس والوطن والـعـقـيـدة. وعـنـدئـذ فقط سيكون التفكير العلمي لدى البشر قد استعاد طبيعته احلقةB بوصفه
253
خا+ة
Bيعلو على كل ضروب التـحـيـز والـهـوى Bبحثا موضوعيا نزيها عن احلقيقة ويزن كل شيء {يزان واحدB هو ميزان العقل.
254
255
مراجـع
- J.D.BERNAL: Science in History. 4 vols. 3rd ed. Pelican 1969.
- J.BRONOWSKI: The Common Sense of Science. Pelican 1960.
- M.R.COHEN: Reason and Nature. Free Press, Glen-coe, 1959.
- RENé DUMONT: L‘Utopie ou Ia Mort. Paris (Seuil) 1974.
- JEAN FOURASTIé: Les Conditions de l‘esprit scientifique. Paris, NRF, (Collection “Idées”) 1966.
- J. FRANEAU: La Pensée scientifique. Bruxelles, Editions Labor, 1966.
- N. R. HANSON: Patterns of Discovery. Cambridge U.P., 1958.
- J. LALOUP: La Science et l‘humain. Paris (Casterman) 1960.
- ERNEST NAGEL: The Structure of Science. N.Y., Harcourt-Brace, 1961.
- ERNEST NAGEL: Sovereign Reason. Free Press, Glencoe, 1954.
- KARL POPPER: The Logic of Scientific Discovery N.Y., Basic Books.1959.
- Proceedings of the XVth World Congress of Philosophy, Vol. I. Sophia.1973.
- A. D. RITCHIE: Scientific Method. Littlefield & Adams. N.Y.1960.
- H. ROSE & S. ROSE: Science and Society. Pelican.1971.
- B. RUSSELL: The Impact of Science on Society. Allen & Unwind.1967.
- The Scientific & Technological Revolution( several authors) Moscow,1972.
- S. TOULMIN: The Philosophy of Science, Hutchinson‘s University Library,1953.
- G. VOLKOV: Man and the Challenge of Technology. Moscow, 1972.
- C.H. WADDINGTON: The Scientific Attitude. Pelican 1948.
- W. WIGHTMAN: The Growth of Scientific Ideas. Yale U.P.1953.
256
257
الهوامش هوامش الفصل األول:
) انظر الفصل الثاني.١( )٢ (Jean Laloup: La Science et l‘humain, Paris (Casterman). 1960, p124 ) انظر الفصل التاليB العقبة الثالثة (إنكار قدرة العقل).٣(
هوامش الفصل الثاني: ) يالحظ أن اللفظ الدال على ا9غناطيسB في اللغة الفرنسيةB يعبر مباشرة عن فكـرة حـيـويـة١(
يعني «احملب» الن ا9غناطيس «يجذب» احلديد مثلما يجذبl’aimantالطبيعةB فهذا اللفظB وهو احملب محبوبه.
(٢) انظر في هذا اجلزء والصفحتc التاليتc مقال: الفكر اخلرافي وا9سئولية االجتماعيـة. د. .١٩٧٣فؤاد زكريا. مجلة الطليعة ا9صريةB ديسمـبـر
(٣) انظر في هذا اجلزء: الفلسفةB أنواعها ومشكالتها. تأليف هنتر ميدB ترجمة د. فؤاد زكريا. ).١٩٧٠الفصل الثالث. (القاهرة-دار نهضة مصر
(٤) انظر للمؤلف مقال «التعصب من زاوية جدلية» في كتاب «آراء نقـديـة فـي مـشـكـالت الـفـكـر .٥٥ - ٤٧. ص ١٩٧٥والثقافة». الهيئة ا9صرية العامة للكتاب-القاهرة
هوامش الفصل الثالث: )١ (W.Wiglitman: The Growth of Scientific Ideas. Yale. University Press, 1953. pp. 3-4
(٢)J.D.Bernal: Science in History. 3rd. ed. Pelican Books . 1969. Vol. I. pp. 235 (٣) انظر الفصل الثاني.
هوامش الفصل الرابع: )١B«الذي ينتهي نهاية تدل على «العلم B«نظرا إلى التركيب اللفظي اخلاص لكلمة «تكنولوجيا (
كما هي احلال في السيكولوجيا أو اجليولوجياB فان البعض يفضلون استخدام لفظ «التكنولوجيا»B {عنى «علم» التطبيقات العمليةB أي دراستها ا9نظمةB بينما التطبيقات نفسها
هي «التقنية» وهذا استخدام مشروعB ولكن األكثر منه شيوعا استخدام لفظ «التكنولوجيا» للتعبير عن عملية اإلنتاج التقنية نفسهاB باإلضافة إلى تعبيرها عن «العلم» الذي يدرس هذه
العمليةB وهو علم لم يظهر إال حديثا. (٢)J.D.Bernal: Science in History. Pelican Books 1969. vol. IV, p.1229 (٣)H.Rose & S. Rose; Science and Society. Pelican Books.. London, 1971. P.14 (٤)The Scientific and Technological Revolution Edited. by Robert Daglish. Moscow 1972. p. 58- 57
(٥) انظر الفصل التالي.
258
هوامش الفصل اخلامس: (لهذاIntroduction a la medecine experimentale) انظر كتاب «ا9دخل إلى الطب التجريبي» ١(
الكتاب ترجمة عربية للدكتور يوسف مراد-مطبعة دار ا9عارف القاهرة). (٢) انظر بالنسبة إلى اجلزء اخلاص بالعقل اإللكترونيB مقال «العقل البشري والعقل اإللكتروني»
.١٩٧٧للمؤلف. مجلة العربي عدد أبريل
هوامش الفصل السادس: Technology and في بحث بعنوان «التكنولوجيا والعقل» R.T.De George) طرح هذا السؤال ١(
Reason صوفيا Bص١٩٧٣ (انظر اجمللد األول من أعمال ا9ؤ3ر العا9ي اخلامس عشر للفلسفة B ٣٠٨.(
(٢)Bronowski: The Common Sense of Science. Pelican Books 1960. P.150.
259
ا�ؤلف في سطور: الدكتور فؤاد زكريا
.١٩٢٧× ولد في بور سعيد×ديسمبر B ونال١٩٤٩× تخرج في قسم الفلسفة بكلية اآلداب-جامعة القاهرة عام
) في الفلسفة من جامـعـة عـ١٩٥٦c) والدكتوراه (١٩٥٢درجتي ا9اجستـيـر ( شمس.
× عمل أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة بجـامـعـة عـc شـمـس حـتـى عـام ١٩٧٤.
× يعمل حاليا أستاذا للفلسفة احلديثة وا9عاصرة بجامعة الكويت. × ترأس حترير مجلتي الفكر ا9عاصر وتراث اإلنسانية في مصر.
× عمل مستشارا لشئون الثقافة والعلوم اإلنسانية في اللجنة الوطـنـيـة لليونسكو بالقاهرةB كما شارك في عدة مؤ3رات 9نظمة اليونسكوB وأخيرا
انتخب نائبا لرئيس الهيئة االستشارية لدراسة الثقافة العربية. × مـن أعـمـالـه ا9ـنـشـورة: Bأسبـيـنـوزا ونـظـريـة ا9ـعـرفـة اإلنسان واحلضارةB التعـبـيـر ا9وسيقـيB مـشـكـالت الـفـكـر والـثـقـافـةB تـرجــمــة ودراســة Bجلــــمــــهــــوريــــة أفــــالطـــــون .cوللتساعية الرابعة ألفلوط × ترجم مؤلفات متـعـددة منها: العقل والثورة (ماركيوز) والفن واجملتمع عبر الـتـاريـخ
(في مجلدين-هاوزر). × له عـديـد مـن ا9ـقـاالت والــدراســات ا9ــنــشـــورة فـــي صـحـف ومـجـالت سـيـاسـيــة
وأكادqية.
الواليات املتحدة واملشرق العربي
تأليف: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى
الكتابالكتابالكتابالكتابالكتاب القادمالقادمالقادمالقادمالقادم
- سمات التفكير العلمي
- التراكمية
- التنظيم
- البحث عن الأسباب
- الشمولية واليقين
- الدقة والتجويد
- عقبات في طريق التفكير العلمي
- أولا - الأسطورة والخرافة
- ثانيا -الخضوع للسلطة
- القدم
- الانتشار
- الشهرة
- الرغبة أو التمني
- ثالثا - إنكار قدرة العقل
- رابعا - التعصّب
- خامسا - الأعلام المضلّل
- المعالم الكبرى في طريق العلم
- العالم القديم
- العصور الوسطى
- العصر الحديث
- العلم والتكنولوجيا
- لمحة عن العلم المعاصر
- الأساس النظري
- الوضع الحالي للعلم
- الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر
- العلم والمجتمع
- الوضع الاجتماعي للعلم المعاصر
- مشكلة الغذاء والسكان
- مشكلة البيئة
- مشكلة الموارد الطبيعية
- مشكلة الوراثة والتحكم في صفات الإنسان
- مشكلة التسلح
- العلم والقيم الإنسانية
- شخصية العالم
- العناصر الأخلاقية في شخصية العالم
- الروح النقدية
- النزاهة
- الحياد
- العلم والأخلاق في العصر الحاضر
- ثقافة العالم
- مراجـع
- الهوامش
- هوامش الفصل الأول
- هوامش الفصل الثاني
- هوامش الفصل الثالث
- هوامش الفصل الرابع
- هوامش الفصل الخامس
- هوامش الفصل السادس